أمطار غزة... طوفان يُعمّق جراح ساكني الخيام

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:27 (توقيت القدس)
أغرقت الأمطار مخيماً بحي الزيتون في غزة، 11 ديسمبر 2025 (عمر القطاع/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهد قطاع غزة أزمة إنسانية حادة بسبب المنخفض الجوي "بيرون"، حيث أغرقت الأمطار المخيمات، مما أدى إلى تلف الخيام وانقطاع الكهرباء وغياب التدفئة، مما زاد من معاناة السكان في ظل بنية تحتية مدمرة.
- تعاني غزة من تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023، حيث دمرت المنازل والبنية التحتية، ولم تتمكن طواقم الدفاع المدني من تلبية جميع نداءات الاستغاثة بسبب ضعف الإمكانات ومنع الاحتلال دخول المساعدات.
- يواجه أهالي غزة تحديات كبيرة مع اقتراب الشتاء، حيث سجلت حالات وفاة بسبب البرد، وتطالب الجهات بحلول عاجلة مثل البيوت المتنقلة، لكن الاحتلال يمنع دخولها، مما يعمق الأزمة الإنسانية.

أغرقت مياه الأمطار قطاع غزة ومعظم مخيماته في مشهد مؤلم جسّد وجع الأهالي والنازحين المثقلين بتداعيات الحرب الإسرائيلية، وسط بنية تحتية متدهورة وحصار يمنع توفير الحد الأدنى من الحياة.

تفاقمت الأزمة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة مع "بيرون" وهو المنخفض الجوي الحاد الذي يضرب المنطقة هذه الأيام، حيث غرقت الخيام وتلف الآلاف منها في ظل انقطاع التيار الكهربائي وغياب وسائل التدفئة، نتيجة تداعيات حرب الإبادة الجماعية. وسجّلت مئات الحالات لغرق خيام جراء الأمطار الغزيرة التي هطلت على مناطق متفرقة من القطاع منذ فجر أمس الأربعاء، حتى اليوم الخميس، فيما تشير التوقعات الجوية إلى استمرار هذه الحالة إلى حين انحسار المنخفض الجوي يوم غد الجمعة.

زاد المنخفض الجوي واستمرار هطول الأمطار لساعات طويلة من معاناة سكان القطاع الذي يقاسون أوضاعاً معيشية صعبة، وسط بنية تحتية مدمّرة، فيما تحولت حياة ساكني الخيام إلى "جحيم حقيقي". ووفقاً للدفاع المدني في غزة فقد سُجّل غرق مخيمات بأكملها في منطقة المواصي في خانيونس جنوباً، ومنطقة "البصة والبركة" في دير البلح وسط القطاع، و"السوق المركزي" في النصيرات، وفي منطقتَي اليرموك والميناء بمدينة غزة.

وتطايرت مئات الخيام في الهواء، فيما تعرضت الآلاف منها للتلف والغرق جراء الكميات الكبيرة من الأمطار التي هطلت على مدار ساعات طويلة، ما تسبّب في غرق مناطق واسعة ومخيمات كاملة من النازحين. ويُعد المنخفض الجوي المتواصل الذي يعصف بقطاع غزة، الثالث من نوعه هذا العام، وسط استمرار معاناة النازحين وسكان الخيام من غياب المنازل أو بدائل الإيواء.

المشهد هذه المرة كان أشد قسوة، إذ تداعت الخيام وتكسّرت الأخشاب التي تحملها بفعل الرياح العاتية (بلغت سرعتها بين 50 و60 كيلومتراً في الساعة)، وانهارت أجزاء منها فوق رؤوس العائلات النائمة. وقد وجدت أكثر من ربع مليون عائلة نازحة نفسها أمام كارثة لا يمكن وصفها إلا بأنها ضربة جديدة فوق جراح لم تندمل. ففي الليل، كان يُسمع صراخ الأطفال مع أصوات الرياح التي تخترق أطراف الخيام، بينما يحاول الأهالي جاهدين سد الثقوب بأكياس نايلون أو قطع قماش مبللة فقدت قدرتها على الحماية. البعض حمل فراشه فوق رأسه محتميا من الغرق، وآخرون قضوا الليل واقفين لأن الأرض صارت مستنقعاً، أما المرضى والأطفال وكبار السن فانتشرت بينهم أعراض الالتهابات الصدرية والحساسية.

يأتي ذلك في وقت يعاني فيه أهالي القطاع من تلف في الخيام، إذ تقدر الجهات الحكومية في غزة تلف ما نسبته 90% من الخيام بإجمالي يصل إلى 125 ألف خيمة، إضافة لعدم التزام الاحتلال بإدخال البيوت المتنقلة (الكرفانات).

كما أن سكان القطاع يقاسون مرارة الشتاء الثالث في ظل الإبادة الجماعية وتداعيات حربٍ إسرائيلية مدمرة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تسبّبت في تدمير شبه كامل للمنازل والبنية التحتية. وإذ حاولت طواقم الدفاع المدني في غزة مساعدة أهالي الخيام وسكان القطاع، غير أن ضعف الإمكانات حال دون تلبية كل نداءات الاستغاثة التي تخطّت 2500 نداء، في ظل انعدام المعدّات والمستلزمات المطلوبة لمواجهة الواقع المتردّي وحالات التطرف المناخي.

