6 أشهر من متاعب دونالد ترامب: خسارات متزايدة داخل قاعدته الجماهيرية

22 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
تظاهرة ضدّ ترامب في واشنطن، 17 يوليو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه ترامب تحديات داخلية وخارجية في ولايته الثانية، حيث تتذمر قاعدته الشعبية "ماغا" من سياساته، خاصة في قضايا مثل جيفري إبستين والحرب التجارية، بجانب انتقادات لفشله في إقناع روسيا بوقف حربها على أوكرانيا ودعمه لإسرائيل في غزة.

- رغم الانتقادات، تدعم المحكمة العليا ترامب بقرارات توسع صلاحياته التنفيذية، مما يمكنه من إصدار مراسيم لتحقيق أجندته السياسية، مثل تقييد حق المواطنة وتطهير الإدارات الحكومية.

- حقق ترامب بعض وعوده الانتخابية مثل خفض الضرائب وضبط الحدود، لكنه يواجه تحديات في الحفاظ على تأييد قاعدته الشعبية، مع تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي.

مضى نصف عام على رئاسة دونالد ترامب الثانية في الولايات المتحدة تبدو فيها حسابات الربح والخسارة دقيقة جداً، بين "الإنجازات" و"التخريب" المتواصل. وبينما كان ترامب في ولايته الأولى (2017 – 2021)، مهجوساً منذ اليوم الأول بالولاية الثانية، فإنه يتحرّر اليوم، نظرياً، من عبء "القاعدة"، رغم شائعات الرغبة بولاية ثالثة. وعوضاً عن أن تشكل الستة أشهر الماضية فرصة لتقريب ترامب من قاعدته أو توسيعها، فإن هذه القاعدة بدأت بالتذمّر والتمرّد على سياسات الرئيس الأميركي، الذي يواصل "المكابرة"، من جهته، مردداً في الإعلام أن هذه القاعدة "لن تبتعد عنه مهما فعل".

ابتعاد ماسك وإرباك "ماغا"

مع فتح ملف رجل الأعمال جيفري إبستين الذي انتحر في سجنه في عام 2019 بعد الحكم عليه في قضية المتاجرة الجنسية بالفتيات القاصرات، تزداد متاعب دونالد ترامب الذي قيل إنّ اسمه ورد في تحقيقات القضية من باب علاقته مع المتهم. وكان مالك منصة إكس وشركة تسلا، إيلون ماسك، الذي عيّنه ترامب مسؤولاً عن إدارة الكفاءة الحكومية، إثر عودته للبيت الأبيض، أول من أشار إلى هذه العلاقة، بعدما ساءت علاقة ماسك بالرئيس، وترك الإدارة في مايو/أيار الماضي. مناوشات ترامب وماسك، أثّرت أيضاً على مزاج الأميركيين، وما زاد من إرباك البيت الأبيض، أن شريحة واسعة من قاعدة تيار ترامب المعروف باسم "ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجدّداً)، تطالب بإلحاح بالكشف عن محاضر ومداولات هيئة المحلّفين بالقضية، فيما ارتفع الخلاف بين وزيرة العدل بام بوندي، ومكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)، حول المحاضر.

الإجراءات السلطوية للرئيس الأميركي تربك الدائرة المقربة منه وتدفع بعض الحلفاء إلى التخلي عنه

ويجري الحديث عن "تمرد" قوي ضدّ ترامب داخل تيار "ماغا"، على خلفية قضية إبستين، وقضايا أخرى، من بينها الحرب التجارية. وقد تكون قضية إبستين، الشعرة التي قصمت ظهر البعير بين ترامب وجزء من قاعدته، التي وجدت أنه لم يفِ بوعود كثيرة تتعلّق بمحاربة "الدولة العميقة". وترتبط القضية بنظرية لدى هذه القاعدة مفادها بأن "النخبة" غالباً ما تبتزّ النظام، وأن إبستين لم ينتحر، بل قُتل داخل زنزانته لإخفاء لائحة بأسماء النافذين المتورطين في قضيته، فيما نكث ترامب بوعده بالكشف عن وثائق القضية، خصوصاً أن إبستين وجد ميتاً في زنزانته خلال ولاية ترامب الأولى.

