في مقابلة أجريت معه في رام الله، ديسمبر/ كانون الأوّل 2017، استذكر القيادي الفلسطيني ياسر عبد ربّه وقائع اجتماعه ورئيس الدائرة السياسية في منظّمة التحرير الفلسطينية فاروق القدّومي، بالرئيس السوري حافظ الأسد، في أواسط يونيو/ حزيران 1976، بغرض إقناع الأخير بالتدخّل لوقف الحصار التمويني الذي كانت قد فرضته منذ ستّة أشهر مليشيات اليمين المسيحي على مخيّم تل الزعتر شرقي بيروت، علماً أنّ الاجتماع المذكور جرى بطلب فلسطيني، بعد أسبوع من احتلال مكاتب تنظيم الصاعقة، الموالي لسورية في لبنان، في أولى مراحل التدخّل السوري الذي شهد في 7 و8 يونيو/ حزيران مقتل 74 جندياً على يد الفصائل الفلسطينية وأحزاب اليسار اللبناني، في ما بات يُعرف لاحقاً بـ"كمين صيدا".
يقول عبد ربّه عن الاجتماع: "كان أقصر الاجتماعات في تاريخ علاقاتنا السياسية مع الأسد، وعُدنا. قدّمت تقريراً وقتها للقيادة: توقّعوا أنّ هنالك مذبحة لأنّ كلامنا لم يغيّر شيئاً، التبرير للمذبحة القادمة أنّنا قطعنا رؤوساً ولعبنا فيها فوتبول بصيدا (بحسب توصيف الأسد خلال الاجتماع). هذه التعبئة لا بدّ أنّها تجري في الجيش السوري لتبرير ما سيحدُث مع تل الزعتر".
الثابت أنّ تدخّلاً عسكرياً سورياً غير مباشر كان قد مورس في لبنان في السنة الأولى من الحرب عبر وحدات جيش التحرير الفلسطيني وتنظيم الصاعقة
بعد أقلّ من أسبوع من اجتماع عبد ربه والقدومي بالأسد في دمشق، شنّت مليشيات اليمين المسيحي اللبناني، المدعومة وقتها من سورية، هجوماً على تل الزعتر استمرّ 52 يوماً، وانتهى في 12 أغسطس/ آب 1976 بسقوطه، وانسحاب المقاتلين المدافعين عنه عبر الجبال إلى خطوط القوات المشتركة. جرى ذلك بالتزامن مع قتل "طلاب الثأر" ومسلّحي المليشيات مئاتٍ من مدنيّي المخيّم، بعد تجميعهم في حي الدكوانة المجاور، وعلى الحواجز المنصوبة على الطريق إلى غربي بيروت، ما يعني تحقّق نبوءة عبد ربه بعد شهرَين من تدوينها في تقرير رُفع إلى القيادة الفلسطينية.
مسؤولية حافظ الأسد
حيال هذا الاستقراء الفلسطيني المبكّر والدقيق لمسار أحداث تل الزعتر، وغموض مستوى تواطؤ القيادة السورية مع مليشيات اليمين المسيحي، يتواصل منذ 50 عاماً، وبلا انقطاع، الجدل بشأن حجم تورّط نظام الرئيس الأسد في معركة تل الزعتر ومذبحة مدنيّيه، بعد استسلامهم لمليشيات اليمين المسيحي، تمهيداً لترحيلهم إلى مناطق سيطرة قوى اليسار اللبناني والتنظيمات الفلسطينية.
الثابت أنّ تدخّلاً عسكرياً سورياً غير مباشر كان قد مورس في لبنان في السنة الأولى من الحرب عبر أداتَين: وحدات جيش التحرير الفلسطيني المتمركزة في سورية، والتابعة اسميّاً لمنظّمة التحرير، لكنّها تتلقّى أوامرها من رئاسة الأركان. تنظيم الصاعقة، وهو الفرع الفلسطيني لحزب البعث السوري المنضوي في إطار منظّمة التحرير، لكنّه يأتمر بأمر دمشق. واستخدم جيش التحرير في سبتمبر/ أيلول 1975 في طرابلس للفصل بين مسلّحي اليسار وجيش التحرير الزغرتاوي التابع لسليمان فرنجية، وهو ما أثار وقتها غضب الكنيسة المارونية. واستخدمت الصاعقة في يناير/ كانون الثاني 1976 في هجوم الدامور الذي نفّذته الفصائل الفلسطينية واليسار اللبناني. وكان غرض دمشق من المشاركة فيه تليين تصلّب أحزاب اليمين المسيحي.
