أسواق المستعمل في العراق... قصص احتياجات و"كنوز"

29 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 00:15 (توقيت القدس)
سوق المستعمل في العراق رحلة اكتشاف، 27 أكتوبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تزدهر الأسواق الشعبية في العراق بتقديم مجموعة متنوعة من الأغراض المستعملة، مما يجذب زوارًا يبحثون عن مقتنيات بأسعار معقولة أو نادرة.
- رحيم الكعبي وعبد الله الحاج رضا من رواد هذه الأسواق، حيث يجدون احتياجاتهم بأسعار زهيدة، مع التركيز على الصبر والمعرفة في اختيار المقتنيات.
- جمال العماري وفارس إسماعيل يمثلان فئة الباحثين عن الأغراض القديمة ذات القيمة العالية، مما يجعل هذه الأسواق مكانًا مهمًا للفقراء وهواة جمع الأشياء القديمة.

في عمق مدن العراق توجد أسواق شعبية بسيطة تعرض مقتنيات قد يبحث عنها عشاق الماضي، أو تشكل احتياجات آنية لأصحاب الدخل المحدود والفقراء.

تصطف في أسواق المستعمل الشعبية في العراق أغراض مختلفة تتنوع بين أجهزة كهربائية وأدوات منزلية وقطع مكتبية قديمة، وحتى أشياء معطوبة أو مكسورة. ويتنوع زوارها بين من يريدون شراء احتياجات يومية بأسعار زهيدة، ومن يفتشون عن مقتنيات تذكّرهم بالطفولة أو سنوات الشباب. كما يبحث البعض عن "كنوز" قطع نادرة لا تباع في المتاجر الحديثة، ما يحوّل الشراء إلى رحلة اكتشاف، والبيع إلى تجارة مربحة في الوقت نفسه. وفي كل زاوية من هذه الأسواق هناك عبق الماضي حيث لكل قطعة قصة تنتظر من يعرف قيمتها الحقيقية.

يشتري رحيم الكعبي (57 عاماً) منذ أكثر من 30 عاماً أغراضاً مستعملة من سوق الميدان الذي يُطلق عليه اسم "سوق هرج"، وسط بغداد، ويقول لـ"العربي الجديد": "لم أتخلَ عن هذه العادة القديمة. أزور السوق كل أسبوع تقريباً، وأجد دائماً ما ينفعني في البيت من مكواة ومراوح وأجهزة منزلية. معظم المعروضات أصلية اختفت ماركاتها من الأسواق، وما أشتريه هنا لا يتجاوز 5% من سعرها الجديد".

يضع الباعة أكوام من الأدوات على الأرصفة حيث يتجوّل كثيرون، لكن بعضهم لا يأبهون بما تعرضه هذه الأرصفة التي قد تكون أيضاً وسيلة إنقاذ. ويقول عبد الله الحاج رضا (62 عاماً) لـ"العربي الجديد": "زيارة أسواق المستعمل أسلوب حياة بالنسبة لي. أقصدها كلما احتجت شيئاً لبيتي، وخلال السنوات الخمس الأخيرة اشتريت معدات يدوية وصحوناً وقدوراً ومصابيح تعمل بالبطارية، وهواتف وساعات لي ولزوجتي وبناتي. وأنا لا أشتري إلا ما يستحق ذلك فعلاً، ويتطلب الاختيار صبراً ومعرفة".

وتعرف أسواق المستعمل التي تفترش أماكن معينة من الأرصفة، بأنها تبيع أغراضاً مستهلكة وربما معطوبة لا نفع لها إلا لفئة من الفقراء، لكنها أيضاً ذات قيمة كبيرة لأشخاص يحصلون على "صيد ثمين"، بحسب ما يذكر فارس إسماعيل الذي يملك خبرة كبيرة في الأغراض القديمة ذات القيمة العالية. ورغم أنه لا يزال شاباً (25 عاماً) لكنه يصف نفسه بأنه "صياد يتنقل بين أسواق المستعمل للبحث عن صيد ثمين". ويقول لـ"العربي الجديد": "تعرفت على عالم المستعمل بعدما عملت في طفولتي بائعاً متجولاً للمرطبات داخل منطقة الميدان. وعرفت معلومات عن أنواع وأصناف عدة من الأغراض ذات القيمة العالية، مثل النحاسيات والفضيات والأحجار الكريمة، والخزف والمنسوجات وغيرها. ومنذ أكثر من عشرة أعوام باتت تجارة الأغراض القديمة مهنتي. أشتري ما أراه مناسباً واحتفظ به أو أعيد بيعه لتجار أو زبائن يحبون الاقتناء".

من جهته، يصف جمال العماري نفسه بأنه "عاشق التراث"، ويقول لـ"العربي الجديد": "أعرف أسواق المستعمل ومواقعها في كل محافظات العراق، وأزورها باستمرار وأتواصل مع من يعملون فيها لاقتناء أشياء قديمة وقيّمة. ومن بين مقتنيات احتفظت بها بعدما اشتريتها من أسواق المستعمل، ساعات جدارية وعمودية قديمة، وعدد كبير من التماثيل والمنحوتات بأحجام مختلفة، بعضها تجاوز طولها المتر مصنوعة من خزف وخشب وسيراميك في دول مختلفة، مثل إيطاليا وفرنسا ومصر وتركيا والمغرب والصين وإيران والهند. وقد اشتريت جميع هذه المقتنيات بأسعار زهيدة، لأن الباعة لا يعرفون قيمتها الحقيقية، أو يحاولون بيعها بسعر منخفض بسبب حاجتهم إلى مال".

الصورة
أسلوب حياة لعشاق القديم وعامة الناس، 27 أكتوبر 2025 (العربي الجديد)
أسلوب حياة لعشاق القديم وعامة الناس، 27 أكتوبر 2025 (العربي الجديد)

وتختلف أسباب اقتناء الأغراض المستعملة. ويقول العماري: "لا أحب فقط اقتناء هذه الأغراض، بل أتاجر بها حين أجد فرصة سانحة للبيع بسعر جيد، أو حين أضطر لتجاوز ضائقة مالية". أما جمعة البدري (54 عاماً) فيقتني الأغراض لأنه يعشق الجمال التراثي. ويقول لـ"العربي الجديد": "أكثر ما أبحث عنه هو مقتنيات تراثية ومصنوعات يدوية، وفي أسواق المستعمل وجدت إطارات صور ولوحات زيتية وأعمالاً يدوية ومجموعة كريستال وزجاج، أزين بها منزلي الذي تحوّل كل شيء فيه إلى مصنوعات تراثية، ما يجعلني أعيش في الماضي الذي أحبه وأحب مجتمعه وتقاليده وطقوسه".

وفي حديثه لـ"العربي الجديد" عن زوار السوق، يقول بائع يدعى قاسم نصيف لـ"العربي الجديد": "يمّيز الباعة الرواد في السوق. بعضهم فقراء يبحثون عن مواد ضرورية بأسعار زهيدة، وآخرون هواة جمع أشياء قديمة". ويشير إلى أن "كثيراً من الأغراض مصدرها منازل جرت تصفيتها قبل بيعها أو تجديد أثاثها. ورغم التطور الصناعي ودخول بضائع جديدة في مختلف المصنوعات، هناك سوق للمستعمل ورواد وعشاق، ولا يمكن الاستغناء عنه".

المساهمون