أزمة الدواء تهدد حياة مئات المرضى في السويداء
استمع إلى الملخص
- ارتفاع أسعار حليب الأطفال ونقصه زاد من معاناة الأسر، مما اضطرهم لاستخدام بدائل غير مناسبة، بينما يواجه مرضى السرطان صعوبات في العلاج بسبب نقص الأدوية.
- رغم تأكيد الحكومة السورية على عدم وضع قيود على المساعدات، تواجه الجمعيات المحلية صعوبات في تأمين الأدوية، وناشدت جمعية "أصدقاء مرضى الكلى" للتدخل العاجل.
تشهد محافظة السويداء جنوبي سورية حصاراً خانقاً منذ عدة أسابيع، انعكس مباشرة على تفاصيل حياة السكان، ومن بينها الرعاية الصحية، خصوصاً لأصحاب الأمراض المزمنة الذين يعتمدون اعتماداً دائماً على أدوية بعينها، إذ باتت الصيدليات شبه فارغة، لترتفع صرخات المرضى وعائلاتهم.
وقبل أيام، قضت المتطوعة السابقة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" خزامى الأحمد، نتيجة عدم تمكنها من الحصول على جرعات الإنسولين الضرورية لعلاج مرض السكري، ما شكل جرس إنذار حول المخاطر التي تهدد مرضى آخرين في المحافظة.
يجلس مريض السرطان الأربعيني، هاني الأشقر، منهكاً في منزله بعدما اضطر لتأجيل جلسات العلاج الكيميائي لأكثر من أسبوعين. ويقول لـ"العربي الجديد": "أشعر أن وقتي ينفد، وأن كل يوم بلا علاج يقرّبني من الخطر، والأطباء يقولون إن أي تأخير إضافي سيؤدي إلى تدهور حالتي. كنت أظن أن المعركة مع المرض صعبة، لكن ما لم أتخيله أن المعركة الكبرى ستكون غياب الدواء".
يحمل الموظف الخمسيني مراد جربوع، المصاب بالسكري، عبوة إنسولين فارغة، ويقول: "الصيدليات فارغة، وحين سمعت بوفاة الشابة خزامى شعرت بأن دوري قد يأتي في أي لحظة. لا نموت من المرض وحده، بل من انقطاع العلاج أيضاً".
تتكرر المعاناة بشكل مختلف مع سوسن الباشا، وهي أم لرضيعة لم تتجاوز الثمانية أشهر، إذ تقضي ساعات من البحث في الصيدليات عن عبوة حليب أطفال. تقول لـ"العربي الجديد": "طرقت أبواب عشرات الصيدليات بلا جدوى، واضطررت في مرة لاستخدام حليب غير مناسب لعمرها، لكن معدتها لم تحتمله، وبكت طوال الليل. أكثر ما يخيفني أن تجوع صغيرتي ولا أجد ما يسد رمقها".
وتشهد السويداء ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار حليب الأطفال، إذ وصل سعر العلبة إلى 300 ألف ليرة سورية (نحو 30 دولاراً) رغم أن سعرها الأصلي لا يتجاوز 145 ألف ليرة، بينما بلغ سعر بعض الأنواع 400 ألف ليرة. ما دفع بعض الأسر إلى تخزين الكميات القليلة المتوفرة التي اشتروها بأسعار تتجاوز قدرة الأسر محدودة الدخل.
وتشير مصادر محلية إلى أنّ عدد الصيدليات في السويداء يتراوح بين 180 و185 صيدلية، وأن عدداً منها أُجبر على إغلاق أبوابه بسبب الظروف الأمنية أو نقص الأدوية، فيما تعرضت 54 صيدلية للتدمير أو السرقة أو الحرق، إضافة إلى تضرر مستودع أدوية، ما انعكس على حصول السكان على الأدوية الأساسية.
وتقول عضو نقابة الصيادلة بمحافظة السويداء، جمانة جبور، لـ"العربي الجديد": "وفاة خزامى الأحمد جسدت المخاطر التي يواجهها المرضى بسبب نقص الأدوية الأساسية. فقدان الإنسولين منذ أسابيع وضع مرضى السكري في موقف حرج، فيما تشمل الأدوية الأخرى المفقودة أدوية الضغط والقلب والغدة الدرقية، وبعض المضادات الحيوية الأساسية، ما يعقّد علاج الأمراض المزمنة، ويهدد حياة المرضى".
تضيف جبور: "نقص حليب الأطفال أجبر بعض العائلات على استخدام بدائل غير مناسبة، ما يشكل خطراً مباشراً على حياة الرضع. مخزون الأدوية الحالي قليل، لكنه مهدد بالنفاد خلال أسابيع حال عدم دخول كميات جديدة. نقص أدوية السرطان كمثال يؤثر على أكثر من 8000 مريض في المحافظة، وقد اضطر معظمهم للتوقف عن العلاج بسبب الظروف غير الآمنة للسفر للعلاج، فيما يواجه من يحاولون متابعة العلاج صعوبات كبيرة تهدد حالتهم الصحية، بينما تأخير تلقي العلاج قد يؤدي إلى تدهور سريع وخطير".