وجرى التدخّل العسكري السوري المباشر في السنة الثانية من الحرب على مرحلتَين: الأولى في يناير/ كانون الثاني 1976، واتخذت شكل رعاية الهدنة بين طرفي النزاع: الحركة الوطنية وحلفاؤها من التنظيمات الفلسطينية من جهة، وأحزاب اليمين المسيحي من الجهة المقابلة، فتشكّلت في 22/1/1976 لجنة أمنية مشتركة من العقيدَين علي المدني ومحمّد الخولي (من الجيش السوري)، ومن العميد موسى كنعان والعقيد ديب كمال (من الجيش اللبناني)، وزهير محسن وسعد صايل (من المقاومة الفلسطينية)، وكان في حوزة علي المدني ومحمّد الخولي 70 ضابطاً سورياً لمساعدتهما في الإشراف على وقف إطلاق النار.
قوّة سورية كانت داخل تل الزعتر، ومنخرطة في الدفاع عنه أثناء الهجوم الأخير لمليشيا اليمين المسيحي عليه
وقعت المرحلة الثانية والحاسمة من التدخّل العسكري السوري بعد انقسام الجيش اللبناني على نفسه، وتحوّله إلى تسعة جيوش (نقولا ناصيف، "جيوش لبنان - انقسامات وولاءات"، ص 511 - 512) متحالفة مع أطراف الحرب، وفرار رئيس الجمهورية سليمان فرنجية، بعد تعرّض قصره للقصف، والانقلاب عديم الجدوى للضابط عزيز الأحدب، وتوافق غالبية نيابية على أثره على المطالبة باستقالة الرئيس. بعدها قرّر الرئيس الأسد إرسال وحدات من الجيش السوري إلى لبنان في نهاية مايو/ أيار 1976، بعدما ضمن أمرَين: موافقة حلفائه الجدد في أحزاب اليمين المسيحي، وتواطؤاً أميركياً - إسرائيلياً عبر ما عرف باتفاق الخطّ الأحمر، إلى جانب التمديد الدوري لقوة فصل القوات "أندوف" في الجولان (إلياس الهراوي، "عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة"، ص 68).
أرسل الأسد أولى الوحدات السورية المدرّعة إلى بيادر العدس وعنجر على حدود لبنان الشرقية قبيل جلسة انتخاب إلياس سركيس في مطلع إبريل/ نيسان 1976. وفي نهاية مايو/ أيار 1976 اتخذ من مهاجمة الضابط اللبناني المنشقّ أحمد المعماري بلدتَين مارونيّتَين في قضاء عكّار الشمالي ذريعة لإرسال وحدات إضافية. وبدأت نذر مواجهة الأسد مع حلفاء الأمس (اليسار اللبناني والفصائل الفلسطينية) من البقاع شرقي لبنان، عندما وجّه الضبّاط السوريون في 3 يونيو/ حزيران 1976 إنذاراً لقوتهما التي كانت تُعرف بالقوات المشتركة، بإخلاء مواقعها في بلدة حزرتا ومرتفعاتها.
تحرّكات استباقية
قبل يومَين من وقوع كمين صيدا، استبقت الفصائل الفلسطينية وأحزاب اليسار الهجوم المتوقَّع للجيش السوري بالاستحواذ، في 7 و8 يونيو/ حزيران 1976 على مكاتب ومخازن ذخيرة حلفاء دمشق في بيروت، وخصوصاً تنظيم الصاعقة ووحدات جيش التحرير الفلسطيني الذي انشقّ على نفسه، وهي التطوّرات التي أغضبت الرئيس الأسد، ودفعت جيشه إلى قصف مواقع القوات المشتركة ومخيّمات اللاجئين الفلسطينيين غربَي بيروت وصيدا.
