أطفال سورية... غياب الأوراق الثبوتية يهدّد المستقبل

27 مارس 2025   |  آخر تحديث: 00:24 (توقيت القدس)
أطفال ولدوا في مخيمات إدلب، 9 فبراير 2025 (أوغور يلدريم/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني العائلات السورية النازحة من فقدان الوثائق الثبوتية، مما يجعل استخراج وثائق جديدة معقداً بسبب انهيار المؤسسات الحكومية أو الإقامة غير الشرعية في بلدان اللجوء.

- يواجه العائدون إلى سوريا صعوبات في تسجيل المواليد بسبب البيروقراطية وطلب وثائق إضافية، مما يحرم الأطفال من حقوقهم الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

- يدعو الناشطون إلى إصلاح النظام القانوني السوري لتسهيل تسجيل المواليد عبر تقليل المتطلبات والسماح بإثبات الهوية بطرق بديلة، مع تعزيز التعاون بين الحكومة والمنظمات لضمان حقوق الأطفال.

فقدت العديد من العائلات السورية وثائقها الثبوتية أثناء النزوح أو التهجير من مناطق الصراع، وتشمل هذه الوثائق شهادات الزواج، وشهادات الميلاد، والهويات الشخصية، إضافة إلى تعرّض بعض الوثائق للتلف بسبب الظروف الصعبة التي مرت بها تلك العائلات، ومنها القصف والحرائق، في حين كان استخراج وثائق جديدة في مناطق النزوح أو اللجوء معقداً، وأحياناً مستحيلاً بسبب انهيار المؤسسات الحكومية، أو الإقامة في بلدان اللجوء بطرق غير شرعية.

يقول سمير الجدعان، العائد من تركيا، لـ"العربي الجديد"، إن "المؤسسات الحكومية السورية تعاني من البيروقراطية المفرطة، ما يجعل عملية تسجيل المواليد طويلة ومعقدة، وفي بعض الحالات، تطلب السلطات وثائق إضافية لإثبات هوية الوالدين أو مكان الولادة، ما يزيد من صعوبة التسجيل. أنا أب لطفلين، وحاولت تسجيل ابني الصغير، لكنني واجهت صعوبات كبيرة بسبب عدم وجود شهادة ميلاد من المستشفى الذي وُلد فيه بتركيا، ولا يمكنني طلبها لأنه ولد في عيادة خاصة، والآن أخشى أن يعيش ابني من دون هوية قانونية".
أما حلا الخازن، وهي أم لثلاثة أطفال من ريف دمشق، فتقول لـ"العربي الجديد": "عدنا إلى غوطة دمشق بعد سنوات من النزوح، ووجدنا أن منزلنا دُمّر بالكامل، وفقدنا جميع وثائقنا، بما في ذلك شهادات ميلاد أطفالنا. حاولت تسجيلهم في الدوائر الحكومية، لكنهم طلبوا مني وثائق تثبت زواجي وهويتي الشخصية، التي لم أعد أملكها. الآن، أطفالي غير مسجلين، ولا يمكنهم الذهاب إلى المدرسة أو الحصول على الرعاية الصحية".
بدورها تقول فاطمة العبيد، وهي عائدة من إدلب إلى حمص لـ"العربي الجديد": "ولدت ابنتي في مخيم للنازحين، ولم يكن لدينا أي وثائق تثبت ولادتها، وعندما عدنا إلى حمص، حاولت تسجيلها، لكن السلطات طلبت مني شهادة زواجي، التي فقدتها أثناء النزوح. الآن، تبلغ ابنتي خمس سنوات، ولا تملك أي وثائق تثبت هويتها، وقيل لي إنه يتوجب علي إثبات زواجي قبل تسجيل الطفلة بشهادة مستشفى وشهادة شهود".

