أسامة وديما... حياة في كندا المتسامحة مع ذوي الإعاقة

تورونتو
مصطفى عاصي
21 فبراير 2021
+ الخط -

تراجيديا التشريق والتغريب التي عاشاها في رحلة النجاة، لا تخوِّل قصتهما أن تكون استثنائية، إذ مثلهما كثيرون لفظتهم الحرب إلى خارج أسوار سورية، كما أنّ براعتهما في عالم الرياضة لا تضعهما في خانة اللامألوف، فرياضيون سوريون كثر نثرتهم التغريبة السورية في مجاهل الكوكب. لكن ما يجعل قصة عائلة أسامة جحا وديما الداهوك فوق ذلك كله، هو أنّ تلك العائلة تجمع تحت سقف واحد ثلاثة من الأشخاص ذوي الإعاقة: هو وهي وابنهما المصاب بمتلازمة داون.
ديما الداهوك هي بطلة سورية في "كرة الطاولة لذوي الحاجات الخاصة" على مدى عشر سنوات متتالية (2006 - 2015)، فيما أسامة جحا هو بطل سورية في رفع الأثقال.
كانت ديما في الثالثة من عمرها يوم تعرّضت إلى حادثة سير في قريتها الواقعة بمحافظة السويداء. إبرة الطبيب حينها أخطأت مكانها، فأصابتها بشلل نصفي. ومذ ذاك الوقت لازمتها الإعاقة ولازمها التصميم والتحدي في آن... تحدٍّ لعقلية كل من يشبهون مديرة المدرسة الابتدائية التي رفضت استقبالها بسبب ما هي عليه. في عام 2005، التقت ديما من سيصبح زوجها بعد سنوات. كانت هي تتدرب على رفع الأثقال وكان هو المدرب وصاحب النادي. أقنع المدرّب زوجته أن تتحوّل نحو كرة الطاولة، الرياضة التي أحبّتها وحصدت فيها ألقاباً محلية ودولية، أبرزها الميدالية البرونزية في بطولة دولية في الأردن (عمّان) في عام 2012 والميدالية الذهبية في بطولة وديّة في لبنان في عام 2008. يُذكر أنّ قلّة ألقابها الدولية مردها ربّما إلى قلّة اهتمام الاتحاد الرياضي السوري بلعبة كرة الطاولة وعدم إرسال بعثات رياضية إلى الخارج.
ثقيلة كانت وطأة الحرب على هذه العائلة. هي ثقيلة على الأصحاء، فما بالنا بثنائي يتنقّل على كرسيَّين متحركَين. وفي مطلع عام 2015، حزما ما تيسّر حمله في صرّة ملابس وودّعا مدينتهما دمشق وغادرا على كرسيّيهما برفقة طفلهما. قصدا تركيا التي لم تكن رحيمة بهما، فقرّرا البحث عن بلد أكثر مراعاة لحقوق الإنسان. هناك، عانيا كثيراً طيلة سنتَين، لدرجة أنّه حين انكسر كرسيَّاهما، ظلا ستة أشهر يتنقلان زحفاً على الأرض إلى أن قدّم لهما فاعل خير كرسيَّين بديلَين. وفي تركيا كذلك، لم يُسمح لهما بالاشتراك في أي بطولة رياضية، وحجّة السلطات التركية كانت أنّ العلاقات السياسية والرياضية مقطوعة بين تركيا وسورية وليس من إطار رسمي يخوّلهما المشاركة. وتستعيد ديما هذه الرواية في أكثر من مناسبة.

الصورة
أسامة جحا وديما الداهوك في كندا 4 (مصطفى عاصي)
(مصطفى عاصي)

بعدما ضاقت بهما الحال في تركيا، قيل لهما إنّ كندا أكثر رفقاً بالأشخاص ذوي الإعاقة، فعبرا المحيط الأطلسي ليلاحقا حلمهما هناك ويكملا مسيرة التفوق الرياضي وتأمين حياة كريمة لطفلَيهما ويختبرا ماهية الكرامة الإنسانية ومعناها. منذ وصولهما في عام 2017، أمّنت لهما الحكومة الكندية الدعم المالي وكلّ الحاجات المتعلقة بوضعهما. وبعد فترة قصيرة، بعثت ديما برسالة إلى رئيس اتحاد كرة الطاولة في كندا، وبعد أربعة أشهر سُمح لهما أن يشاركا في بطولة كندا لفئة ذوي الإعاقة، فأحرزا الميدالية الذهبية عن فئة الزوجي والميدالية الفضية عن فئة الفردي. وفي عام 2018، أعادا الكرّة فحصلا على الميدالية الفضية عن فئة الزوجي فيما أحرزت ديما الميدالية الفضية عن فئة الفردي. وفي عام 2019، شاركت ديما وحدها في بطولة مقاطعة أونتاريو، كبرى مقاطعات كندا لجهة المساحة والسكان، وحازت الميدالية الفضية. مراكز متقدّمة حققتها من دون تحضير أو تلقّي تدريب كافٍ، الأمر الذي لفت انتباه الكنديين وإعجابهم. لكنّ الاتحاد لم يتبنَّ ديما وأسامة رسمياً، ولم يوافق على تمثيلهما كندا في البطولات الخارجية لأنّهما لم يحصلا بعد على الجنسية الكندية.