أنشطة تثقيفية خارجية لطلاب مدرسة في هيوستن، 4 يونيو 2025 (Getty)
طلاب وشباب
التحديثات الحية

وتشكّل "ماغا" عصب قوة الرئيس دونالد ترامب الانتخابية والسياسية، وكانت لارا لومر، الناشطة والمؤثرة في الحركة، قد دعت إلى تعيين محقق خاص في القضية، علماً أن لومر نجحت سابقاً في التأثير على ترامب، لطرد مسؤولين في فريقه للأمن القومي، بعد فضيحة تطبيق سيغنال، حين تشارك هؤلاء، بمن فيهم وزير الدفاع بيت هيغسيث ومستشار الأمن القومي السابق (والمطرود) مايكل والتز، بتبادل رسائل أمنية وعسكرية حسّاسة على التطبيق، وأدخلوا اسم صحافي فيها عن طريق الخطأ.

ويرفض ترامب الانصياع لرغبات "ماغا"، وبات أكثر توجهاً للتفرد في قراراته، والتخلي عن سياسة الاعتماد على المستشارين التي انتهجها خلال ولايته الأولى. ولم يعيّن ترامب بعد، مستشاراً للأمن القومي، خلفاً لوالتز، الذي كلّف مهامه بالإنابة لوزير الخارجية ماركو روبيو. وروبيو، من الجناح الصقوري داخل الحزب، المؤيد لانتهاج سياسات عدوانية تجاه الخصوم في الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية والصين. ويبدو التباعد أيضاً واضحاً بين هذا التيار وتيار "ماغا"، إذ تجاهر كتلة من الجناح المحافظ المحسوب على هذا التيار باعتراضاتها على سياسات ترامب المتعلقة بحروب الخارج، وبالتحديد في الشرق الأوسط. ومن بين رموزها نخب نافذة وقفت وعملت مع ترامب في إدارته الأولى، كما في حملته الانتخابية الأخيرة، مثل ستيف بانون وتاكر كارلسون.

هذه الرموز، لها جمهور واسع في صفوف تيار الرئيس، وتعتمد خطاب الترويج لسياسة الانكفاء والتخلي عن الالتزامات الخارجية، حتّى تجاه إسرائيل، ويتخطى دورها المحوري حدود الولايات المتحدة، إذ إنّ أجندتها تشمل المساهمة في تقدم تيار اليمين المتطرف في كل أنحاء العالم، وخصوصاً في أوروبا. في مؤتمر عام في ولاية فلوريدا الأسبوع الماضي لأنصار هذا التوجه المتنامي في أوساط اليمين الجمهوري، طالب كارلسون الذي كان مقرباً جداً من ترامب، بضرورة "سحب الجنسية الأميركية" من الأميركيين اليهود الذين يقاتلون مع الجيش الإسرائيلي، بحجة "عدم جواز ازدواجية الولاء الوطني"، وهو خطاب يهدّد تماسك الحزب الجمهوري، في وقت يتحضر فيه الحزب لانتخابات نصفية العام المقبل، عادة ما يخسر فيها حزب الرئيس.

ورغم ميله لاتخاذ القرارات بنفسه واعتماد النهج السلطوي، يخسر ترامب الكثير من رصيده الداخلي بسبب السياسات الخارجية، بعدما فشل في إقناع روسيا بوقف حربها على أوكرانيا، وشَنّ هجوماً أميركياً على إيران، ويواصل دعم إسرائيل في حرب الإبادة في غزة. وبينما كان الحديث يدور حول ثلاثة تيارات داخل الحزب الجمهوري؛ "المنعزلون" و"صقور الحرب" و"الوسطيون"، يخدم ترامب، في أجندته الخارجية، التيار الثاني، الذي للمفارقة، ابتعد الكثير من وجوهه عن ترامب، في ولايته الثانية، أمثال جون بولتون ومايك بومبيو، فيما الفريق الحالي، مثل نائبه جي دي فانس، يميل للانكفاء، أو توجيه التركيز نحو الصين، كما يرغب وزير الدفاع بيت هيغسيث. ورأى معهد بروكينغز، في تقرير له نشره في 23 يونيو/حزيران الماضي، أي قبل يوم واحد من إعلان وقف النار بين إسرائيل وإيران، أن هناك ثلاثة تيارات داخل الجمهوريين المختلفين حول السياسة الخارجية: "المؤمنون بالتفوق الأميركي" الداعمون للحروب، و"الواقعيون" الذين يريدون التركيز على الأولويات، وهي مواجهة الصين، و"المنكفئون"، الذين لا يرى المركز أن ترامب واحد منهم، لأنه "شعبوي" أكثر منه "أيديولوجياً"، ويمكن أن يضع نفسه في خانة رابعة وهي خانة "عاقد الصفقات"، ما جعله يعتمد خلال الأشهر الستة الأولى من ولايته، أكثر على المبعوثين من أصدقائه، الذين يعمل معظمهم في قطاع الأعمال، أمثال ستيف ويتكوف وتوم برّاك.

