آباء وحيدون يواجهون قسوة الحياة والحرب في غزة

10 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 01:21 (توقيت القدس)
ألم وسط الدمار في مدينة غزة، 6 أغسطس 2025 (عمر القطّاع/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني الرجال في غزة الذين فقدوا زوجاتهم من أعباء معيشية مضاعفة، حيث يتحملون مسؤوليات جديدة تشمل رعاية الأطفال وتلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
- قصص مؤلمة مثل محمد أنور الدوش وإسلام شريتح ومعتز زيادة تبرز التحديات اليومية التي يواجهها هؤلاء الرجال في الطهي والتنظيف ورعاية الأطفال، مع شعورهم بالفراغ الكبير بعد فقدان زوجاتهم.
- في ظل النزوح والظروف المعيشية القاسية، يكافح رجال مثل محمد الدريني وكمال عوني البراوي لتوفير احتياجات أسرهم، معبرين عن العجز والأمل بانتهاء الحرب.

وسط جحيم قطاع غزة، فقد رجال كثيرون شريكات حياتهم، وهم اليوم يعانون بعد أن وجدوا أنفسهم مجبرين على تحمّل أعباء معيشية إضافية إلى جانب التعامل مع أولادهم المحتاجين إلى أحضان أمهاتهم.

وسط الأوجاع التي تخلّفها حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل بحقّ الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر والمتواصلة منذ أكثر من 22 شهراً، ومع محاولة الجميع التركيز فيها على ما يعانيه الأطفال والنساء، يظهر رجال وحيدون في مواجهة أعباء حياة الأسرة اليومية بعدما اغتالت آلة الحرب الإسرائيلية زوجاتهم وتركت أطفالهم بلا حضن أمّ.
وتطارد الظروف القاسية التي فرضتها الحرب الإسرائيلية جميع أطياف المجتمع، لكن يركّز المصوّرون كاميراتهم على الأطفال الجوعى وهؤلاء الذين ينتظرون دورهم في طوابير المطابخ الخيرية والذين يضيعون بين ركام المنازل التي دمّرتها الصواريخ والقذائف، وكذلك على النساء المفجوعات بفلذات أكبادهنّ واللواتي يسرن على دروب النزوح وهنّ يحملنَ متاعاً ثقيلاً. لكنّ الرجال لا يُرصَدون إلا نادراً، خصوصاً وهم ينتظرون حصص المساعدات، بينما مآسي كثيرين منهم تضاعفت بعد فقدانهم شريكاتهم، لا سيّما أن أعداد الشهداء من النساء من بين الأعلى بعد أعداد الأطفال.
وإلى جانب اضطرار الرجال إلى توفير ما يسدّ، ولو قليلاً، جوع أبنائهم من المساعدات التي يسمح الاحتلال بإدخالها إلى قطاع غزة المحاصر، فهم يشقون لتوفير الحليب لأطفالهم ويجهدون لغسل الملابس وإنجاز مهام أخرى لطالما اتّكلوا على زوجاتهم لإتمامها، فكانوا يعودون إلى بيوتهم الدافئة التي تعبق فيها رائحة الخبز والتي تتّضح فيه لمسة المرأة أو الزوجة التي تحتويهم. أمّا اليوم، فقد تغيّر كلّ شيء.
وتتضاعف الأعباء الملقاة على عاتق رجال غزة في ظلّ تردّي الأوضاع المعيشية التي بلغت مستويات كارثية بفعل التجويع الممنهج الذي يرتكبه الاحتلال في كلّ محافظات القطاع، الأمر الذي جعل توفير وجبة طعام واحدة لأفراد العائلة مهمّة شاقة، تُضاف إلى رحلات النزوح القسري المتكرّرة مع كلّ عملية عسكرية تنفّذها قواته في مناطق مختلفة فتُصدر أوامر إخلاء تضع العائلات أمام مصيرهم.
وتفيد البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بأنّ العدوان الإسرائيلي أسفر عن استشهاد أكثر من 58 ألف شهيد، من بينهم أكثر من 12 ألفاً و500 امرأة، مع العلم أنّ النساء والأطفال يمثّلون معاً 70% من نسبة شهداء غزة في خلال الحرب المتواصلة.
في داخل إحدى غرف الصفّ بمدرسة إيواء في حيّ الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة (شمال)، يجلس الفلسطيني محمد أنور الدوش (47 سنة) عاجزاً عن تصديق غياب زوجته وردة نعيم عروق وابنته، واللتَين استشهدتا في قصف طاول منزل العائلة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023. يقول الدوش لـ"العربي الجديد": "استشهدت زوجتي وابنتي، وبقي عندي ابنان وابنة واحدة"، مضيفاً أنّه "منذ ذلك اليوم وأنا أشعر بأنّ الدنيا اسودّت في وجهي". ويشرح: "لم أكن أعرف كيفية القيام بأيّ من شؤون البيت، إذ كانت كلّ المهام المنزلية ملقاة على عاتق زوجتي بالإضافة إلى تربية أولادنا. لكن بعد استشهادها، اختلف الواقع كثيراً عليّ. الأمر صعب بالنسبة إليّ، وحتى الآن أنا غير قادر عل التأقلم مع هذا الواقع؛ أغسل الملابس بيديّ وأعجن وأطبخ فيما الأولاد غير قادرين على التأقلم مع هذا الأمر".