ويخشى أهالي غزة وسكان الخيام تحديداً من تداعيات المنخفضات الجوية المقبلة مع بلوغ فصل الشتاء ذروته، ولا سيما الفترة التي يُطلق عليها في غزة اسم "الأربعينية" وهي الفترة الأكثر برداً وهطولاً للأمطار، ابتداء من الثلث الأخير من الشهر الجاري.

عاشت سمر المنسي (38 عاماً) ساعات قاسية طوال الليل مع اشتداد المنخفض والبرد القارس، حيث أُصيب ابنها ياسر (8 أعوام) بنزلة برد مع سعال نتيجة سوء الأحوال الجوية، واضطرّت إلى نقله إلى المستشفى من أجل إعطائه حقنة. تقول لـ"العربي الجديد": "نعيش الجحيم بكل معنى الكلمة، بينما تنتفي الحلول، ولو الموقّت منها. إنه الشتاء الثالث في الخيام، من دون مقوّمات حياة. الأهالي يموتون من البرد، وكل ما نطمح إليه اليوم حلول عاجلة تمنحنا حياة كريمة، لا نطالب بالكماليات إنما في بديهية البقاء على قيد الحياة".

الصورة
أطاح المنخفض الجوي بآلاف الخيام، مدينة غزة، 11 ديسمبر 2025 (عمر القطاع/ فرانس برس)
أطاح المنخفض الجوي آلاف الخيام، مدينة غزة، 11 ديسمبر 2025 (عمر القطاع/ فرانس برس)

وسجّلت الطواقم الطبية في القطاع وفاة طفلة رضيعة لم تتجاوز تسعة أشهر من عمرها جراء البرد الشديد، حيث أعلن مستشفى ناصر الطبي وفاة الطفلة رهف أبو جزر، وهي من عائلة نازحة في مدينة خانيونس. ووقف والدها في ساحة المستشفى حاملاً ابنته الرضيعة أمام الصحافيين، ليقول: "قتلها البرد يا عالم... قتلها البرد يا أمّة، ما حد مدوّر علينا، أطفالنا بموتو واحد واحد"، وقبل أن يطبع قبلة الوداع على جبينها، قال الرجل الأربعيني: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

وتُعتبر رهف الوفاة الأولى التي سجلت نتيجة البرد المرافق للمنخفض الجوي الحالي، بينما سبق أن وُثّقت حالات وفاة في المنخفضين السابقين، وسط تحذيرات رسمية وحقوقية من الأوضاع المأساوية التي ضربت القطاع.

ويتحدث أحمد حمادة، من النازحين في منطقة ميناء غزة، عن الأوضاع المأساوية التي يعيشونها، بينما العالم لا يكترث لأمرهم، إنما يشاهد موتهم من دون أن يحرّك ساكناً لأجل الأطفال والمرضى، بحسب قوله لـ"العربي الجديد". ويسأل: "ماذا ينتظر العرب والمسلمون والعالم كي يتحركوا؟ لا نريد خياماً، إنها لعنة لا تحمينا من حر الصيف ولا من برد الشتاء. نريد إعادة إعمار منازلنا، ورفدنا حالياً ببيوت متنقلة تحمينا وتحمي أهلنا وأطفالنا من الأمطار".

وأظهرت بعض المشاهد ومقاطع الفيديو التي وثقها أهالي الخيام والصحافيون في مناطق مثل دير البلح والمواصي عمليات الغرق التي طاولت الخيام في ساعات الفجر الأولى، وغمر المياه لبعض الخيام على مسافة تصل إلى نصف متر، في ظل غياب أي بنية تحتية لتصريف المياه، ما ضاعف مأساة الغزيّين. ولم يتمكن عشرات الآلاف من السكان وقاطني الخيام من الحركة بسبب الكميات الكبيرة من الأمطار، وعدم وجود طرق صالحة وارتفاع منسوب المياه في مختلف مناطق القطاع.

لم تكن حال الفلسطينية سوسن شعيب أفضل من حال غيرها من النازحين بعد غرق المخيم الذي تقيم فيه جنوب القطاع، وتقول لـ"العربي الجديد": "نحاول منذ ساعات الفجر النجاة من الغرق والبلل، لكننا في نهاية المطاف غرقنا وقاسينا الصقيع والهواء البارد، إنه طقس صعب يصيب الكبار بالمرض، فمَا بالكم بالصغار". وتضيف: "أغرقت الأمطار خيامنا بالكامل، ولا نعرف أين نذهب رفقة أطفالنا بعد أن دمّر الاحتلال الإسرائيلي منازل العائلة ولم يُبقِ أي مكان نحتمي به". وتخاطب شعيب دول العالم بالسؤال: "ماذا تنتظرون كي تنقذونا وتوفروا احتياجاتنا بينما أقصى مطالبنا منازل آمنة فقط؟".

