أمطار غزيرة تغرق مخيمات في الشمال السوري: وفاة طفلين وإجلاء عائلات ومرضى
استمع إلى الملخص
- أدت السيول في اللاذقية إلى انجراف جسر وانقطاع الطرق، مما استدعى استنفار الآليات لمعالجة الأضرار. في إدلب، غمرت السيول المخيمات، مما استدعى إنشاء مراكز إيواء مؤقتة وفتح المدارس والمساجد للنازحين.
- ارتفع منسوب نهر العاصي في دركوش، مما أدى إلى غرق أحياء وتضرر 30 عائلة. استجابت فرق الدفاع المدني لنداءات الاستغاثة، حيث أنقذت العالقين وأخلت المرضى والنازحين. تعاني المخيمات من انعدام البنية التحتية، مما يزيد من معاناة النازحين.
تسببت الأمطار الغزيرة في شمال غرب سورية والساحل الشرقي، مساء السبت، بفيضانات وسيول واسعة، أدت إلى وفاة طفلين وغرق وتضرر أكثر من عشرة مخيمات للنازحين في عدة مناطق بإدلب، ما فاقم معاناة العائلات التي تعيش أصلاً أوضاعاً إنسانية هشة، ودفع الجهات الرسمية والخدمية إلى إعلان حالة استنفار ومتابعة ميدانية على مدار الساعة.
وبحسب بيان لمنظمة الدفاع المدني التابعة لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث اليوم الأحد، أدت السيول إلى تضرر 14 مخيماً غربي إدلب ونحو 300 عائلة، فيما توفي طفلان بعد أن جرفتهم السيول في منطقة عين عيسى بريف اللاذقية الشمالي، كما توفيت متطوعة من الهلال الأحمر السوري، وأُصيب 6 آخرون، بينهم خمسة متطوعين، إثر حادث سير وقع أثناء توجههم للاستجابة للمتضررين.
كما تواصل الفرق عمليات البحث عن مدنيين اثنين في عداد المفقودين في منطقة العسلية بريف اللاذقية، بعد أن حاصرت السيول ثلاثة مدنيين، حيث نجحت الفرق في إنقاذ أحدهم بعد أن علق بإحدى الأشجار، فيما لا تزال أعمال البحث مستمرة عن الآخرين، رغم الصعوبات الكبيرة الناتجة عن عمق الوادي، وقوة التيار، وخطورة الجروف الصخرية.
انجراف جسر واغلاق طرق في اللاذقية
وأدت السيول التي شهدتها اللاذقية إلى انجراف جسر على النهر الكبير الشمالي فيما أدت الأمطار غير المسبوقة كما وصفها مسؤولون محليون إلى جرف أغصان الأشجار والشوائب وانسداد جسم السد وانحدار المياه من أطرافه الأمر الذي تسبب بانقطاع الطرق في المنطقة. وقال مدير المنطقة الشمالية في اللاذقية مصطفى جولحة، لوكالة "سانا" الرسمية، إن السيول تسببت في إغلاق عدد من العبارات المخصصة لتصريف مياه الأمطار وحدوث انجرافات خطيرة في التربة، مؤكداً استنفار جميع الآليات والفرق الفنية التابعة لمؤسسة المياه والموارد المائية، بالتعاون مع مديريات الزراعة والخدمات الفنية، للعمل على معالجة الأضرار وإعادة فتح الطرق.
وقال محافظ إدلب محمد عبد الرحمن إن السيول غمرت عدداً من المخيمات وألحقت أضراراً كبيرة بالخيام وممتلكات النازحين، ما استدعى توجيه جميع الجهات المعنية لاتخاذ إجراءات استجابة عاجلة لحماية الأهالي المتضررين وتأمين احتياجاتهم الأساسية. فيما عملت فرق الإنقاذ على تصريف المياه وفتح الطرق وإنشاء 8 مراكز إيواء مؤقتة للعائلات المتضررة.
وأوضح محافظ إدلب، في حديثه لوكالة الأنباء السورية "سانا"، أنه جرى فتح عدد من المدارس والمساجد لاستقبال العائلات التي اضطرت إلى مغادرة خيامها بشكل مؤقت، بالتوازي مع تحرك فرق الشؤون الاجتماعية لتقديم المستلزمات الضرورية من أغطية ومواد إغاثية، في حين تم إخلاء كادر مشفى عين البيضا والمرضى إلى مشافي جسر الشغور وإدلب، حرصاً على سلامة الطواقم الطبية والمرضى بعد تضرر المشفى جراء السيول. وأكد متابعتهم لتطورات الوضع ميدانياً على مدار الساعة، بالتنسيق مع الجهات الخدمية والإنسانية، لضمان سرعة الاستجابة والتخفيف من معاناة المتضررين، واتخاذ كل ما يلزم للحفاظ على سلامة الأهالي في ظل استمرار الأحوال الجوية غير المستقرة.