رجل فلسطيني في وسط قطاع غزة - 3 أغسطس 2025 (إياد البابا/ فرانس برس)
فلسطيني يحاول توفير أساسيات عائلته في وسط غزة، 3 أغسطس 2025 (إياد البابا/فرانس برس)

يضيف الدوش أنّ "المصيبة الكبرى هي في أنّني لا أستطيع تحقيق أيّ من متطلبات أولادي، خصوصاً أنّنا ما زلنا نازحين ونعيش في غرفة صفّ داخل مدرسة إيواء. كلّ ما أقدّمه لهم لا يعوّض 10% من الذين كانت والدتهم تقوم به". ويقرّ: "أنا أشعر باختناق. ولا حلّ إلا بانتهاء الحرب والعودة إلى العيش كما في السابق قبل". لكنّ الحياة كما في السابق لم تعد خياراً متاحاً مع استشهاد زوجته ووالدة أولاده. وبألم يقول الدوش "أنا حزين على نفسي كثيراً بعد استشهاد زوجتي، فهي كانت تمثّل نصفي الثاني، خصوصاً في ظلّ تردّي الأوضاع وقساوة الحياة التي وصلنا إليها. وأنا غير قادر على توفير أيّ شيء في الوقت الراهن بسبب التجويع".
بدوره، فقد طبيب الأمراض النفسية والعقلية إسلام شريتح (40 سنة) زوجته نسمة الوكيل في قصف استهدف جلسة على سطح منزل العائلة في حيّ الصبرة جنوبي مدينة غزة في 23 مايو/ أيار الماضي. يقول لـ"العربي الجديد": "كنت معهم قبل دقائق فقط"، وبعدها ألقت "الزنّانة (المسيّرة الإسرائيلية) صاروخاً عليهم... فاستشهدت زوجتي وأخي وزوجته". ولا يخفي شريتح "الفراغ الكبير الذي تركه استشهاد نسمة"، أضف إلى ذلك أنّه يهتمّ اليوم بشؤون أطفاله الثلاثة (ابنان وابنة واحدة). وبشير إلى أنّ "أكثر من 80% من أعباء الحياة أصبحت علي عتقي. أنا أغسل وأطبخ وأتابع الأولاد، وهذا الأمر يجعلني أتأخّر عن عملي. وبعد ما كنت في الماضي أعود إلى المنزل لأجد كلّ شيء جاهزاً، صار كلّ شيء علي عاتقي". يضيف شريتح: "استشهاد الزوجة أمر صعب، وهذا الشعور لا يحسّ به إلا من فقد زوجته. كانت ركن البيت الأساسي، والنصف الثاني الذي يُكمّلني. كانت أوّل من يشعر بي، وهي المدرسة الحقيقية لأبنائنا. فقدانها ترك في داخلي فراغاً لا يمكن ملؤه. 17 عاماً من عِشرة لا تُنسى، والفقد يفوق قدرتي على التحمّل رغم أنني طبيب نفسي".
حكاية مؤلمة أخرى يروي فصولها معتز زيادة (41 سنة)، الذي استشهدت زوجته سحر فايز زيادة فيما كانت ترفع الراية البيضاء وهي تتّجه نحو منزل العائلة الواقع في مشروع بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، لتوفير لقمة تسدّ بها رمق أطفالهما. ويخبر زيادة "العربي الجديد": "كنّا محاصرين لثلاثة أيام من دون مياه ولا طعام في مستشفى كمال عدوان في مشروع بيت لاهيا، في خلال العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في الشهر الماضي. وخرجت زوجتي لتُحضر شيئاً نطعمه للأطفال، ولم ترجع. استهدفها مسيّرة إسرائيلية عند الظهيرة، وهي برفقة نساء أخريات كنّ قد توجّهنَ إلى بيوتهنّ للغرض نفسه".

