- التحديات الصحية والمالية: يعاني خلف من مشاكل صحية تتطلب علاجًا مكلفًا، حيث ينفق 50 دولارًا شهريًا على الأدوية، مما يضطر الأسرة لتقليص وجباتها اليومية، ويواجهون صعوبة في توفير احتياجاتهم الأساسية.
- الظروف المعيشية القاسية: تعيش الأسرة في خيمة تحت حرارة الصيف مع نقص في المياه النظيفة وغياب الدعم الغذائي، ولا يمكنهم العودة لقريتهم بسبب تدمير منزلهم وافتقار القرية للبنية التحتية.
قبل سنوات كان الأب السوري خلف حسن العرمان يقضي نهاره في حمل أكياس الإسمنت والرمل ومواد البناء في الورش، ويعود مع غروب الشمس إلى منزله وقد أمّن قوت أسرته. أما اليوم، فيجلس أمام خيمته في مخيم حي الجامعة على أطراف مدينة إدلب، يترقب عودة أطفاله الأربعة وهم يحملون أكياسا امتلأت بالبلاستيك والخردة والخبز الجاف، جمعوها بعد ساعات من نبش الحاويات تحت شمس الصيف الحارقة، بعدما أصبح ما يجمعونه مصدر الدخل الرئيسي للأسرة منذ أن أقعده مرض القلب وأبعده عن العمل.
ولم يقتصر تأثير المرض على فقدان الأب مصدر رزقه، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل الخيمة. فمع ارتفاع كلفة العلاج، اضطرت الأسرة إلى الاستغناء عن وجبة يومية لتوفير جزء من ثمن الأدوية، فيما خرج أربعة من أطفالها إلى العمل بدلاً من والدهم، يجمعون كل ما يمكن بيعه إلى جانب الخيمة قبل فرزه وبيعه كل ثلاثة أيام.
ومن بين الأطفال العاملين منال (7 سنوات)، أصغر أشقائها سنًا. وقبل يومين، تعرضت لضربة شمس أثناء جمع البلاستيك تحت أشعة الشمس الحارقة، في مشهد يلخص كيف انتقل عبء إعالة الأسرة من الأب، الذي أقعده المرض، إلى أطفاله.
يقول خلف، المتحدر من قرية رملة في منطقة تل الضمان بريف حلب الشرقي، إن حياته تغيرت بعدما اكتشف إصابته بفتحة في القلب عقب بلوغه الثامنة والأربعين من عمره. وخضع على أثر ذلك لعملية تركيب شبكة ودعامة، ثم أجرى عملية قلب مفتوح قبل نحو عام، لكنه ما زال يعاني صعوبة في الحركة، وآلاماً في الصدر وتورماً في القدمين. ويضيف أن الطبيب أبلغه أخيرا بوجود انسداد في أحد الشرايين، معربا عن أمله في أن يستجيب للعلاج الدوائي، لتجنب الخضوع لعملية تركيب شبكة جديدة.
ومنذ إصابته، اضطر خلف إلى مغادرة سوق العمل الذي أمضى سنوات فيه عاملا في قطاع البناء، بينما تولى أطفاله إعالة الأسرة بدلا منه. ويخرج الأطفال منذ ساعات الصباح الباكر وحتى ساعات العصر لجمع البلاستيك والخردة والخبز اليابس من حاويات النفايات، قبل فرز ما جمعوه وبيعه كل ثلاثة أيام، في عمل لا يدر على الأسرة سوى نحو عشرة دولارات يوميا في المتوسط.
وتستنزف الأدوية التي يحتاج إليها خلف نحو 50 دولارا شهريا، وتشمل مميعات للدم وأدوية للقلب، إلى جانب بخاخ للتنفس لا يستطيع توفيره بانتظام بسبب ضيق الحال، ويبحث حاليا عن مستشفى مجاني أو جهة مانحة تتكفل باستكمال علاجه، فيما يضطر أحيانا إلى شراء بعض أدويته بالدين أو يعتمد على مساعدات متقطعة من أهل الخير.
وخلال زيارة مراسل "العربي الجديد" للمخيم، اشترت الأسرة أربع ربطات خبز بما يعادل نحو دولارين، ونحو خمسة كيلوغرامات من الطماطم بثلاثة دولارات، فيما بقي البرغل الوجبة الأساسية على مائدتها. ولم تعد العائلة قادرة على شراء مؤونة تكفي لأيام، بل تكتفي بتأمين احتياجات يوم واحد، بعدما اضطرت إلى الاستغناء عن إحدى وجباتها اليومية لتوفير ثمن الأدوية التي تحتاج إليها الأسرة.
وتزداد معاناة الأسرة مع ارتفاع درجات الحرارة. فخلال ساعات الظهيرة، تتحول الخيمة إلى ما يشبه "تنور الخبز"، بحسب وصف خلف، ويغدو البقاء فيها شبه مستحيل. ويلجأ السكان إلى رفع جوانب الخيام لإدخال الهواء، غير أن ما يتسلل إلى الداخل ليس سوى هواء ساخن يزيد من الشعور بالاختناق، على حد تعبيره.
ولا تقل أزمة المياه قسوة عن الحر. فمنذ توقف دعم معظم مخيمات شمال غربي سورية بالمياه، باتت الأسرة تشتري احتياجاتها اليومية، إذ تدفع نحو أربعة دولارات لتعبئة خزان بسعة ألف لتر. ويقول خلف إنهم لا يستطيعون تخزين المياه لأيام، لأن حرارة الصيف تغير لونها سريعا إلى الأزرق المخضر، وتظهر فيها اليرقات، ما يضطرهم إلى شراء كميات جديدة رغم ضيق الحال.
وتعتمد الأسرة، إلى جانب ما يجمعه الأطفال، على خمسة رؤوس من الماعز، تشرب من حليبها وتبيع الفائض لتأمين الخبز وبعض الاحتياجات الأساسية، فيما لا تتلقى أي مساعدات غذائية أو نقدية. وبالنسبة إلى خلف، لم يعد التحدي يقتصر على تأمين الطعام، بل بات يتمثل في كيفية توزيع الدخل المحدود بين احتياجات لا يمكن الاستغناء عن أي منها. فكل مبلغ يدخل إلى الخيمة يفرض قرارًا جديدًا: شراء الدواء، أو تعبئة خزان المياه، أو تأمين الطعام.
ولا تبدو العودة إلى قرية رملة، في منطقة تل الضمان بريف حلب الشرقي، خيارًا متاحًا. فمنزله دمرته الحرب، فيما لا تزال القرية تفتقر إلى المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي والمدارس والخدمات الصحية، ما يجعل العودة مستحيلة حتى لو تمكن من إعادة بناء منزله. كما يحتاج إلى مراجعات طبية متكررة، بينما يستغرق الوصول إلى المشافي في مدينة حلب نحو ساعة ونصف، في وقت لم يعد قادرًا فيه على تحمل عناء السفر أو العمل كما كان في السابق.
ومع حلول المساء، ينتهي الأطفال من فرز ما جمعوه طوال النهار، وتبقى الأكياس مكدسة إلى جانب الخيمة بانتظار بيعها. ويجلس خلف إلى جوارهم بصمت، مدركًا أن قيمتها لن تكفي لتغطية احتياجات الأسرة كلها، لكنها قد تؤمن دواءً ليوم آخر، أو تعبئة خزان مياه، أو وجبة لا تستطيع العائلة الاستغناء عنها.