أفغانستان: تهميش مستمر لذوي الإعاقة

21 ديسمبر 2020
الصورة
معاناة ذوي الإعاقة في أفغانستان لا تنتهي (بولا برنستن/Getty)
+ الخط -

يشكو ذوو الإعاقة في أفغانستان من تهميش الحكومة لهم وسط الوضع المعيشي الصعب وعدم توافر مراكز صحية خاصة بهم أو مآوٍ. قصص المتعلمين من ذوي الإعاقة لا تختلف كثيراً عن غيرهم.

يبيع محمد داود بطاقات الهواتف المحمولة داخل مستشفى حكومي في مدينة جلال آباد، شرقي أفغانستان، وهو جالس على الكرسي، إذ بترت قدماه إثر تعرّضه لانفجار لغمٍ أرضي زُرع في حقلٍ له بجانب منزله في منطقة وزير، بمديرية خوجياني في إقليم ننجرهار الشرقي، قبل عقدين ونصف من الزمن. يساعده ابنه سديس ليصل إلى مكان عمله في الصباح الباكر، ويجلس هناك حتى وقتٍ متأخر من المغرب ليكسب لأسرته لقمة العيش قبل أن يذهب إليه ابنه الصغير ويساعده مرّة أخرى في نقله من مكان العمل إلى المنزل.

يقول محمد داود لـ"العربي الجديد": "الحياة أصبحت عبئاً ثقيلاً لا أدري متى سأستريح. مع إعاقتي مارستُ أنواعاً عديدة من الأعمال، وبعضها شاق، إذ أتذكر أنّي كنت أنقل الأقمشة عبر دراجة نارية من مكانٍ إلى آخر في مدينة بيشاور الباكستانية، أيام اللجوء وأنا على هذه الحالة. جئت إلى قريتي وزير، حيث أملك الأراضي، لكن بسبب الحرب والحالة الأمنية السيّئة، تركنا القرية لأنتقل إلى مدينة جلال آباد. هنا أعيش في منزل متواضع، أكسب لأولادي لقمة العيش".

يقوم بعض أقارب داود بمساعدته، لكنّ تلك المساعدة ضئيلة، فداود بحاجة إلى العمل المتواصل طوال أيّام الأسبوع. يقول محمد إسماعيل، زوج ابنته، لـ "العربي الجديد": "إنّ داود رجل ذو همة عالية، فمن لديه الحالة ذاتها يتسوّل في الشارع، أما داود فيعمل، رغم أنّ الانفجار الذي تعرّض له قد أَضرّه في إحدى عينيه ويده اليمنى مع بتر القدمين، لكنّه لم يستسلم. يخرج في الصباح الباكر ويعود في المساء ويعمل دون كللٍ أو ملل حتى أيّام الجمعة، حيث الأصحاء يبقون في المنازل وداود يمضي إلى العمل".

 

قضايا وناس
التحديثات الحية

 

ومثل حالة داود، هناك أيضاً شير آغا، الذي بُترت ساقه إثر انفجار سيارة بلغمٍ أرضيّ في مديرية جاك بإقليم ميدان وردك المجاور للعاصمة. آغا يبيع الخضار في منطقة تيمني في العاصمة الأفغانية كابول، ليساعد عائلته على تأمين لقمة العيش. وهو أيضاً يحظى بالمساعدة من شقيق زوجته وابن عمه، عبر إحضار الخضار له ليقوم هو بباقي المهام. لكن في بعض الأحيان، يضطر آغا للسير إلى السوق بنفسه، إذ إنّ ابن عمه لا يتمكن من الذهاب إليه في بعض الايّام، وبالتالي يوم ذهاب آغا بنفسه إلى السوق يُعتبر يوم تعبٍ كبير، كما يوضح لـ "العربي الجديد"، قائلاً: "التعب لا ينتهي في هذه الحياة، لكنّي أحمد الله على الصحة رغم بتر ساقي. أنا بصحة جيّدة. أستطيع أن أعمل، كذلك فإنّ ابني، إيمل آغا، يعمل أيضاً، إذ يملك متجراً صغيراً يبيع فيه أدوات التزيين التجميلية النسائية. وأنا ما أكسبه أسدّد به بعض احتياجات المنزل وأحضر به الفواكه لأسرتي".