حصاد المحكمة العليا لمصلحة دونالد ترامب

إذا كانت خيارات دونالد ترامب قد جعلت العديد من الحلفاء والداعمين يبتعدون عنه، فإن المحكمة العليا الأميركية، بقضاتها الستة المحافظين (من أصل تسعة)، الذين عيّن منهم ترامب ثلاثة خلال ولايته الأولى، في موقع لا تحسد عليه، لتنظر في قرارات ترامب، التي قد تأخذ البلاد نحو توجهات متعارضة بشدّة مع روحية الدستور الأميركي، لا سيّما في ما يتعلّق برغبته في إنهاء "حقّ الجنسية بالولادة"، أو مسألة الحرّيات العامة التي كشفت حرب الإبادة في غزة الكثير من عيوبها أميركياً، إذا ما مسّت الحليف الأول لواشنطن.

المحكمة العليا مؤيدة صلبة لترامب عندما يتعلّق الأمر بتوسيع الصلاحيات التنفيذية... والمراسيم التنفيذية أبرز أدواته لتحقيق سياساته

وبحسب تقرير لشبكة "أي بي سي"، نشر في 7 يوليو/تموز الحالي، فإنّ المحكمة العليا الأميركية مؤيدة صلبة لترامب، عندما يتعلّق الأمر بتوسيع الصلاحيات التنفيذية. وأوضح موقع الشبكة، في تقريره، أن قرارات المحكمة، بعد مراجعتها 56 قضية في دورة عملها الأخيرة، مالت كثيراً لخدمة مصلحة دونالد ترامب والجانب المحافظ، بحسب إروين شيميرسكي، الخبير الدستوري، وعميد كلية الحقوق في جامعة بيركلي. وتحديداً، فرضت المحكمة قيوداً دراماتيكية، وفق "آي بي سي"، على قدرة القضاة الفيدراليين على مراقبة السلطة الرئاسية وفرض تدقيق عليها، وذلك بعدما منحت المحكمة، العام الماضي، حصانة جزئية لترامب، من الملاحقة القضائية بصفته رئيساً سابقاً، وذلك على خلفية قضية اقتحام أنصار ترامب الكونغرس في 6 يناير/كانون الثاني 2021. واعتُبر قرار المحكمة حينها، سابقة تاريخية، وانتصاراً سياسياً لترامب. ومنح قضاةُ المحكمة الستة المحافظون، موافقتهم أيضاً، على حملة طرد الموظفين الواسعة من الإدارات الفيدرالية، كما منحت المحكمة ترامب حتى الآن الضوء الأخضر في المضي قدماً بسياسة إبعاد المتحوّلين جنسياً من الخدمة العسكرية، لكن المحكمة لم تذهب بعد أكثر من ذلك في مسألة تقييد ترامب حقّ المواطنة بالولادة، رغم إصدارها في 27 يونيو الماضي، قراراً يقضي بتقييد سلطة القضاء الفيدرالي في وقف تنفيذ الأوامر التنفيذية الصادرة عن الرئيس، ما جعل فريقه يتأمل تطبيق ذلك على تقييد حق الجنسية، لا سيّما للمولودين داخل البلاد من أبوين مهاجرَين غير شرعيَين.

