- تركز الخطة على تعزيز جاهزية المستشفيات والمرافق الطبية، من خلال شراء معدات طوارئ وتوسيع مخزونات الوقود والأدوية، وتطوير برامج تدريب للتعامل مع الأزمات الصحية.
- تشمل الاستعدادات تعزيز الأمن الغذائي والطاقة، وتدريب الطلاب على التصرف أثناء الأزمات، بهدف تعزيز المرونة المجتمعية وضمان استمرارية العمل في الأزمات الطويلة.
في ظلّ قناعة متزايدة بأن الحروب الحديثة لن تستهدف الجبهات العسكرية وحدها، بل البنية التحتية المدنية أيضاً، بدأت السلطات الألمانية إعادة بناء منظومة دفاع مدني قادرة على التعامل مع مختلف أنواع الطوارئ.
تسابق ألمانيا الزمن لإعادة بناء منظومة الحماية المدنية استعداداً لسيناريوهات الطوارئ، وسط تصاعد المخاوف الأوروبية من تهديدات روسية محتملة، وتحذيرات متزايدة من أن المواجهة المستقبلية لن تقتصر على الجبهات العسكرية، بل ستطاول المجتمع المدني والبنية التحتية والحياة اليومية لملايين السكان.
وبينما تمضي السلطات في أكبر عملية إعادة تسلح منذ عقود، بدأت تدرك أن الجاهزية العسكرية وحدها لا تكفي، وأن البلاد تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء منظومة دفاع مدني قادرة على التعامل مع انقطاع الكهرباء وتعطل الإمدادات، والهجمات السيبرانية، وحتى سيناريوهات التلوث النووي أو الكيميائي.
ويعمل وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبريندت على إعداد خطة طوارئ بقيمة عشرة مليارات يورو، تهدف إلى تحديث البنية المدنية للحماية والإنقاذ، وتوفير إمكانات لوجستية وطبية تسمح بالصمود في حال نشوب حرب واسعة، أو أزمة ممتدة في أوروبا.
وخلال فترة الحرب الباردة، امتلكت ألمانيا نحو ألفي ملجأ وغرفة حماية موزعة على أنحاء البلاد. بينما اليوم، لم يبق منها سوى 580 ملجأ فقط، ويقول المسؤولون إن معظمها لم يعد صالحاً للاستخدام. وتكشف هذه الفجوة حجم التراجع الذي شهدته قدرات الحماية المدنية، ما دفع السلطات إلى إطلاق برنامج إعادة تأهيل الملاجئ، وتسجيل أماكن الاحتماء العامة، بما يشمل الأنفاق ومحطات المترو والأقبية ومواقف السيارات المقامة تحت الأرض.
وبحسب الخطة الجديدة، ستُربط هذه المواقع بنظام إنذار رقمي، ويُدشّن تطبيق إلكتروني للهواتف الذكية يوجّه السكان إلى أقرب نقطة آمنة في حال وقوع هجوم أو كارثة كبرى. ولا تنظر الحكومة الألمانية إلى هذه الإجراءات باعتبارها استعدادات فقط، بل جزء من حماية الحياة اليومية، واستمرار عمل المدن في مختلف الظروف.
في قلب هذه الخطط، تقف المستشفيات التي تُعد من أكثر المرافق هشاشة في أي أزمة، وتعمل السلطات الصحية الألمانية على مراجعة خطط الطوارئ في عدد كبير من المنشآت الطبية تحسباً لانقطاع الكهرباء، أو تعطل الاتصالات، أو وصول أعداد ضخمة من الجرحى خلال فترة قصيرة. وتتوقع حسابات وزارة الدفاع نقل نحو ألف جريح يومياً للعلاج في حال وقوع مواجهة عسكرية واسعة في شرق أوروبا.
وتشمل الخطة شراء أكثر من 110 آلاف سرير طوارئ قابل للتكديس، إضافة إلى أكثر من ألف مركبة متخصصة، وإنشاء فرق طبية متنقلة قادرة على الانتشار في أكثر من 50 موقعاً للتعامل مع الهجمات والكوارث الكبرى. كما يجرى توسيع مخزونات الوقود، والأدوية، وضمان قدرة المولدات الكهربائية على العمل لفترات طويلة، إلى جانب تجهيز وحدات متنقلة يمكن نشرها بسرعة قرب مراكز الإيواء ومحطات النقل الرئيسية، وفي الوقت نفسه، تطوير برامج تدريب موحدة لفرق الإسعاف والطوارئ للتعامل مع سيناريوهات التلوث النووي والكيميائي والإشعاعي.
