استمع إلى الملخص
- تُعد الأعياد فرصة للتواصل الاجتماعي وتجديد الروح الجماعية، مع ممارسة العادات المتوارثة مثل زراعة القمح وتحضير المأكولات التقليدية، مما يعزز الروابط الأسرية والاجتماعية.
- تساهم المطاعم والمقاهي في خلق أجواء احتفالية مميزة عبر تنظيم برامج خاصة، مما يعكس تغييرات اجتماعية واقتصادية، ويؤكد على قدرة مسيحيي دمشق على الصمود والاحتفال.
مع اقتراب أعياد نهاية العام، تستعيد العاصمة السورية دمشق شيئاً من نبضها الذي خفت خلال السنوات الماضية، وتحاول أن تترك خلفها أثر الحرب والدمار، ولو مؤقتاً. في أزقة باب شرقي وباب توما والدويلعة في وسط المدينة القديمة، تتسلل أنوار الميلاد عبر النوافذ، وتتناثر ترانيم الكنائس بين الجدران القديمة، بعد سنوات طويلة في انتظار الاستقرار.
تزيّن مارينا حداد، وهي معلمة في إحدى مدارس دمشق، شجرة الميلاد في بيتها، وتقول لـ"العربي الجديد": "أريد أن يشعر أطفالي بالعيد كما كنا في أيام طفولتي. بالنسبة لي ليست الزينة مجرد تقليد، بل فعل مقاومة للظروف الصعبة، ووسيلة لإعادة الأمل إلى قلب الأسرة بعد سنوات من فقدان الفرحة. أصبح تجهيز البيت للعيد طقساً شخصياً وعائلياً يمنح لحظة استراحة من القلق اليومي".
ويقول يوسف عبود، وهو موظف حكومي من باب توما، لـ"العربي الجديد"، إن "الاحتفال ليس مجرد طقس ديني، بل فرصة للتواصل الاجتماعي. نحاول أن نجتمع كعائلة ممتدة. نصلي معاً، ونتبادل التهاني. هذا العام أشعر بأن العيد له طعم مختلف، طعم البقاء والنجاة بعد كل ما مررنا به، لكن الفرح أصبح حذراً، ومحاطاً بالوعي الأمني والقلق من أي طارئ".
وتقول مريم عوض لـ"العربي الجديد": "نحاول أن نعيش أجواء العيد بطمأنينة، لكننا نشعر بالخوف أحياناً، خصوصاً خلال سهرتنا المتعارف عليها، أو عند ممارسة الطقوس التقليدية في الكنيسة أو المنزل. يتصرف البعض بحرص وحذر، بسبب تجارب سابقة وتناقل أخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لا نريد أن نغيّر عاداتنا، لكن الحذر حاضر. نتمسك بالاحتفال والفرحة بوعي أن الأعياد يجب أن تمر بسلاسة وأمان".
وتقول كريستينا شدود، وهي صاحبة مقهى في حي الشعلان، لـ"العربي الجديد": "نريد أن نحتفل، لكننا نحسب كل خطوة، وكل إنفاق. تجهيز الأعياد هذه المرة أقل من الماضي، لكن وجود الزينة والأغاني الميلادية في المقهى يبعث رسالة بأننا لا نزال هنا، ونحتفل بالرغم من كل الصعاب. العيد بالنسبة لي مزيج من الأمل والواقعية. احتفال محدود يحمل رسالة صمود للمجتمع".
ويرى الأب جرجس معلا، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "أعياد نهاية العام فرصة لتجديد الروح الجماعية. بعد القداديس سنستقبل الناس بروح مختلفة، علماً أن الحضور محدود لكنه مؤثر، والهدف أن يشعر المؤمنون بأن الكنيسة لا تزال هنا، وأن الحياة تستمر رغم كل ما مضى. الأعياد رسالة سلام للمدينة والعائلات". يضيف: "لم تعد الاحتفالات شعائر دينية، بل رموزاً لمقاومة النسيان وإحياء الأمل، وإشارة إلى أن التعايش لا يزال ممكناً رغم التحديات".