الصورة
أسامة جحا وديما الداهوك في كندا 2 (مصطفى عاصي)
(مصطفى عاصي)

المعونة المالية التي تقدّمها الحكومة الكندية ليست كافية لتأمين معيشة العائلة وتخصيص المال للمستلزمات الرياضية. هو نقص مؤقت في انتظار الحصول على الجنسية، عوّضته المنظمة السورية الكندية التي قامت بحملة تبرّعات جمعت من خلالها مبلغاً مكّن الثنائي من شراء حاجات أساسية والمشاركة في بطولات كندية. كلّ التمارين والتحضيرات تجرى في المنزل على يدي أسامة، مدرّب ديما الذي تعلّم كرة الطاولة كي يشارك زوجته اللعب ويُبقيها على لياقتها ومستواها. أمّا صالون منزلهما فهو النادي. كلّما أرادا التمرّن، ينصبان في وسطه الطاولة ويتباريان بحضور جمهورهما المفضّل... "ولديهما أو كلّ حياتهما". فارس ينحاز إلى أبيه وعبد الرحمن إلى أمه، فتكون تلك تسليتهم المفضّلة في وحشة الغربة. يحصل ذلك في شقة في الطبقة الواحدة والأربعين من ناطحة سحاب تُشرف على مدينة هاملتون في مقاطعة أونتاريو. السكن في شقة ذات إطلالة ساحرة خيار موفق لعائلة أفرادها ليسوا من الأشخاص ذوي الإعاقة. بالتالي، فإنّ الشقة غير الملائمة لحالة الثنائي البدنية وعدم توفّر نادٍ رياضي خاص بذوي الإعاقة كانا عاملَين مرجّحَين دفعا بأسامة وديما إلى حزم حقائبهما وحقائب ولدَيهما مرّة جديدة والانتقال قبل أشهر إلى مدينة كالغري في مقاطعة ألبرتا القريبة من البراري الكندية شديدة البرودة. هناك استأجرا منزلاً من طبقة واحدة يسهل تحرّكهما فيه.

قضايا وناس
التحديثات الحية

في آخر إنجازات الثنائي المهاجر، يعمد أسامة وديما في مرحلة أولى إلى إعطاء دروس  لياقة بدنية افتراضية للمهاجرين الجدد من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين تخطّت أعمارهم 18 عاماً. وهذا المشروع موّلته الحكومة الكندية والصليب الأحمر الكندي من ضمن خطة عمل تهدف إلى التخفيف من آثار أزمة كورونا، في حين أدارته المنظمة السورية الكندية التي تدعم المهاجرين واللاجئين من خلال مشاريع كثيرة مثل دورات في اللغة الإنكليزية والدعم النفسي للنساء والنشاطات الفنية للأطفال والشباب. 

الصورة
أسامة جحا وديما الداهوك في كندا 3 (مصطفى عاصي)
(مصطفى عاصي)

"بيت الرياضة" هذه هي التسمية التي اختارها أسامة وديما لمشروعهما، وقد استوحياه من اسم النادي الرياضي الذي كان يملكه أسامة في سورية. تقديم مساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة حلم كان يراود هذا المدرّب قبل المجيء إلى كندا. وجاءت الجائحة لتطاول المعاناة الجميع، فترهلت الأجساد وضمرت العضلات وساءت صحة الناس النفسية. الوقع كان أشدّ على ذوي الإعاقة، الأمر الذي راكم أوجاعاً فوق أوجاع. فتنبّهت المنظمة السورية الكندية للخطر، وخرجت بفكرة دعم المعوّقين حركياً في منازلهم، طالبة الدعم من الحكومة والصليب الأحمر فحصلت عليه. 

قضايا وناس
التحديثات الحية

وقد اختارت المنظمة أسامة وديما ليقدّما المشروع على خلفية خبرتهما ومعرفتهما بأحوال وظروف وحاجات الأشخاص ذوي الإعاقة. فهما، المدرّب ومساعدته، يعيشان مع الإعاقة ويعرفان مكامن الضعف والقوة في أجساد هذه الفئة المهمّشة في كلّ المجتمعات. ويؤكد أسامة في هذا الإطار أنّ تمارين اللياقة البدنية مهمة لحياة ذوي الإعاقة وصحتهم، فمكوثهم الدائم في المنزل على الكراسي المتحركة يؤدّي بهم إلى السمنة واعوجاج في العظام، تحديداً في العمود الفقري، بالإضافة إلى الضمور العضلي الكبير.

ذات صلة

الصورة
وقفة في إدلب بذكرى مجزرة الكيميائي في دوما (فيسبوك)

سياسة

نظم عشرات المدنيين وقفة تضامنية وسط مدينة إدلب، في الساعة السابعة مساء اليوم الأربعاء، مع ذوي ضحايا مجزرة الكيميائي في مدينة دوما في الغوطة الشرقية بمحافظة ريف دمشق، التي ارتكبت فجر 7 إبريل/ نيسان 2018.
الصورة
وقفة في إدلب في ذكرى مجزرة خان شيخون (العربي الجديد)

سياسة

نظم عشرات الناشطين والمدنيين، اليوم الأحد، وقفة احتجاجية وسط مدينة إدلب، شمالي غرب سورية، في الذكرى الرابعة لمجزرة الكيميائي التي شهدتها مدينة خان شيخون لتذكير العالم بالمجزرة التي ارتكبها النظام السوري بحق المدنيين.
الصورة
احتفالات (العربي الجديد)

مجتمع

احتفل الآشوريون والسريان في سورية، أمس الخميس، بواحد من أقدم الأعياد التي عرفتها البشرية، وهو عيد "أكيتو"، الذي يصادف مطلع شهر إبريل/ نيسان الذي يُعرف بشهر السعادة.
الصورة
مسلسل دنيا- العربي الجديد

مجتمع

مسلسل كرتوني كندي بطلته الطفلة السورية "دنيا" يعيد تجسيد رحلة اللجوء من حلب وصولاً إلى كندا، بكلّ مآسيها وانشغالات أشخاصها. المسلسل فرنسي اللغة، سيبث بالإنكليزية والعربية لاحقاً.

المساهمون