استمع إلى الملخص
- في الجنوب الشرقي، تتفاقم الأزمة بسبب المناخ شبه الصحراوي وقلة التساقطات، وتعتمد المناطق على مياه السدود، بينما تواجه القرى الجبلية تحديات كبيرة مع نضوب الآبار، وتبذل السلطات جهودًا لتوزيع المياه عبر صهاريج متنقلة.
- في مناطق مثل أكوراي، تستمر أزمة العطش رغم الوعود بحلول عاجلة، ويعاني السكان من انقطاع المياه المستمر، مما يهدد استقرار الأسر، وتستمر الاحتجاجات للمطالبة بحلول منصفة.
تعيش قرى ومدن عديدة في المغرب أزمة مياه خانقة في ظلّ صيف حار، ما دفع مواطنين إلى تقديم شكاوى إلى السلطات، وتنظيم وقفات احتجاجية ونداءات استغاثة في عدد من المناطق، مطالبين بتدخل عاجل لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم من الماء.
ويُفاقم ارتفاع درجات الحرارة من حدّة هذه الأزمة، إذ يواجه المواطنون تحدّيات متزايدة لتوفير مياه الشرب ومياه الاستخدام اليومي، خصوصاً في القرى والمناطق النائية. وتُعزى أزمة المياه المتفاقمة حسب خبراء إلى توالي سنوات الجفاف، والاستغلال المفرط للموارد المائية، ما أدى إلى تراجع مستمر في المخزون المائي، واستنزاف الاحتياط الاستراتيجي للمياه. ونتيجة لذلك، بات الحصول على الماء رحلة شقاء يومية، خاصةً في المناطق القروية، إذ يضطر كثيرون إلى قطع مسافات طويلة لتأمين مياه الشرب.
في مناطق متفرقة من المغرب، تتخذ أزمة المياه أشكالاً متعدّدةً، باختلاف الخصوصيات الجغرافية والديمغرافية، لكن النتيجة واحدة: صعوبة الوصول إلى الماء، وآبار جافة، وانقطاعات متكرّرة للمياه، ومطالبات بحلول ناجعة تُخفف من معاناة السكان.
في الجنوب الشرقي، حيث تشتدّ أزمة التزود بالماء الصالح للشرب، يقول الناشط والإعلامي إسماعيل أيت حماد لـ"العربي الجديد": "تعاني أقاليم زاكورة، وتنغير، والراشيدية، وبعض مناطق ورزازات من أزمة حادة في التزود بالماء، بفعل المناخ شبه الصحراوي، وقلة التساقطات، والاعتماد شبه الكامل على مياه السدود، مثل سدّ المنصور الذهبي وسد أكدز وسد الحسن الداخل".
يوضح أيت حماد أن الأزمة تتركّز تحديداً في القرى الجبلية وشبه الصحراوية، خاصة لدى الرّحل، مضيفاً: "يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن الماء، في ظل نضوب أغلب الآبار نتيجة تراجع الفرشة المائية (المخزون الجوفي للمياه)، التي تعرّضت للاستنزاف بسبب الزراعات الدخيلة مثل البطيخ الأحمر، وتوالي سنوات الجفاف. وكان الناس سابقاً يجدون الماء على عمق 10 إلى 25 متراً فقط، أما حالياً فتستعمل الضيعات الفلاحية تقنية الحفر بـ"الصوندا" إلى مئة متر تقريباً بحثاً عن الماء".
ويشير أيت حماد، وهو من أبناء مدينة زاكورة (جنوب شرق المغرب)، إلى أنّ العديد من القرى، خاصّة في جماعتَي ترناتة وكتاوة، تعاني من شحّ الماء يومياً، لافتاً إلى أن السلطات تبذل جهوداً لمواجهة هذه الوضعية، ويمكن تقسيمها إلى نوعين: "إجراءات آنية خلال فصل الصيف، من خلال توزيع المياه على السكان عبر صهاريج متنقلة أو توفير سقايات جماعية؛ وإجراءات بعيدة المدى ترتبط بمشاريع تزويد القرى بالماء الصالح للشرب، مثل المشروع الذي يشرف عليه المكتب الوطني للماء الصالح للشرب بتنسيق مع الجمعيات المحلية، الذي انطلق بعد استكمال أشغال سد أكدز السنة الماضية، إذ شرعت السلطات في تزويد عدد من الدواوير المجاورة بالماء الصالح للشرب".