واحتفل دونالد ترامب أول من أمس، بمرور ستة أشهر على ولايته الثانية، واصفاً الولايات المتحدة بأنها "الأكثر جاذبية"، و"الأكثر احتراماً في العالم". وفي منشور له على منصته "تروث سوشال"، أكد ترامب أن ولايته الثانية "تُعتبر واحدة من أكثر الفترات أهمية في تاريخ ولاية أي رئيس"، وأضاف: "بعبارة أخرى، أنجزنا الكثير من الأمور الجيّدة والعظيمة، بما في ذلك إنهاء العديد من الحروب التي تخوضها دول لا تربطنا بها سوى علاقات تجارية أو، في بعض الحالات، صداقة"، في إشارة خصوصاً إلى تفاخره بأنه وراء وقف القتال الذي استمر أياماً معدودة بين القوتَين النوويتَين في آسيا، الهند وباكستان، في مايو الماضي (كما تمكّنت واشنطن من تسهيل وقف للنار بين الكونغو الديمقراطية وحركة 23 مارس المتمرّدة)، وتابع: "ستة أشهر ليست فترة طويلة لإحياء دولة كبرى بالكامل. قبل عام كان بلدنا ميتاً، دون أمل تقريباً في الانتعاش. واليوم، الولايات المتحدة هي الأكثر جاذبية والأكثر احتراماً في أي مكان في العالم. عيد ذكرى سعيد"، كما قال ترامب في منشور آخر، إن تأييده بين الجمهوريين وفق استطلاعات الرأي يتخطى 80%.

ووضع استطلاع جديد للرأي أجرته شبكة سي بي أس، ومركز "يوغوف"، ونشرت نتائجه أول من أمس الأحد، التأييد لترامب عند 42%، في تراجع عن 45% كان حظي بها في يونيو الماضي، باستطلاع سابق للشبكة والمركز. وفي استطلاع أجرته "نيويورك تايمز" أخيراً، حصل ترامب على تأييد 44%، و45% في استطلاع ثالث لـ"ريل كلير بوليتيكس". وفي استطلاع "سي بي أس"، فإن التأييد لسياسات ترامب المتعلقة بالهجرة، في إشارة إلى حملة ترحيل المهاجرين غير النظاميين الواسعة التي أطلقها مع عودته إلى البيت الأبيض، تراجع من 66% في فبراير/شباط الماضي إلى 56% اليوم. وبحسب "سي بي أس"، فإن معظم الأميركيين يريدون اليوم أن يركّز الرئيس على أسعار السلع والمواد الأساسية.

وعلى صعيد أجندته المحلية، حقّق دونالد ترامب خلال هذه المدة، ولو بشقّ الأنفاس، بعض وعوده الرئيسية أثناء حملته الانتخابية الثالثة، فمرّر مشروع خفض الضرائب والإنفاق العام في مجلسَي النواب والشيوخ وإن بصوت واحد في "الشيوخ"، علماً أن حزبه الجمهوري يملك الأغلبية في المجلسَين، لكن بعض هذه الأغلبية تمرّد عليه في اقتطاعاته للبرامج الاجتماعية، كذلك حقّق ترامب ضبطاً للحدود مع المكسيك ومنع المتسلّلين إلى الأراضي الأميركية بصورة غير مشروعة، ولو أن أساليب تطبيق هذه السياسة أثارت اعتراضات حتى من جانب جناح من الجمهوريين.

بالإضافة إلى ذلك، أزاح الرئيس الأميركي الكثير من سياسات سلفه جو بايدن، كالتي تتعلق بالضوابط المالية وغيرها، عن طريق صلاحياته بإصدار المراسيم التنفيذية، لإحداث تغييرات هامة في التوجهات والتنظيمات الإجرائية. وقد نجح في ترجمة عزمه على توسيع الصلاحيات التنفيذية للبيت الأبيض، وبعضها كان على حساب الصلاحيات التي يتمتع بها الكونغرس بموجب الدستور. وبدا كلّ ذلك، تطبيقاً لبعض أفكار "مشروع 2025"، الذي تنصّل منه ترامب خلال حملته، وهو عبارة عن مبادرة سياسية محافظة، أعدّتها مؤسّسة "هيريتيج" المحافظة، لإعادة هيكلة الحكم، وساهم فيها باحثون مؤيدون لترامب ومسؤولون سابقون في إدارته، وتهدف إلى إحداث تغييرات واسعة النطاق في جميع جوانب السلطة، وعلى رأسها إعادة هيكلة الحكومة الفيدرالية، لتنفيذ أجندة اليمين المتطرّف. ومن بين ذلك، ما يجري اليوم، من حملة تطهير في الإدارات الحكومية.