ارتفاع منسوب نهر العاصي: غرق أحياء سكنية
وفي بلدة دركوش غربي إدلب، ارتفع منسوب نهر العاصي بشكل مفاجئ بعد ساعات من الهطولات الغزيرة، ما أدى إلى غرق أحياء سكنية ومنازل في مدينة دركوش، وتضرر نحو 30 عائلة. ونقلت صحيفة الثورة المحلية عن رئيس المجلس المحلي لبلدة دركوش حمزة خضير قوله، اليوم الأحد، إن الفرق المحلية سارعت إلى نقل الأهالي إلى مراكز إيواء مؤقتة، مع التنسيق لقطع التيار الكهربائي عن المنازل المغمورة بالمياه منعًا لوقوع حوادث كهربائية. وأضاف أن عمليات الإخلاء الاحترازي استمرت حتى ساعات صباح اليوم الأحد للمنازل المهددة بالفيضان، محذرًا من احتمال استمرار ارتفاع منسوب المياه. كما دعا الدفاع المدني الأهالي القاطنين قرب مجرى العاصي، من دركوش وصولًا إلى قرى غرب سلقين، إلى الابتعاد عن ضفاف النهر.
ولم تقتصر السيول القوية التي ضربت المنطقة على إغراق الخيام، بل قطعت طرقًا رئيسية، وحاصرت عائلات بأكملها داخل أماكن إقامتهم المؤقتة، حيث أعلنت فرق الدفاع المدني أنها استجابت لنداءات استغاثة، وأنقذت عالقين، وأخلت مرضى ونازحين من المناطق الأكثر خطورة، ووفّرت ممرات آمنة لعبور الأسر المتضررة.
من جهته، قال وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح لوكالة "سانا"، إن فرق الدفاع المدني السوري تواصل الاستجابة بعد الأمطار الغزيرة التي هطلت على محافظة إدلب، وما نتج عنها من سيول تسببت بغمر عدد من الخيام في مخيمات منطقة خربة الجوز غربي المحافظة.
وأوضح الصالح أن الفرق تعمل على تنظيف المجاري المائية وتنفيذ عمليات إجلاء للعائلات المتضررة، مشيراً إلى أن فرق الوزارة تتابع الاستجابات والبلاغات الميدانية في كل من إدلب وسرمدا وجسر الشغور وسراقب وريف حماة، وفقاً لتطورات الوضع. ودعا الأهالي إلى توخي الحيطة والحذر، والابتعاد عن مجاري السيول ومناطق تجمع المياه، حفاظاً على سلامتهم، في ظل احتمالية استمرار الهطولات المطرية خلال الساعات القادمة.
وفي مخيمات خربة الجوز، وصف النازح حسن الدامور، وهو أب لخمسة أطفال، اللحظات القاسية التي عاشتها عائلته مع اجتياح السيول للخيام، موضحاً أن المياه دخلت بشكل مفاجئ إلى خيمتهم خلال وقت قصير، ما أدى إلى غرق كامل محتوياتها من فرش وأغطية ومواد غذائية. وأشار الدامور في تصريح لـ"لعربي الجديد"، إلى أن أفراد أسرته لم يتمكنوا من إنقاذ أي من مستلزماتهم الأساسية التي غرقت بالوحل، وقد اضطر إلى حمل أطفاله والخروج تحت المطر وسط حالة من الخوف والارتباك، ساعياً إلى إيواء أطفاله عند أحد الأقارب. وأكد أن هذه الخسائر ليست الأولى من نوعها لكنها تأتي في ظل أوضاع معيشية صعبة وانعدام أي قدرة على التعويض، لافتاً إلى أن تكرار غرق المخيمات مع كل منخفض جوي يضاعف معاناة النازحين ويجعل حياتهم أكثر هشاشة مع كل فصل شتاء.
وقال محمد درويشو، وهو من سكان قرية اليمضية شمال اللاذقية، لـ"العربي الجديد"، إن معظم مخيمات خربة الجوز وجسر الشغور، لا سيما مخيمات الفاتحة، وقاطع النهر، وشهداء سورية 2، وعائدون، وعطاء الخير، وسلمى 2، ومخيم بداما، وعشوائيات عين البيضاء، غرقت بشكل كامل، واضطر النازحون إلى اللجوء إلى المدارس أو مناطق مرتفعة قريبة.
