أطفال مخيّمات إدلب يواجهون اللشمانيا... دواء مجاني وطريق علاج مكلف

18 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 17:06 (توقيت القدس)
تزيد الظروف المعيشية من وطأة الليشمانيا في مخيمات إدلب (العربي الجديد)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تعاني أميرة الضامن من تحديات يومية في تأمين العلاج لابنتها المصابة بداء اللشمانيا، حيث تواجه صعوبات في النقل وتتحمل مسؤولية إعالة أطفالها السبعة بمفردها بعد فقدان زوجها.
- يواجه الأطفال في المخيمات تحديات صحية ونفسية بسبب العلاج المتكرر والظروف المعيشية القاسية، مما يزيد من مخاطر انتشار المرض وصعوبة تأمين وسائل الوقاية.
- تشهد سورية ارتفاعاً في أعداد المصابين بداء اللشمانيا، مع جهود حكومية لمكافحة المرض تواجه تحديات كبيرة مثل صعوبة الوصول ونقص الكوادر الطبية.

وقفت النازحة السورية أميرة الضامن ساعتين على جانب الطريق تحت شمس الظهيرة الحارقة، في انتظار سيارة تقلّها إلى مخيم الأخوة، شمالي إدلب، شمال غربي سورية. لم تكن عائدة من زيارة عائلية أو من شراء احتياجات منزلها، بل من رحلة علاج لابنتها هيفاء المصابة بداء اللشمانيا. وبينما كانت تترقب وسيلة نقل، كان سؤال واحد يثقل تفكيرها: كيف ستتمكّن من تكرار هذه الرحلة كل يومين أو ثلاثة لتأمين علاج طفلتها؟

وتقول أميرة، لـ"العربي الجديد": "وقفت على جانب الطريق من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الثانية بعد الظهر، أحاول إيقاف سيارة تقلني إلى المخيّم، لكن أحداً لم يتوقف. كنت متعبة، وكل ما كان يشغلني هو كيف سأتمكن من اصطحاب هيفاء إلى العلاج بصورة منتظمة".

ورغم توفير حقن علاج داء اللشمانيا مجاناً في بعض المراكز الصحية بمحيط مخيم الأخوة قرب قرية كفريحمول شمالي إدلب، فإن الوصول إلى العلاج واستكماله يبقيان تحدياً يومياً للأسر النازحة. فالأطفال يحتاجون إلى مراجعات متكررة، وأحياناً إلى حقنة كل يوم لأسابيع متواصلة، ما يفرض على ذويهم تحمل تكاليف النقل وتأمين مرافق لهم، لتصبح كلفة الطريق، لا الدواء، العبء الأكبر.

الليشمانيا في مخيمات إدلب (العربي الجديد)
ظروف مواتية لانتشار الليشمانيا في مخيّمات إدلب (العربي الجديد)

وتتحمّل أميرة وحدها مسؤولية إعالة ورعاية أطفالها السبعة، بعد مقتل زوجها خلال معركة تحرير سورية في ديسمبر/كانون الأول 2024. وزادت إصابة اثنين من أطفالها، تركي (7 سنوات) وهيفاء (نحو خمس سنوات)، بداء اللشمانيا من أعبائها، مع حاجتهما إلى مراجعات علاجية متكررة.

بدأت معاناة تركي في الصيف الماضي، عندما ظهرت على جلده حبة صغيرة ظنت والدته في البداية أنها مجرد لدغة حشرة ستختفي مع الوقت. وتقول: "انتظرت أكثر من عشرة أيام، لكنها لم تتحسّن. اصطحبته إلى صيدلي لديه خبرة، وبدأ بإعطائه حقناً موضعية داخل الحبة، لكن الإصابة لم تستجب للعلاج". ومع فشل العلاج الموضعي، نقلت أميرة ابنها إلى مركز متخصص في مدينة سرمدا، إذ قرّر الأطباء إخضاعه للعلاج بالحقن العضلية. وكان يتلقى حقنة يومياً، قبل أن يخضع، بعد الأسبوع الأول، لفحوصات للاطمئنان إلى وظائف الكلى بسبب طبيعة العلاج. واستمر البرنامج العلاجي أربعة أسابيع، تلتها فترة توقف لمدة 15 يوماً، ثم استُكمل العلاج لأسبوعَين إضافيَّين.