وثائق أطفال النازحين غائبة، 10 فبراير 2025 (لؤي بشارة/فرانس برس)
وثائق أطفال النازحين غائبة، 10 فبراير 2025 (لؤي بشارة/فرانس برس)

نبيهة الياسر، أم لطفل من حماة، وتقول لـ"العربي الجديد": "ولد ابني في المنزل بسبب عدم وجود مستشفى قريب، وحاولت تسجيله، لكنهم طلبوا مني شهادة ولادة من مستشفى، وهو ما لم أستطع الحصول عليه. يبلغ ابني الآن ثلاث سنوات، ولا يملك أي وثائق تثبت هويته".
بدوره، يوضح فيصل العبد، المنحدر من ريف حمص الشمالي، لـ"العربي الجديد"، أنه يحمل بطاقة هوية سورية، بينما تمتلك زوجته إخراج قيد فحسب لإثبات هويتها، إذ إنها حين لجأت إلى تركيا في عام 2013، لم تكن تحمل بطاقة شخصية. تزوجت في تركيا، واستخرجت دفتر عائلة تركي بعد أن فقدت الأمل في استخراج دفتر عائلة سوري، وطلب مني السماسرة في عام 2016، نحو 1200 دولار أميركي، ليُثبت الزواج في تركيا بناءً على الإثباتات السورية التي أملكها أنا وزوجتي".
يتابع: "لدينا أربعة أطفال، وجميعهم غير مسجلين في سورية، وبعد عودتي إلى سورية قبل حوالى شهرين، واجهت مشكلة في تسجيل الأطفال بالمدرسة، وكان الحل هو التسجيل الشرطي اعتماداً على أوراق نقل حصلت عليها من المدرسة التركية، وإثباتاتي الشخصية أنا وزوجتي. استشرت محامياً قبل استخراج دفتر العائلة التركي، وأبلغني أن الوثيقة معترف بها في القنصليات السورية، وتتيح لي إجراء معاملات تثبيت الزواج في تركيا وتسجيل الأطفال. لكن حتى الآن، لم يُستكمل التسجيل في النفوس بمدينة حمص، وما زلت أترقب بدء التسجيل".

تسجيل مواليد النازحين أزمة كبيرة، 9 فبراير 2025 (أوغور يلدريم/ Getty)
تسجيل مواليد النازحين أزمة كبيرة، 9 فبراير 2025 (أوغور يلدريم/ Getty)

