"أمان" يحذّر من غياب الشفافية في هيئة التقاعد الفلسطينية وتأثير السلطة التنفيذية عليها
استمع إلى الملخص
- أشار عزمي الشعيبي إلى أن الهيئة تعمل دون رقابة، داعياً لمراقبة عملها، وأوضح أن غياب المجلس التشريعي يفاقم المشكلة، حيث تتدخل الحكومة في عمل الهيئة وتستخدم أموالها في استثمارات خاصة.
- أكد الشعيبي أن التعديلات القانونية والتعيينات السياسية أثرت سلباً على استقلالية الهيئة، مشيراً إلى تعاملها بسرية مع البيانات المالية وغياب الشفافية، مما يهدد حقوق المتقاعدين.
حذّر الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" من غياب الشفافية والاستقلالية داخل هيئة التقاعد الفلسطينية، بعدما انتقلت فعليّا من موقعها القانوني بصفة هيئة مستقلة إلى دائرة التأثير المباشر لمكتب الرئيس والسلطة التنفيذية. وأدى هذا التحوّل، وفق الائتلاف، إلى اختلالات عميقة في إدارة أموال المتقاعدين، وسط ما وصفه بوجود "روائح كريهة" داخل الهيئة التي تواصل عملها دون أي شكل من أشكال الرقابة أو المحاسبة.
وكشف المنسق العام لـ"أمان" عزمي الشعيبي، في تصريح لـ"العربي الجديد" عقب مناقشة الائتلاف ورقة خاصة بهيئة التقاعد، أن الهيئة تعمل دون محاسبة أو رقابة من أي جهة، داعياً أصحاب المصلحة الأساسية من متقاعدين وموظفين إلى التحرّك بأنفسهم لمراقبة عمل هيئة التقاعد. وقال الشعيبي: "إن ما ناقشته الورقة في (أمان) لا يختزل مجمل واقع هيئة التقاعد أو الإشكاليات المرتبطة بها، بل ركز على الاستثمارات، وتحديدا شفافية إدارتها".
وفي معرض ردّه على سؤال حول وجود "روائح كريهة"، في إشارة إلى شبهات فساد داخل هيئة التقاعد، قال الشعيبي في تصريح لـ"العربي الجديد": "إن غياب الشفافية، وهو ما خلصت إليه الورقة، يعكس رغبة القائمين على الهيئة في إبقاء أعمال الاستثمار داخل صندوق مغلق لا يُتاح فتحه أمام أصحاب الأموال الحقيقيين، أي المتقاعدين. ويبدو أن هناك ما يخشونه، أي ما يمكن وصفه بـ(الروائح الكريهة)، التي يسعون للتغطية عليها حتى لا يعرف أحد ما يجري فعلياً داخل هيئة التقاعد".
وتابع الشعيبي: "تكمن المشكلة في غياب المجلس التشريعي، بوصفه الجهة الأساسية المخولة بمساءلة الأطراف التي تدير الهيئة. إن الهيئة اليوم تخضع لمصلحة السلطة التنفيذية وتحديدا لمكتب الرئيس والحكومة، وبالتالي تقدم مصلحة السلطة التنفيذية على مصلحة أصحاب الأموال، أي المتقاعدين، وهذا خلل كبير ينسف الأساس القانوني الذي منح إدارة الهيئة مهامها وصلاحياتها خدمة للمتقاعدين".
وأضاف الشعيبي: "ديوان الرقابة كان قد أعد تقريراً سابقا، ووعد القائمون عليه أمس بإعداد تقرير جديد خلال هذا العام. ولكن للأسف تقارير الديوان، في ظل غياب المجلس التشريعي، تُحال مباشرة إلى الحكومة. وإذا كنا نشتكي أصلا من تدخل الحكومة في عمل الهيئة والديوان يقدم تقريره لها، فكيف يمكن أن ننتظر نتائج مختلفة حين تُرفع التقارير إلى الجهة نفسها التي تتعدّى على أموال هيئة التقاعد؟ فالحكومة هي المستدين الرئيسي من أموال الهيئة، وهي التي لا تحوّل مساهماتها من حصص تقاعد الموظفين، بل حتى مساهمات الموظفين أنفسهم تُقتطع ولا تُحوَّل إلى صندوق التقاعد. فإذا كانت هذه التجاوزات تأتي من الحكومة، فما جدوى توجيه الشكوى إليها أصلاً؟".