تقول أميرة: "شُفيت الإصابة، لكن الندبة ما زالت واضحة على وجه تركي. قيل لي إنها قد ترافقه طوال حياته، ولا يمكن التخلص منها إلّا بعمليات تجميل، وهو أمر يفوق إمكاناتنا المادية". ولم تقتصر آثار المرض على الندبة التي تركها في وجه الطفل، بل امتدت إلى حالته النفسية. وتروي والدته: "أصبح تركي يخاف الأطباء والحقن بشدة. كلما رأى مركزاً صحياً أو صيدلية، كان يرفض الدخول. وفي إحدى المرات هرب إلى الشارع، واستعنت بشابين لإعادته".

وتضيف: "جلست أبكي. زوجي متوفى، وليس لدي من يساعدني في اصطحابه إلى العلاج أو السيطرة عليه أثناء تلقي الحقن". أما هيفاء، فلا تزال تعاني من الإصابة. حاولت والدتها علاجها بالمراهم، لكنها لم تحقق سوى تجفيف سطح الحبة من دون القضاء على المرض. وتتردد أميرة في إخضاع طفلتها للعلاج بالحقن العضلية، فيما يتطلب العلاج الموضعي مراجعات متكررة للمركز الصحي، وهي مراجعات تعجز عن تأمينها بسبب كلفة التنقل.

طفلان مصابان بالليشمانيا في مخيمات إدلب (العربي الجديد)
طفلان مصابان باللشمانيا في مخيمات إدلب (العربي الجديد)

وتقول: "أحياناً يتوقف علاج الطفلة، ليس لأن الدواء غير متوفر، بل لأننا لا نستطيع الوصول إليه". وتضيف: "أكثر ما أخشاه أن تبقى ندبة على وجه هيفاء طوال حياتها، فقط لأنني لم أتمكن من إيصالها إلى المركز الصحي في الوقت المناسب".

بدورها خاضت اتحاد الخالد رحلة علاج شاقة مع طفلها محمد، الذي بدأت إصابته بحبة صغيرة قرب العين والأنف، قبل أن تتطور بظهور حبة ثانية واتساع الإصابة. وبعد محاولات بالعلاج بالمراهم ثم الحقن الموضعية، انتهى الأمر بإخضاعه للعلاج بالحقن العضلية. وتقول اتحاد، لـ"العربي الجديد": "لم نكن نعرف في البداية أنها اللشمانيا. اعتقدنا أنها حبة عادية وستزول، لكنها بقيت، ثم ظهرت إلى جانبها حبة ثانية".

وبحسب والدته، تلقى محمد خلال أشهر العلاج عشرات الحقن، بينها نحو 45 حقنة عضلية متتالية، بمعدل حقنة واحدة يومياً. وكان الأطباء يوقفون العلاج أحياناً لمدة 15 يوماً قبل استئنافه، لإجراء فحوصات والاطمئنان إلى وظائف الكلى، تجنباً لأي مضاعفات قد تنجم عن كثرة الحقن. ولم تكن مشقة العلاج وحدها ما يؤرق الأسرة، بل أيضاً موقع الإصابة القريب من العين. وتقول اتحاد: "كنت أخشى أن تمتد الحبة إلى العين، أو أن تترك تشوهاً دائماً في وجهه". ولم تتوقف معاناة محمد عند حدود المرض والعلاج، إذ أصبح يواجه تعليقات بعض زملائه في المدرسة بسبب آثار الإصابة على وجهه، الأمر الذي جعله يشعر بالخجل ويفقد جزءاً من ثقته بنفسه.