في المقابل، أكدت الحكومة السورية، الثلاثاء، أنها لم تضع أي قيود على دخول المساعدات الإنسانية منذ بدء الأزمة، وأن جميع القوافل التي تم تسييرها عبر الهلال الأحمر ووكالات الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر تحركت دون قيود على نوع أو كمية المساعدات، كما عقدت، أول من أمس الاثنين، اجتماعاً مع القيادات الأممية العاملة في سورية لبحث سبل رفع مستوى الاستجابة الإنسانية في محافظتي السويداء ودرعا.
وتوجهت قافلة مساعدات إنسانية جديدة إلى محافظة السويداء، صباح أمس الثلاثاء، وقالت الوكالة السورية للأنباء "سانا"، إن القافلة التي تضم مساعدات إغاثية وغذائية تابعة للهلال الأحمر السوري، وصلت إلى جسر بلدة نامر في ريف درعا، متجهة نحو السويداء.
وبحسب مديرية صحة السويداء، يبلغ عدد مرضى السكري المسجّلين 6810 مرضى، من بينهم 3107 يعتمدون يومياً على الإنسولين، و3703 يتناولون خافضات السكر الفموية. وتشير البيانات إلى أنّ الإناث يشكلن النسبة الأكبر بعدد 4130 مريضة، فضلاً عن 89 طفلاً مريضاً.
وتؤكد المديرية أن نحو 4750 مريضاً كانوا يستفيدون شهرياً من برنامج علاج السكري قبل تفاقم أزمة الدواء، ولا يحصل غالبية هؤلاء على مخصصاتهم الكاملة من الأدوية، إذ لا يتوافر سوى نحو 40% من الخافضات الفموية، بينما الإنسولين مقطوع في معظم الأحيان، رغم وجود 82 عيادة في المحافظة، من بينها 18 عيادة رئيسة لتوزيع الأنسولين، و64 فرعية لتوزيع الخافضات.
وتشير الأرقام إلى أنّ عدد مرضى السرطان في محافظة السويداء يقدر بنحو 8000 مصاب، ويواجه معظمهم خطر انقطاع العلاج. ويؤكد مدير جمعية مرضى السرطان، الطبيب عدنان مقلد، أنّ الكثير من المرضى دخلوا مرحلة الخطر نتيجة فقدان الأدوية، وأنّ نحو 1500 مريض يصارعون الموت، وبحاجة ماسة إلى جرعاتهم الدورية.
ويوضح مقلد لـ "العربي الجديد"، أن "الجمعية تواجه صعوبات كبيرة في إدخال الأدوية والمستلزمات، والمساعدات الطبية القادمة من خارج المحافظة لا يُسمح بدخولها، بما فيها أدوية السرطان والسكري وغيرها من الأمراض المزمنة، والتي كانت تُؤمَّن عادة عن طريق المنظمات الدولية أو تبرعات المغتربين. 43 مريضاً بالسرطان عالقون في ريف دمشق، بعدما تعذّر وصولهم إلى مستشفى البيروني لتلقي جرعاتهم، ما دفع الجمعية إلى نقلهم إلى مستشفى الراضي في جرمانا، ومحاولة تأمين الأدوية لهم بجهود محلية".
بدورها، ناشدت جمعية "أصدقاء مرضى الكلى" المنظمات الدولية والإنسانية التدخل العاجل لإدخال المحاليل اللازمة لجلسات غسل الكلى، موضحة أنها أرسلت عشرات الرسائل إلى وزارة الصحة، وتواصلت مراراً مع الهلال الأحمر السوري لإدخال 400 عبوة موجودة في دمشق، ومدفوعة الثمن عبر تبرعات المغتربين، لكن الوزارة امتنعت عن منح الموافقة، ولا تغطّي مساعدات الهلال الأحمر أكثر من 10% من احتياجات المرضى.
وكشف مصدر طبي في مشفى السويداء الوطني لـ"العربي الجديد"، عن وفاة أربعة مرضى خلال الأسبوع الماضي، بعدما تعذّر تنفيذ جلسات غسل الكلى المقررة لهم نتيجة النقص الحاد في المواد والمحاليل الطبية اللازمة. وأوضح أن "الطاقم الطبي يواجه ضغوطاً هائلة في التعامل مع الحالات الطارئة، فيما يبقى العجز عن تأمين المستلزمات تهديداً مباشراً لحياة العشرات من المرضى".