وفي تصريحات له، خلال لقاء عقد في مقر الائتلاف في مدينة رام الله، أكد الشعيبي أنّ تقرير "أمان" المتعلق بشفافية الاستثمار في هيئة التقاعد لا يمكن قراءته بمعزل عن الإشكالية المركزية المتمثلة في موقع الهيئة داخل نظام الحكم الفلسطيني. ورغم أنّ القانون يؤكد استقلالية الهيئة بصفتها تدير أموالاً تعود للموظفين والمتقاعدين، إلا أنّ التطبيق العملي أفرغ هذا المبدأ من مضمونه، وجعل الهيئة أقرب إلى مؤسسة خاضعة للأوامر التنفيذية.
وأوضح الشعيبي أنّ أحد الأسباب التي أفشلت مشروع الضمان الاجتماعي سابقاً كان فقدان الثقة من جانب الشركاء والمستفيدين، بسبب تجارب سابقة تتعلق بإدارة أموال عامة، ومنها هيئة التقاعد نفسها، وأشار إلى أنّ جزءاً من المشاركين في الهيئة يشعرون بأنّ أموالهم تُستخدم خارج نطاق مصالحهم، رغم أنّ الحكومة تساهم بحصتها كأي مشترك آخر، إلا أنّ هذه الأموال، وفق القانون، تصبح ملكاً للمشتركين بمجرد تحويلها لصندوق الهيئة، وتصبح دون طابع حكومي.
وأشار إلى أنّ الانحراف عن هذا المفهوم بدأ تدريجياً منذ أن جرى تعيين وزراء وقادة سياسيين على رأس الهيئة، مشيراًً إلى مرحلة تولي الوزير أحمد مجدلاني رئاستها رغم أنه قائد فصيل سياسي ووزير سابق وعضو لجنة تنفيذية حالياً في منظمة التحرير، وبالتالي موقعه الحزبي والتنفيذي يتعارض مع فكرة الاستقلال.
واعتبر الشعيبي أنّ هذا التعيين شكّل نقطة تحول خطيرة، حيث أصبح تعيين الرئيس ومجلس الإدارة للهيئة يتم عبر مكتب الرئيس، وتحوّلت إلى مؤسسة تتلقى التعليمات من السلطة التنفيذية بدلاً من العمل وفق قانونها الخاص. وأوضح أن هذا التحول أدى إلى استخدام أموال هيئة التقاعد في عمليات إقراض للحكومة أو ضخها في استثمارات خاصة بناءً على قرارات سياسية، وليس وفق تقييم اقتصادي مهني، إلى أن أصبحت هيئة التقاعد كمؤسسة تابعة لمكتب الرئيس.
وكشف الشعيبي أنّ تعديلات لاحقة على القانون استُخدمت لتمرير تعيينات بعينها، مثل تعديل المادة الخاصة بمؤهلات رئيس الهيئة لتتلاءم مع تعيين ماجد الحلو رئيساً لمجلس إدارة هيئة التقاعد الفلسطينية، مشيراً إلى أنّ "هذه الخطوة لم تكن سوى تأكيد على أنّ الهدف هو ضمان استجابة الرئيس الجديد لتوجيهات مكتب الرئيس، وليس تعزيز استقلالية الهيئة".
وتابع: "التفسير الوحيد لتغيير مؤهلات رئيس هيئة التقاعد حتى يتم تعيين ماجد الحلو في حينه، أنه يستجيب للأوامر الصادرة من مكتب الرئيس حول استخدام أموال الهيئة في الاستثمار في الحكومة أو القطاع الخاص، والمأساة الكبيرة أن الطريقة الوحيدة للاستمرار بهذه العملية هو إخفاء المعلومات، ولذلك أصبحت لماجد الحلو حساسية هائلة إذا طلب منه نشر أي معلومات حول هيئة قانون التقاعد".