ظروف معيشية صعبة في مخيمات إدلب (العربي الجديد)
ظروف معيشيّة صعبة في مخيمات إدلب (العربي الجديد)

ولا تنتهي معاناة الأسر عند رحلة العلاج، بل تمتد إلى ظروف المعيشة القاسية داخل المخيم، إذ تنتشر الخيام المهترئة، وقنوات الصرف الصحي المكشوفة، والمياه الراكدة، والحشرات الناقلة للأمراض. ويقضي الأطفال ساعاتهم في اللعب قرب مجارٍ بدائية ومساحات ملوثة، ما يزيد من مخاطر الإصابة باللشمانيا. وتقول اتحاد إنّ أسرتها تضطر ليلاً إلى إطفاء الأنوار أو تشغيل المروحة في محاولة لإبعاد الحشرات، في ظل غياب حملات رش منتظمة، وفق قولها. وتضيف أن وسائل الوقاية، مثل الناموسيات، تمثل عبئاً مالياً لا تستطيع جميع العائلات تحمله.

وتؤكد اتحاد أن اثنين من أطفالها يعانيان أيضاً من الحساسية ومشكلات في الجهاز التنفسي، فيما يحتاج أحدهما إلى جلسات علاج بجهاز الرذاذ داخل الخيمة. وتقول: "أطفالنا لم يعرفوا طفولة طبيعية، بل كبروا وسط المرض والبرد والرطوبة والخوف"، ولا تقتصر إصابات أطفال المخيمات على حالات فردية، بل تندرج ضمن ارتفاع ملحوظ في أعداد المصابين بداء اللشمانيا في سورية. ويكشف مدير مديرية الأمراض السارية وغير السارية في وزارة الصحة، الدكتور ياسر الفروح، في تصريح خاص لـ"العربي الجديد"، أن عدد الإصابات المسجلة خلال الربع الأول من عام 2026 تجاوز 25 ألف إصابة، بزيادة بلغت 95% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبحسب الفروح، تصدرت إدلب المحافظات السورية من حيث معدل الزيادة في الإصابات، مسجلة ارتفاعاً بلغ 545%، تلتها الرقة بنسبة 395%، ثم دير الزور بنسبة 248%. ويضيف أن الأطفال في الفئة العمرية بين 5 و15 عاماً يمثلون نحو 34% من إجمالي المصابين. ويشير الفروح إلى أن وزارة الصحة تنفذ حملات رش لمكافحة ذبابة الرمل الناقلة للمرض، ضمن خطة تستهدف توسيع التغطية لتشمل 388 قرية وأكثر من 427 ألف منزل في المحافظات الأكثر تضرراً، كما تواصل توفير دواء "غلوكانتيم"، إلى جانب تنفيذ حملات توعية للسكان وبرامج تدريب للكوادر الصحية. لكنه يقرّ بأن جهود المكافحة لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها صعوبة الوصول إلى بعض المناطق، ونقص الكوادر الطبية، وتضرر عدد من المراكز الصحية، فضلاً عن تراكم الأنقاض والنفايات التي تسهم في توفير بيئة ملائمة لتكاثر الحشرات الناقلة للمرض.

وفي مخيّمات النزوح، لا تبدو اللشمانيا مجرد مرض جلدي، بقدر ما تمثل انعكاساً لسنوات من الحرب والنزوح وتدهور الخدمات. فحملات الرش وتوفير الأدوية تظل إجراءات ضرورية، لكنها لا تعالج الأسباب التي تسمح باستمرار انتشار المرض، في ظل الخيام المهترئة، وشبكات الصرف المكشوفة، وضعف خدمات المياه والصرف الصحي. ويبقى الحد من هذا العبء الصحي مرهوناً بتحسين ظروف العيش، وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف التي تتيح للعائلات العودة الآمنة والمستدامة إلى مناطقها، بدلاً من بقائها في مخيمات تحولت من كونها حلولاً مؤقتة إلى واقع طويل الأمد.