وبدأت منذ الأول من ديسمبر/ كانون الأول، التحضيرات لعيد القديسة بربارة، والذي احتفل به في الرابع من الشهر. تقول ريتا الإبراهيم لـ"العربي الجديد": "عيد البربارة ليس مجرد تقليد، بل عادة متوارثة نحرص على استمرارها كل عام. نزرع القمح في أوانٍ صغيرة، ونضعه أمام الشموع، ونحتفل مع الأطفال. هذه العادات لا تزال حية كما في طفولتي، ولم تتغيّر. نمارس عاداتنا بطمأنينة في دمشق. الأعياد رسالة أمل وفرح، ونتهيأ لاستقبال عيد الميلاد ورأس السنة".
يُمهد عيد البربارة لموسم أعياد الميلاد، وتتحوّل الكنائس إلى فضاءات مضاءة بالشموع والزينة، وتُقام قداديس تجمع المؤمنين للصلاة والترنيم، كما يحرص المسيحيون على الاحتفال في بيوتهم من خلال شجرة الميلاد والزينة، وتحضير مأكولات خاصة.
تقول نورما ماديني، من منطقة الدويلعة، لـ"العربي الجديد": "أبدأ تحضيرات الأعياد مبكراً، فأصنع أنواعاً من كعك العيد، وأجهز الدجاج المشوي والكبة المشوية وبعض المقبلات التقليدية. لكل طبق ذكريات ترتبط بالعائلة والأصدقاء، وكل شيء نصنعه في المنزل يحمل طابعاً من الحب والدفء. تحضير الطعام جزء من روح الاحتفال، ويشارك الأطفال أحياناً في تزيين الكعك وتحضير المقبلات، ما يجعل الأجواء أكثر فرحاً. حتى لو كانت الظروف صعبة، نصرّ على أن تكون مائدة العيد غنية بما اعتدنا عليه، لأن الطعام ليس مجرد تغذية، بل هو رمز للاحتفال والصمود، ولإبقاء الروابط الأسرية والاجتماعية قوية".
تتابع ماديني: "بعد عيد الميلاد يأتي عيد رأس السنة الذي يحمل طابعاً مرحاً واجتماعياً مختلفاً. يجتمع المسيحيون مع الأقارب والأصدقاء، وتقام الاحتفالات التي تمتزج فيها التقاليد الدينية بالفرح الاجتماعي، مع تبادل التهاني والأماني بعام جديد أفضل. رأس السنة فرصة للتفكير بالمستقبل وإعادة ترتيب الأولويات، واستمرار هذه التقاليد يعكس قدرة المجتمع المسيحي على الصمود بالرغم من السنوات العصيبة الماضية".
ولا يقتصر الاستعداد على المنازل والكنائس، بل يشمل أيضاً المطاعم والمقاهي التي بدأت تجهيز برامج احتفالية خاصة لجذب الزوار، وخلق أجواء مميزة للعائلات والمجموعات الصغيرة. تُزيَّن القاعات بالأشجار والأضواء الملونة، وتُعد قوائم طعام خاصة بالعيد، تشمل مأكولات تقليدية، وحلويات موسمية، وتقدم بعض المطاعم حفلات موسيقية حيّة، وأخرى برامج للأطفال تشمل ورش رسم وتزيين الكعك وأنشطة تفاعلية. يقول عيسى سركيس، أحد أصحاب المطاعم في باب توما، لـ"العربي الجديد": "نحرص على خلق أجواء دافئة تشبه العيد في المنازل، لكن مع لمسة احتفالية تجعل الزوار يشعرون بالفرح والبهجة. تمنح الحفلات وبرامج الأطفال العائلات فرصة للاحتفال بطريقة آمنة وممتعة". يضيف: "من الملاحظ أن استعداد المسيحيين للأعياد يعكس تغييرات اجتماعية واقتصادية، إذ أصبحت الاحتفالات المنزلية أكثر بساطة، والزينة أقل تكلفة، وتلك الجماعية في الكنائس محدودة، لكن هذه الوقائع لا تقلل من قيمة الفرحة، بل تضيف بعداً إنسانياً أعمق، إذ يصبح العيد مناسبة لتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، وإعادة بناء شعور الانتماء إلى المدينة والمجتمع".
وتظل أعياد العام الحالي علامة على قدرة مسيحيي دمشق على الصمود، والاحتفال وسط صعوبات مستمرة، ومحاولة استعادة جزء من الحياة التي غابت عنهم سنوات طويلة. أجراس الكنائس، وترانيم الميلاد، والزينة في النوافذ، ليست مجرد رموز للعيد، بل إشارات إلى أن الحياة لا تزال مستمرة.