ورغم هذه الجهود، يرى المتحدث أن تحديات كبيرة ما تزال مطروحة أمام ضمان التزود المستدام بالماء، بسبب الاستنزاف المتواصل للفرشة المائية، قائلاً: "في كثير من الحالات، يجري حفر الآبار ثم تنضب خلال مدة قصيرة، ما يجعل السكان في مواجهة مباشرة مع العطش". ويختم أيت حماد بالتأكيد أن قضية الماء الصالح للشرب تحظى بأولوية في الخطابات الملكية وبرامج الحكومة والجماعات المحلية، مشيراً إلى أن هذه الأخيرة تخصّص ميزانيات مهمة لتعميق الآبار، ومدّ القنوات المائية في المناطق المتضرّرة، غير أن الظرفية المناخية واستنزاف الموارد تظل عوامل مقلقة تهدّد الأمن المائي.
وبعيداً عن الجنوب الشرقي، تعيش مدينة أكوراي والقرى المجاورة لها، التابعة لجهة فاس مكناس (وسط المغرب)، واقعاً مماثلاً، إذ تحوّلت أزمة العطش إلى معاناة تلازم السكان منذ سنوات، دون أن تجد وعودُ المسؤولين طريقها إلى التنفيذ وفق الناشط في المجتمع المدني في أكوراي، أيوب أوشريف. ورغم المصادقة في سنة 2024 على حفر ثلاثة آبار بوصفه حلّاً عاجلاً، ظلت هذه المشاريع حبيسة الرفوف، ما أجّج غضب السكان الذين يعتبرون استمرار انقطاع الماء شكلاً من أشكال التهميش وحرماناً من حق أساسي.
يضيف أوشريف أنّ الوضع بات كارثياً، مشدداً على أن "السكان يعيشون منذ سنوات أزمة خانقة في التزود بالماء الصالح للشرب، لكنها تتفاقم كثيراً خلال فصل الصيف بفعل ارتفاع الطلب وتراجع الموارد، حتى باتت تهدّد الاستقرار اليومي للأسر". ويضيف أوشريف في تصريح لـ"العربي الجديد" أن المشكلة ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى أكثر من ثماني سنوات، غير أن "السنتَين الأخيرتَين شهدتا تدهوراً مقلقاً في الوضع بسبب غياب أي حلول ملموسة، رغم الوعود المتكررة للمسؤولين والجهات المعنية"، مبرزاً أن "الأزمة تشمل مدينة أكوراي والقرى المجاورة وحتّى بعض البلديات القروية التي تتزود من خزان أكوراي بالماء الصالح للشرب".
ويوضح أوشريف أن السبب الرئيسي للأزمة يعود إلى "تملّص المسؤولين وتقاعسهم عن أداء مهامهم في إيجاد حلول واقعية، رغم أن المنطقة تزخر بفرشة مائية غنية تؤهلها لتجاوز الأزمة"، مضيفاً أن "المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، ومجلس الجماعة يتقاذفان المسؤولية ويبقى المواطن هو الضحية".
ويتابع: "بات مشهد النساء اللواتي يخرجن في ساعات مبكّرة من كل صباح لجلب المياه للشرب والاستعمال اليومي مألوفاً في أكوراي"، مشيراً إلى أن الأزمة تلقي بظلالها الثقيلة على الأسر، خاصّة الأطفال وكبار السن، فضلاً عن العمال المياومين، مثل عمال البناء "الذين يعودون منهكين بعد يوم شاق، دون أن يجدوا حتى ما يغتسلون به". ويلفت إلى أن السكان سبق أن رفعوا عرائض احتجاجية وشكايات متعدّدة للسلطات، كما نُظمت وقفات سلمية لإيصال الصوت، لكن من دون جدوى، مؤكداً أن "الاحتجاجات ستتواصل ما دامت الأزمة قائمة ولم يجرِ إيجاد حلول عاجلة ومنصفة".
ومن واقع المعاناة اليومية، سبق أن نظّم سكان جماعة قروية بإقليم الصويرة (وسط البلاد) وقفة احتجاجية أمام مقرّ العمالة، مطالبين بضمان الحق في الماء. وفي شمال المغرب، عاشت بعض مناطق إقليم تاونات على وقع الأزمة التي دفعت سكاناً إلى الاصطفاف في طوابير طويلة بحثاً عن الماء.
يذكر أن النائبة البرلمانية فاطمة الزهراء التامني سبق أن وجهت في يونيو/حزيران الماضي، سؤالاً كتابياً لوزيرَي التجهيز والماء نزار بركة، والفلاحة أحمد البواري مركزة على مفارقة بيئية واقتصادية، تتمثل في تصدير المغرب للأفوكادو إلى دول لا تعاني نقصاً مائياً، مثل كندا، معتبرةً أن هناك تناقضاً صارخاً بين أزمة المياه التي يواجهها المغرب وتوسع الزراعات التصديرية التي تستهلك كميات كبيرة من الماء، مشيرةً إلى أن ذلك يعد "تصديراً غير مباشر للماء".