رجل فلسطيني مع طفلَيه في مدينة غزة - شمال قطاع غزة - 2 أغسطس 2025 (داود أبو الكاس/ الأناضول)
فلسطيني مع طفلَيه في شمالي قطاع غزة، 2 أغسطس 2025 (داود أبو الكاس/الأناضول)

استشهدت سحر وتركت خلفها أربع بنات لزوجها الذي يقول: "منذ ذلك الحين وأنا أهتمّ بكلّ شيء، من تعبئة المياه إلى الطهي والغسيل. البنات يشكينَ من المياه المالحة، وحرارة الشمس تزيد التعب، وأنا أواجه صعوبة كبيرة في الحصول على الطعام، كوننا كنّا نعتمد على التكيّات الخيرية، وحالياً قلّت بصورة كبيرة وسط التجويع". وكان زيادة قد نزح مع عائلته أكثر من عشر مرّات، وهو يعيش حالياً في خيمة بحيّ الرمال الجنوبي. ويشير إلى أنّ "لا نملك سوى غالون مياه واحد، وأضطرّ إلى قطع مسافة ثلاثة كيلومترات لملئه بمياه للشرب"، مشدّداً على أنّ الحياة صعبة جداً. زوجتي كانت نصف البيت، وغيابها حوّل حياتنا إلى جحيم. نفسيّة ابنتي الكبيرة غزل مدمّرة، وأنا غير قادر على حماية بناتي من أيّ شيء. المرأة ليست زوجة فحسب، هي نصف المجتمع ونبضه، وأنا اليوم أمّ وأب وحارس وخبّاز، لكن مهما فعلت لا أستطيع تعويض بناتي والدتهنّ".
في خيمة قريبة من الميناء، يعيش محمد الدريني (39 سنة) مأساة لا تقلّ قساوة منذ فقد زوجته هالة كساب في قصف استهدف منزل جيرانهما في جباليا شمالي قطاع غزة في منتصف نوفمبر 2023، فاستشهدت وهي بجوار رضيعهما. يقول الدريني لـ"العربي الجديد": "لديّ أربعة أولاد، وأنا أتحمّل مسؤوليتهم بمفردي. وما يزيد التعب والإرهاق هو النزوح المستمرّ. حالياً أعيش في خيمة مع أطفالي، وأصعب شيء هو ابني الأصغر الذي يحتاج إلى أمّه، لذلك أضطرّ إلى إيداعه عند والدتي أو شقيقتي التي تقطن في خيمة مجاورة".
يضيف الدريني أنّ "كلّ شيء زاد صعوبة في غياب زوجتي"، ومثال على ذلك "توفير الطعام الذي يمثّل معركة بالنسبة إليّ، كوني أبحث عن تكيّات للطعام وفي كثير من الأحيان لا أجدها. كذلك تغيب المساعدات والجوع يتفشّى أكثر فأكثر. أمّا الأطفال فيحتاجون إلى رعاية وحنان، لكنّني لست أمّهم ولا أستطيع أن أحلّ مكانها، بل أحاول الاهتمام بمعيشتهم كلّ يوم بيومه". ويؤكد أنّ "الحياة صعبة جداً في الوقت الحالي، وتوفير الطعام أمر معقّد. ففي صباح كلّ يوم، لا أعلم من أين أبدأ بالأعباء الملقاة عليّ. لكن لا خيارات أمامي إلا الصبر والدعاء بأن تنتهي هذه الحرب في القريب العاجل".

من جهته، يعيش كمال عوني البراوي (38 سنة) قصة أخرى من الألم، منذ ذلك اليوم الذي فقد فيه زوجته وأطفال أربعة بعد قصف منزلهم الواقع في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة في 22 فبراير/ شباط 2024. يحكي البراوي لـ"العربي الجديد": "كنّا نازحين في مدرسة أبو تمام في بيت لاهيا ووردتنا معلومات بانسحاب قوات الاحتلال من المنطقة التي نسكن فيها. فعدنا إلى بيتنا، كذلك الأمر بالنسبة إلى آخرين من سكان المنطقة الذين عادوا إلى بيوتهم. لكن بعد ثلاثة أيام فقط، تلك التي أمضيناها في بيتنا بعد الانسحاب، عند الساعة السابعة والنصف صباحاً قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية المبنى السكني المؤلّف من ستّ طبقات، واستشهدت زوجتي وأربعة من أولادنا، فيما ونجوت بأعجوبة أنا وابني غسان البالغ من العمر 12 سنة".
وبعد جولات من النزوح المتكرّر، انتهى المطاف بالبراوي في إحدى مدارس النزوح بمدينة غزة، بلا أيّ إمكانيات. فقد أنهكته الحياة المريرة التي يعيشها قطاع غزة بأكمله، وهو يحاول تدبر الطعام والمياه لفلذة كبده غسان. ويقول: "أنا لا أعرف كيف أطبخ. لطالما كانت زوجتي مسؤولة عن ذلك. واليوم، لا أعرف من أين أبدأ، وكلّ يوم يمرّ كأنّه سنة".