ويشير الأربعيني فريد عبد الغني، المنحدر من ريف حماة، في حديثه لــ"العربي الجديد"، إلى أن لديه طفلة وُلدت في تركيا وتحمل الجنسية التركية، وقد حصل هو أيضاً على الجنسية التركية في عام 2020، ويقول: "لا أستطيع مغادرة تركيا من دون تسجيل ابنتي في سورية، لإثبات أنها مزدوجة الجنسية. في آخر زيارة لي إلى حماة، في فبراير/شباط، أحضرت الأوراق الثبوتية، ومنها شهادة الولادة التي تُمنح في المستشفى، إضافة إلى ورقة صادرة عن دائرة النفوس تتضمن معلومات عن مكان وتاريخ ولادة ابنتي، ومعلومات الأب والأم، وكذلك كنية الأم قبل الزواج، فالقانون التركي يفرض تبديل كنية الأم بعد الحصول على الجنسية لتصبح كنية الزوج".
يضيف عبد الغني: "عند مراجعة دائرة النفوس في حماة، كان هناك تجاوب واضح من الموظف، حتى إنه شكرني على التنبيه المتعلق باختلاف كنية الزوجة وفق القانون التركي، لكنه اعتذر عن إجراء عملية التسجيل، إذ كان الأمر متوقفاً حينها، وأوضح أن أولى الخطوات المطلوبة مني هي ترجمة الأوراق الثبوتية، ثم إحضار دفتر العائلة السوري لإتمام عملية التسجيل".
ويؤكد  الناشط الحقوقي السوري رائد الحلاق لـ"العربي الجديد" أن "أعداداً كبيرة من الأطفال الذين وُلدوا خلال سنوات الحرب يعانون من التهميش وعدم الاعتراف بهم بوصفهم مواطنين لعدم توفر وثائق رسمية لهم"، ويوصي بضمان حقوق هؤلاء الأطفال من خلال تسهيل تسجيل المواليد، وتقليل المتطلبات اللازمة في حال غياب الوثائق الثبوتية، مع السماح بإثبات الهوية من خلال شهود أو وثائق بديلة، كما يدعو إلى تنظيم حملات توعية لتثقيف العائلات حول أهمية تسجيل المواليد والإجراءات اللازمة لذلك.
ويشدد الحلاق على "ضرورة إصلاح النظام القانوني عبر تعديل القوانين السورية لتسهيل تسجيل المواليد في حال غياب الوثائق الثبوتية، مع ضمان حقوق الأطفال في الهوية والجنسية، وإنشاء محاكم خاصة للنظر في حالات تسجيل المواليد المعقدة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من انهيار المؤسسات. إنّ تسجيل مواليد العائدين في ظل غياب الأوراق الثبوتية يعد تحدياً كبيراً، ويتطلب جهوداً متضافرة من الحكومة السورية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني، ونحتاج إلى إصلاحات قانونية وإدارية لتبسيط الإجراءات، إضافة إلى تحسين الوضع الأمني والاقتصادي لتمكين العائلات من تسجيل مواليدها من دون عوائق، ما يضمن حقوق الأطفال في الهوية والجنسية، ويشجع على العودة، ويسهم في بناء مستقبل أفضل للبلد".
من جانبه، يؤكد المحامي عاصم الزعبي، عضو تجمع أحرار حوران لـ"العربي الجديد"، أنه "لا يمكن اعتبار الأطفال المولودين في دول اللجوء مكتومي قيد، إذ حرصت هذه الدول على تسجيل الولادات لأسباب عدّة، منها الإحصائية ومنها المتعلقة بالمنظمات الدولية والمساعدات الإنسانية، واعتمدت تركيا وثيقة الحماية المؤقتة (الكملك) لتسجيل المواليد، بينما كانت بطاقة مفوضية اللاجئين هي الوثيقة الأساسية في الأردن، وفي جميع دول اللجوء، كان يجري الاعتماد على شهادة الولادة الصادرة عن المستشفى لتسجيل الطفل في دوائر الأحوال المدنية".
يتابع الزعبي: "بعد التسجيل، يُضاف المولود إلى وثيقة اللجوء الخاصة ببلده، سواء عبر الحماية المؤقتة في تركيا أو عبر المفوضية في الأردن أو لبنان أو مصر أو العراق وغيرها، وتُستخدم أوراق الولادة الصادرة عن دول اللجوء لتسجيل الطفل في السفارات والقنصليات السورية".

من جانبه، يقول المحامي عبد الكريم الثلجي لـ"العربي الجديد"، إنه "قبل سقوط نظام الأسد في الشمال السوري، خضعت عملية تسجيل المواليد لإجراءات محددة تختلف بحسب عمر الطفل عند التقديم، فعند ولادة الطفل، يتطلب تسجيله في السجلات الرسمية الحصول على شهادة ولادة صادرة عن المستشفى، على أن يجري ذلك خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عمره، وفي حال تجاوز الطفل هذا العمر من دون تسجيله، يصبح من الضروري اللجوء إلى المحكمة لإصدار قرار حكم نسب، وهو إجراء قانوني يثبت انتماء الطفل لوالديه".
يضيف: "بالنسبة للأطفال المولودين خارج سورية، لا إجراءات استثنائية جديدة، إذ تظل المتطلبات الأساسية كما هي، وتشمل تقديم شهادة ولادة صادرة عن الدولة التي ولد فيها الطفل، إضافة إلى الأوراق الثبوتية للأب والأم، ويتعين على الوالدين مراجعة المحكمة للحصول على حكم نسب يثبت هوية الطفل، ليجري بعد ذلك إدراجه رسمياً ضمن العائلة في السجلات المدنية المحلية، وتُعد هذه الإجراءات ضرورية لضمان الاعتراف القانوني بالأطفال وتأمين حقوقهم المدنية، مثل الحصول على الوثائق الرسمية، والتعليم، والرعاية الصحية، وغيرها من الخدمات الأساسية".

المساهمون