ويلفت المدير التنفيذي لشبكة المنظمات الأهلية في غزة، أمجد الشوا، إلى أن المنخفض الجوي الذي يضرب القطاع كشف هشاشة الوضع الإنساني وحجم الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، مشيراً إلى أن الشعب الفلسطيني يواجه صعوبات قاسية نتيجة الدمار الهائل، بما في ذلك وجود أكثر من 61 مليون طن من الركام، والضرر الكبير بشبكات الصرف الصحي وخطوط المياه. ويضيف الشوا لـ"العربي الجديد" أن الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على 57% من مساحة قطاع غزة، وهي المناطق الشرقية المرتفعة التي تنحدر منها السيول نحو المناطق الساحلية الغربية المكتظة بالسكان، ما يفاقم الأضرار. ويبيّن أن الاحتلال يواصل فرض الحصار المشدد ومنع دخول المساعدات والمواد اللازمة لإعادة تأهيل البنى التحتية، وفي مقدمتها شبكات الصرف الصحي، وكذلك الآليات والمعدات المطلوبة لانتشال الركام وتحسين ظروف مراكز الإيواء.

الصورة
ضاعفت الأمطار من معاناة النازحين، غزة، 11 ديسمبر 2025 (عمر القطاع/ فرانس برس)
ضاعفت الأمطار من معاناة النازحين، غزة، 11 ديسمبر 2025 (عمر القطاع/ فرانس برس)

ويحذّر من أن الوضع "بالغ الصعوبة"، خصوصاً مع النقص الحاد في الخيام، قائلاً: "نحن بحاجة إلى ما لا يقل عن 300 ألف خيمة، بينما لم يدخل القطاع حتى الآن سوى 40 ألفاً فقط، عدا عن كون الخيام ليست حلاً، لكنها قد تخفف من وطأة المعاناة، في حين يعيش آلاف المواطنين داخل خيام مهترئة لا تقوى على مواجهة هذا الواقع".

ويشير الشوا إلى أن الاحتلال يواصل منع دخول الشفاطات والآليات اللازمة لشفط المياه من مراكز الإيواء، بزعم أنها "مواد مزدوجة الاستخدام"، وهو ما يصفه بـ"الذرائع الواهية"، محذّراً من أن الأمور تتجه نحو مزيد من التدهور. ويتابع: "أبدت العديد من الجهات الدولية استعدادها لإرسال بيوت متنقلة، لكن الاحتلال يمنع دخولها، بل ويمنع حتى بعض أنواع الخيام التي تحتوي على قطع معدنية. هذا التعطيل يعمّق الأزمة الإنسانية التي يدفع ثمنها أهالي غزة، وخصوصاً النساء والأطفال وكبار السن والمرضى والجرحى، في ظل عدم توفر مستلزمات التدفئة من ملابس شتوية وبطانيات وفُرش، بعدما فقد آلاف المواطنين منازلهم". ويتطرّق الشوا إلى خطر انهيار المنازل المتضررة: "شهدنا اليوم انهيار منزلين، وقد يتكرر هذا المشهد ويسفر عن ضحايا إضافيين" مطالباً كل الأطراف الدولية بإدخال الاحتياجات الأساسية.

وكشف مسؤولون محليون وناشطون لـ"العربي الجديد" أنّ عدداً من البيوت المقصوفة تعرض للانهيار نتيجة المنخفض الجوي. وأدى المنخفض إلى انهيار منزلين في حيّ النصر غربي غزة وفي تل الهوى جنوب غربي المدينة، وسُجّلت إصابات وسط السكان نتيجة الانهيارات. ولاحقاً، أعلن الدفاع المدني انهيار ثلاثة مبانٍ بمدينة غزة بسبب المنخفض الجوي دون وقوع إصابات.

وكانت وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" قالت في وقتٍ سابق إن الشوارع المغمورة بالمياه والخيام المبللة تزيد من سوء الأوضاع المعيشية المتردية في غزة، موضحةً أن البرد والاكتظاظ وانعدام النظافة في القطاع تزيد من خطر الإصابة بالأمراض والعدوى. وطالبت "أونروا" بالسماح بتدفق المساعدات الإنسانية لمساعدة العائلات في قطاع غزة على مواجهة الشتاء بأمان وكرامة، مشيرةً إلى وجود 6000 شاحنة محمّلة جاهزة للعبور فوراً نحو القطاع تنتظر سماح الاحتلال لها بالوصول.

من جهته، يشير الناطق باسم الدفاع المدني، محمود بصل، إلى أن خيام النازحين تعرضت للتلف جراء هطول الأمطار بكميات كبيرة نتيجة المنخفض الجوي الراهن. ويكشف لـ"العربي الجديد"، أن آلاف الخيام تعرضت للضرر وسط توقعات بتعرض المزيد منها للضرر مع توسع المنخفض الجوي، وأن العوامل الجوية تتسبب باستمرار في عمليات تلف للخيام سواء في الصيف أو الشتاء. ويوضح بصل أن المطلوب هو تدخل المجتمع الدولي بشكل فوري وسريع لتوفير الاحتياجات الأساسية لمئات الآلاف من الأسر التي تعاني من البرد وتداعيات الإبادة الإسرائيلية على القطاع. 

المساهمون