يمنع الابن إيمل أباه من العمل بسبب كبر سنّه، لكنّ الوالد مصرّ على مواصلة العمل رغم الإعاقة، لأنّه يعتبر أنّ الجلوس في المنزل قد يمرضه. ويقول إيمل لـ "العربي الجديد": "منعتُ والدي مراراً من العمل والذهاب إلى السوق، لأنّي أستطيع أن أوفر لأسرتي ما تحتاج إليه، لكنّ الوالد يقول إنّ المشكلة الأساسية هي أنّ العبء سيزيد على كاهل ابني في حال تركي العمل، كذلك لا أحبّ الجلوس في المنزل".

لا تختلف قصص المتعلّمين والمثقفين من الأشخاص ذوي الإعاقة عن قصص غيرهم من الفئة نفسها. هم يشكون من لا مبالاة الحكومة وتهميشها لهم، بالرغم من دراستهم وتعلّمهم لسنوات عديدة. يقول نظيم الله صريحي، أحد الأشخاص ذوي الإعاقة في مدينة جلال آباد، وهو ناشط اجتماعي: "درست وأكملت مرحلة الماجستير، وحاولت الحصول على وظيفة جيّدة، قدمت الامتحان في دوائر حكومية عدّة، ونجحت في الامتحان، لكنّهم لم يقبلوني، لكوني من ذوي الإعاقة". ويتّهم الحكومة بالتهميش الكامل لقضية ذوي الإعاقة، إذ لا اهتمام في المستشفيات، في حين هم بأمسّ الحاجة إلى مراكز صحيّة خاصّة بهم. 

 

 

وهكذا أيضاً، أكمل سليم الله، مرحلة البكالوريوس. كان يتوقع أن يحصل على عملٍ في إدارة حكومية، لكنّ هذا الأمر لم يحدث. يقول سليم الله، وهو من الأشخاص ذوي الإعاقة، من سكان مدينة جلال آباد لـ "العربي الجديد" : "أنا ميسور الحال. أسرتي لا تحتاج مني شيئاً، لكنّي أريد أن أساعدها، كذلك لا بدّ لي من لعب دور في مستقبل البلاد. هناك الآلاف من ذوي الإعاقة الذين تعلّموا، ولا بدّ من أن تكون لهم حيثيّة خاصّة عند تعيين الموظفين".

الأشخاص ذوو الإعاقة يعانون من مشاكل عدّة، لكنّ أبرزها في أفغانستان، مع عدم توافر مراكز صحية خاصة بهم وفقدان المأوى. قبل نحو عشرة أعوام، إبان عهد الرئيس حامد كرزاي، أعلنت "إدارة ذوي الإعاقة" إطلاق مشروعٍ توزَّع بموجبه أراضٍ سكنيّة للأشخاص ذوي الإعاقة، وقد وزعت سندات الملكية على بعضٍ منهم آنذاك، لكن حتى الآن لم يتسلموا الأرض.

حيال هذه المشاكل، يقول أحمد علي، مسؤول "إدارة ذوى الإعاقة" في إقليم ننجرهار لـ "العربي الجديد": "إنّ الحكومة تولي اهتماماً كبيراً بقضية ذوي الإعاقة وتعمل على حلّ مشاكلهم". يوضح أنّ وسائل الحكومة هشة ولا يمكن الوصول إلى كلّ المطالب. ويُذكّر المسؤول بأنّ الحكومة تدفع حالياً رواتب شهرية لـ 29 ألفاً من ورثة القتلى، وذوي الإعاقة في إقليم ننجرهار وحده، كذلك فإنّ الحكومة تعمل جاهدة للوصول إلى كلّ قضاياهم

المساهمون