وفي ما يتعلق بإدارة المعلومات، أكد أنّ هيئة التقاعد تتعامل مع البيانات المتعلقة باستثمارات الصندوق وأمواله "بسرية مفرطة وغير مبررة"، رغم أنّها ملزمة قانوناً بنشر هذه المعلومات، ولفت إلى أنّ "الحساسية الهائلة" لدى إدارة الهيئة تجاه نشر المعلومات تعكس حجم الإشكاليات الداخلية.
وقال الشعيبي: "رئيس الهيئة لا يدير التفاصيل المالية والإدارية بنفسه، وإنما تصل إليه توصيات من مراكز نفوذ لديها مصالح خاصة مرتبطة باستثمارات الصندوق"، وأشار إلى أنّ بعض أعضاء مجالس إدارة الشركات التي يستثمر فيها الصندوق هم أنفسهم مسؤولون في الصندوق، متسائلاً: "كيف يكون رئيس هيئة التقاعد رئيس مجلس إدارة في شركة تضع فيها الهيئة أمواله؟".
وبشأن الاستثمارات الخارجية، أوضح الشعيبي أنّ هيئة التقاعد ترفض الكشف عن أماكن هذه الاستثمارات أو نسبها، رغم أنّها تدير أموالاً عامة يجب أن تخضع للرقابة والمساءلة. وأبرز خطورة العلاقة المالية غير الواضحة بين الحكومة والصندوق، مؤكداً أنّ أحد أكبر الإشكاليات الراهنة هو عدم وجود رقم موحد ومتفق عليه لحجم ديون الحكومة لصندوق التقاعد، رغم مفاوضات مستمرة منذ خمس سنوات.
وقال الشعيبي إن "الحكومة تتعامل مع أموال المتقاعدين باعتبارها جزءاً من الخزينة، في الوقت الذي تلتزم فيه بدفع فوائدها وديونها للبنوك والقطاع الخاص في مواعيدها، لا توجد جداول سداد، ولا فوائد، ولا التزامات واضحة تجاه ديون التقاعد"، وهو ما اعتبره "خلطاً خطيراً بين أموال الخزينة وأموال المتقاعدين"، متابعاً "تشير تقديرات أمان إلى دين يصل إلى نحو 4.22 مليارات دولار (أكثر من 14 مليار شيكل)".
وفي مقارنة لافتة، أوضح أنّ "صندوق أموال اليتامى يُدار حالياً بكفاءة أكبر وشفافية أعلى من هيئة التقاعد، رغم محدودية موارده وضعف أنظمة العمل فيه، بينما تعمل هيئة التقاعد وكأنّ أصحاب الأموال غير موجودين، وتتعامل مع الأموال باعتبارها ملكاً لمجلس الإدارة أو الحكومة".
وحول دور الشفافية في منع الفساد، رأى الشعيبي أنّها أحد عناصر حماية المال العام إلى جانب النزاهة والرقابة، موضحاً أن تقرير "أمان" ركز على عنصر الشفافية فقط، فخلص إلى أنّها "غير موجودة"، وبالتالي "فرص الفساد أعلى"، وأشار إلى أنّ تقييم الاستثمار نفسه ليس من مهام "أمان"، وإنما من اختصاص مؤسسات مالية متخصصة.
وأكد المتحدث أن غياب المتقاعدين عن المشهد سمح باستمرار هذا الوضع الخطير، مشدداً على أنّ مستقبل أموال التقاعد عرضة للخطر، وأنّ استمرار الصندوق بهذه الطريقة يهدد حقوق عشرات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين، واعتبر أنّ "المعركة اليوم ليست على استثمار أو صفقة أو إدارة مالية فقط، بل على حماية حق الموظف والمتقاعد في أمواله، وعلى استعادة استقلال هيئة التقاعد من السلطة التنفيذية وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين".