استمع إلى الملخص
- تجربة شياو يان لي تُظهر التحديات الاجتماعية والنفسية للأمهات، حيث تعرضت للوم والتهديد من عائلة زوجها بعد ولادة طفلها الخديج، مما أثر على حالتها النفسية ودفعها للتفكير في إيذاء نفسها.
- الباحثة لورا شانغ تؤكد على أهمية الدعم النفسي للأمهات اللواتي يلدن أطفالاً خدجاً، مشيرة إلى تأثير الاعتقادات السلبية على حياتهن الزوجية ومستقبلهن.
تختلف الأسباب التي تدفع الأمهات في الصين إلى الخوف من الولادات المبكرة. ولا يتعلق الأمر بصحة الجنين فقط، بل باعتبار الأمر فألاً سيئاً، عدا عن تحميل الأم المسؤولية
تُعدّ الولادات المبكرة حدثاً صادماً للآباء والأمهات حول العالم، لكن الألم يتفاقم في الصين، حيث غالباً ما تكافح الأمهات الجدد للحصول على الدعم اللازم باعتبار أن حدثاً كهذا يعتبر فألاً سيئاً بالنسبة للزوجين، لما يجلبه من متاعب لهما.
في الصين، حيث يُولد ما يقرب من 1.2 مليون طفل خديج سنوياً، شهد مستوى الرعاية التي تتلقاها الأسر تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. لكن في الماضي، لم تكن المستشفيات الصينية تعتبر إنقاذ الأطفال الخدّج أمراً ممكناً، وكانوا يواجهون مشاكل صحية متعددة، منها مشاكل في التنفس، ومشاكل في الجهاز الهضمي، وتأخر في النمو.
وبحسب تقديرات الشبكة الصينية لحديثي الولادة، فإن متوسط معدل بقاء المواليد الخُدّج في الريف على قيد الحياة يتراوح ما بين 60% و70%. أما في المناطق الحضرية، فغالباً ما يتجاوز 80%. وبحلول عام 2024، بلغ معدل بقاء المواليد قبل 32 أسبوعاً على قيد الحياة ما يقرب من 90%.
ورغم تقدم الطب في البلاد خلال العقود الأخيرة، ظل هذا الشعور بالخوف والقلق سائداً في المجتمع الصيني. وتشكل الولادات المبكرة صدمة كبيرة للعائلات. وتقول إحدى الممرضات في شهادة متصلة بالأمر، على صفحتها على موقع ويبو الصيني، إن بعض الأمهات اللواتي لم يستطعن تحمّل ضغط ولادة طفلٍ خديج، كن مُرهقات لدرجة عدم قدرتهن على إرضاع أطفالهن رضاعة طبيعية.
نظرات ازدراء
شياو يان لي، إحدى الأمهات التي عانت أثناء ولادة طفل خديج، تقول لـ "العربي الجديد"، إنه خلال الأشهر الأخيرة من الحمل، واجهت مشاكل في الجهاز التنفسي. وفي إحدى المرات، وقعت على الأرض بسبب ضيق التنفس، فنقلت إلى المستشفى، وأخبرها الطبيب أنها تعاني نزيفاً حاداً في الرحم، ويجب أن أخضع لعميلة قيصرية مستعجلة كي ننقذ حياة الجنين الذي لم يتجاوز عمره آنذاك 30 أسبوعاً.
تضيف أنّ معاناة العملية الجراحية رغم الألم الشديد، كان أخف وطأة عليها من الألم النفسي الذي رافقها بعد خروجها من المستشفى والذهاب إلى منزل زوجها. وتوضح أن أهل الزوج لم يكونوا راضين عما حدث، وكانت لديهم خشية على حياة الجنين، "واتهموني بالتسبب في ولادته المبكرة لأنني لم أعتن جيداً بنفسي، إذ كنت لا أزال أتردد على العمل. حتى أنّ أم زوجي دفعته إلى تهديدي بالطلاق في حال وقع أي مكروه للجنين".
تتابع أن نظرة اللوم "كانت ترافقني طيلة مدة الحضانة، ولم يقدم زوجي الدعم اللازم لي، واصطف إلى جانب أمه. وبدأت خلال تلك الفترة أسمع أحاديث وهمسات عن خطورة الأمر، وأن الأم التي تنجب مبكراً قد يتكرر معها ذلك في الحمل الثاني. لذلك، صارحني زوجي في إحدى المرات بأنه لا يرغب في إنجاب طفل ثان حتى لو فقدنا الجنين. وأثر ذلك على جهازي العصبي. وقد وصل الأمر بي إلى التفكير في إيذاء نفسي للخروج من هذه المشكلة". تضيف أن القصة انتهت بسلام بعد استكمال الجنين فترة الحمل وخروجه سالماً معافى، ويبلغ من العمر الآن ثلاث سنوات، لكنها لم تستطع حتى هذه اللحظة نسيان تجربتها ونظرات الازدراء التي رافقتها طيلة فترة الحمل.
اكتئاب ما بعد الولادة
تقول الباحثة في مركز دونغوان للإرشاد والتأهيل النفسي، لورا شانغ، لـ "العربي الجديد"، إن شعور النساء بالذنب نتيجة الولادة المبكرة أمر طبيعي، لكن ما ليس طبيعياً هو ردة فعل الزوج والمجتمع الذي يحمّل الأم المسؤولية رغم آلامها، في حين أن ذلك يحدث في الحياة نتيجة اضطرابات نفسية ومشاكل صحية عارضة. وتلفت إلى أن أمهات الأطفال الخدج، غالباً ما يحاصرهن شعور سلبي بالذنب والوحدة والاكتئاب. وهذه المشاعر لا تؤثر على عملهن وعلاقاتهن الاجتماعية فحسب، بل تشكل أيضاً عقبة أمام قدرتهن على تربية ورعاية أطفالهن. تضيف أنه حتى في الولادات الطبيعية، تكون الأم في حاجة إلى دعم وإسناد نفسيَين من أقرب المحيطين بها، خصوصاً الزوج. فما بالك حين تكون الولادة قيصرية ولطفل خديج، تحتاج الأم فور خروجها من المستشفى إلى تلقي عناية مضاعفة من أجل الاستعداد لاستقبال الجنين الذي قد يستمر وجوده في الحضانة لعدة أسابيع. بعد ذلك، تكون حالة الأم الصحية عاملاً رئيسياً في نجاة الطفل عبر الرضاعة الطبيعية، ما يساهم في اكتسابه وزناً أكبر، ويعزز نموه البدني والعقلي، وهذه مهمة ليست سهلة، وتزداد صعوبة في ظل أجواء أسرية غير مستقرة ومشحونة بالخلافات واضطرابات ما بعد الولادة.
وتعزو مخاوف النساء من الولادات المبكرة إلى نظرة المجتمع السلبية التي تربط هذه الحالات بمعتقدات قديمة تفسّر الأمر باعتباره فألاً سيئاً على حياة الأزواج والعلاقات الأسرية، فضلاً عن الاعتقاد بأن الطفل الخديج هو نوع من أنواع الإعاقة الجسدية والعقلية التي تنتقل بالوراثة من شخص إلى آخر في الأسرة الواحدة. بالتالي، تكون هذه النظرة عاملاً في إثارة مخاوف أمهات الأطفال الخدج، نظراً لتداعيات ذلك على حياتهن الزوجية ومستقبلهن في مجتمع لا يزال رغم تطوره يحملهم المسؤولية.