وقال سارة المحمد، نازحة من ريف إدلب الجنوبي، لـ"العربي الجديد": "دخلت السيول إلى الخيام مساء بشكل مفاجئ. لم نستطع إنقاذ أي شيء تقريبًا، الفرشات والأغطية والطعام القليل جرفته المياه خلال دقائق. كنا نحمل الأطفال والماء يرتفع بسرعة. قضينا الليل واقفين من شدة البرد والخوف.. لم نغفُ حتى الصباح". وتضيف: "نعيش النزوح منذ سنوات، وكل شتاء يصبح أقسى من الذي قبله. لا خيام مجهزة ولا تصريف مياه. مع كل عاصفة نشعر أننا نبدأ من الصفر".
ويصف محمود شيخاني، وهو نازح من بلدة بداما بريف إدلب الغربي، ما حدث بالقول: "استيقظنا على صوت الماء يضرب الخيام كأنه بحر. لم يكن لدينا وقت لحمل شيء. حملت ابنتي على كتفي ومشيت في الوحل حتى المدرسة. كانت أسوأ ليلة عشناها منذ بدأ نزوحنا".
بدوره، قال صبحي السلور، نازح من ريف حلب يقيم في خربة الجوز شمالي اللاذقية: "هذا المخيم غير مجهز أصلًا لمواجهة الأمطار، فكيف بالفيضانات؟ مع أول ساعات الهطول تحولت الأرض إلى طين لزج، وغرقت الخيام بالكامل. الأغطية والفرشات تلفت، وكل ما نملكه أصبح مبللًا وغير صالح للاستخدام". ويتابع: "أنقذنا الأطفال وكبار السن فقط. بعد سنوات من النزوح، خسرنا ما تبقى لنا، ونشعر أننا نواجه الكارثة نفسها كل شتاء".
أما فاطمة الراموس، وهي نازحة تقيم منذ سنوات في أحد مخيمات جسر الشغور التي تضررت جراء السيول، فقالت إن ما شهدته خلال الساعات الماضية أعاد إليها مشاهد النزوح الأولى بكل ما تحمله من خوف وعدم استقرار. وأضافت لـ"العربي الجديد": "نحن لا نملك أي بديل عن هذه الخيام، ومع كل شتاء نعيش القلق نفسه والتشرد نفسه، المطر بالنسبة لنا كارثة حقيقية".
وأوضحت الراموس أن أطفالها يقضون لياليهم في البرد والوحل بعد غرق الخيام وتلف الأغطية والفرش، وأن الظروف الصحية تزداد سوءاً مع انتشار الرطوبة وانعدام وسائل التدفئة. وتابعت: "نخاف من المرض أكثر من أي شيء، خاصة مع استمرار الأمطار وضعف الخدمات الطبية داخل المخيمات". وحذرت من أن استمرار الهطولات المطرية قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية والصحية للنازحين، في ظل هشاشة البنية التحتية وغياب حلول حقيقية تحمي المخيمات من السيول، مؤكدة أن العائلات باتت بحاجة إلى دعم عاجل يتجاوز المساعدات المؤقتة. وختمت بالقول: "نريد حلولاً تحمينا من هذا الخوف المتكرر كل شتاء، لا أن نعيش الكارثة نفسها في كل مرة تمطر فيها السماء".
وتعاني مخيمات شمال سورية التي أقيمت مع بداية الحرب عام 2011 من انعدام البنية التحتية للتصريف وخيام مهترئة لا تصمد أمام المطر، فضلًا عن طرق ترابية تتحول إلى مستنقعات. ورغم عودة مئات آلاف النازحين السوريين إلى قراهم وبلداتهم خلال الأشهر الماضية بعد تحرير البلاد من حكم نظام الأسد، لا يزال أكثر من مليون يعيشون في مخيمات في شمال إدلب وسط ظروف صعبة وتحديات معيشية متواصلة. وبحسب إحصاءات حكومية نُشرت في سبتمبر/ أيلول الماضي، تجاوز عدد سكان المخيمات في شمال سورية مليوني نازح منتصف العام 2024، وقد عاد 344 ألفًا و733 منهم إلى مناطقهم خلال الربع الأول من العام 2025 فيما لايزال آلاف النازحين يقطنون في المخيمات.