ويتمثل التحول اللافت في التفكير الألماني في كون الأمن لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل بات يشمل ضمان استمرار الخدمات الأساسية، مثل الماء والكهرباء والاتصالات إذا تعرضت البلاد لأزمة طويلة.
ودخل الأمن الغذائي إلى قلب النقاش الحكومي، فبعض البلديات بدأت مراجعة قدرتها على توفير الغذاء والمياه للسكان في حالات الطوارئ الممتدة، بينما يجري التفكير في تعزيز المخزونات الاستراتيجية من المواد الغذائية الأساسية والأدوية والوقود، ودراسة خطط لتحويل المدارس والصالات الرياضية إلى مراكز إيواء مؤقتة إذا اقتضت الحاجة، في حين تعمل السلطات على تحديث شبكات الإنذار والإخلاء الجماعي.
أما قطاع الطاقة، فيُنظر إليه باعتباره نقطة ضعف رئيسية في أي مواجهة مستقبلية، فالحكومة الألمانية تخشى أن تؤدي الهجمات السيبرانية أو عمليات التخريب إلى شل الحياة اليومية، لذا بدأت البلديات وشركات الطاقة مراجعة قدرة الشبكات على الصمود في حالات الطوارئ. وتشمل الإجراءات إنشاء مراكز تشغيل احتياطية، وتوسيع استخدام مصادر الطاقة اللامركزية، مثل الألواح الشمسية، وتجهيز مرافق عامة بمولدات مستقلة تسمح باستمرار الخدمات الأساسية حتى في حال انهيار شبكة الطاقة الرئيسية.
ويقوم التحول الجديد في المقاربة الألمانية على أن الاستعداد للأزمات لم يعد مهمة الجيش وحده، بل أصبح مشروعاً مجتمعياً واسعاً يشمل المتطوعين ومنظمات الإغاثة. وتتضمن الخطة الحكومية إدخال مفاهيم الحماية المدنية إلى مناهج المدارس، وتدريب الطلاب على التصرف أثناء انقطاع الكهرباء أو نقص المياه أو الهجمات الكيميائية.
كما سيجرى تعزيز دور "هيئة الإغاثة التقنية" الألمانية عبر استثمارات تتجاوز ثلاثة مليارات يورو لتحديث المعدات والبنية التشغيلية. ويقول مسؤولون في منظمات الإغاثة إن الكثير من المتطوعين يستخدمون معدات قديمة تعود إلى عقود مضت، وسط تحذيرات من أن ألمانيا لم تعد مستعدة فعلياً للتعامل مع حرب واسعة، أو انهيار كبير في البنية التحتية.
ولا تقتصر المخاوف الألمانية الحالية على الغزو العسكري التقليدي، بل تشمل أيضاً الهجمات السيبرانية، واستهداف شبكات الطاقة والاتصالات، وتخريب سلاسل الإمداد، وعموم البنية التحتية. وتركز الخطة الجديدة على مفهوم "المرونة المجتمعية"، أي قدرة الدولة والسكان على الاستمرار في العمل في ظل الأزمات الطويلة.
ويقول مسؤولون ألمان إن الحرب في أوكرانيا، وأزمات الطاقة الدولية، وتكرار الهجمات الإلكترونية أخيراً أظهرت أن المجتمعات الحديثة يمكن شلّها بسرعة عبر استهداف منظومة الخدمات الأساسية، حتى من دون اجتياح عسكري مباشر.
وتتزامن هذه الاستعدادات مع تحذيرات متكررة من قيادات عسكرية ألمانية من أن روسيا قد تصبح قادرة على تهديد أراضي حلف الناتو خلال السنوات المقبلة، ما يدفع برلين إلى التعامل مع سيناريوهات الطوارئ باعتبارها احتمالاً يجب الاستعداد له، لا مجرد فرضية بعيدة.
وفي بلد اعتقد طويلاً أن الحروب الكبرى أصبحت جزءاً من الماضي، تعود اليوم مفردات مثل الملاجئ والطوارئ والتعبئة المدنية إلى صدارة النقاش العام، ولم يعد الحديث عن الأمن يقتصر على الدبابات والصواريخ، بل بات يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، فكيف سيحصل السكان على الماء إذا تعطلت المضخات؟ وكيف ستعمل المستشفيات إذا انهارت شبكات الكهرباء؟ وأين سيبيت الناس إذا توقفت الخدمات الأساسية لأيام طويلة؟ إنه تحول عميق في مفهوم الأمن الألماني، والأوروبي عموماً، لتصبح قدرة المجتمع على الصمود جزءاً لا يقل أهمية عن قوة الجيوش.