عن تلك التطوّرات، كتب باتريك سيل في توصيف مزاج الأسد حيالها "تلقَّى الأسد تقارير بأنّ الجنود الذين كانوا يعملون على المدافع المضادّة للطائرات في المخيّمات الفلسطينية تعرّضوا للضرب، بل للقتل، فآلمته تلك الحوادث وأغضبته، وجعلت قلبه يقسو على الفلسطينيين، فلقد كانوا يحفرون بأيديهم قبورهم، بتوريطه أكثر في صراعٍ كان حريصاً على تجنّبه" (باتريك سيل: "الأسد... الصراع على الشرق الأوسط"، ص 460).
المؤكّد أنّ توصيف سيل (المعروف بدقّة معلوماته) للوقائع التي أغضبت الأسد لا ينطبق على ما وقع في صيدا، بل ينطبق على وجود عسكري سوري غير معروف في مكان آخر من لبنان، هو أحد مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين، فالتواريخ الرسمية للوجود العسكري السوري على الأرض اللبنانية، كما أسلفنا، تعود إلى مطلع يونيو/ حزيران 1976 عندما دخلت القوات السورية لنجدة القريتَين المارونيتَين في عكّار. وحتّى 11 سبتمبر/ أيلول 1976، كانت القوات السورية ما زالت في بلدة صوفر الجبلية البعيدة من بيروت. ثمّ أخذت تتقدّم في منطقة جبل لبنان في 27 سبتمبر 1976 بعدما كان الأسد قد حقّق غرضه بإيصال مرشّحه إلياس سركيس إلى الرئاسة. ومنذ ذلك التاريخ ولغاية ترسيم وضع القوات السورية قوّة ردع عربية في أكتوبر/ تشرين الأول 1976، لم يكن للجيش السوري وجود في مدن لبنان، ولا في قراه ولا في مخيّمات لاجئيه الفلسطينيين.
قوّة سورية كانت داخل تل الزعتر، ومنخرطة في الدفاع عنه أثناء الهجوم الأخير لمليشيا اليمين المسيحي عليه، فمن أين أتت فجأة قوّة الدفاع الجوي السورية الحامية للمخيّمات؟ الحالة اليتيمة لاستخدام نظام دفاع جوي عن أي من المخيّمات الفلسطينية الـ15 تنطبق على واحد فقط، هو مخيّم تل الزعتر. فهذا المخيّم كان الوحيد الذي أتاح اتفاق بين الرئيس اللبناني سليمان فرنجية ونظيره السوري عام 1974 تزويده بمنظومة دفاع جوي سورية من طراز سام 7 ضدّ الهجمات الجوية الإسرائيلية. ولتمرير الإخراج المناسب لهذا التدخّل الذي جاء أصلاً بطلب من منظّمة التحرير الفلسطينية، فقد وُجد الجنود السوريون في تل الزعتر منذ عام 1974، لكنّهم كانوا يعملون تحت لافتة تنظيم الصاعقة.
إذن، الثابت أنّ ثمّة قوّة سورية كانت داخل تل الزعتر، ومنخرطة في الدفاع عنه خلال الهجوم الأخير لمليشيا اليمين المسيحي على المخيّم. وهو ما أكّده ممثّل الصاعقة في تل الزعتر، بلال حسن، في مؤتمر صحافي عقده في بلدة مكسة البقاعية، بعد أيّام من سقوط المخيم، بحضور الأمين العام للتنظيم زهير محسن، لكن ما لم يجرؤ بلال على قوله وقتها إنّ القيادة السورية حاولت سحب هذه القوّة قبل بدء هجوم مليشيات اليمين المسيحي على تل الزعتر، وإنّ أفرادها رفضوا أمر الانسحاب الوارد من حافظ الأسد، وقرّروا الاستمرار، والقتال حتّى الموت دفاعاً عن المخيّم وسكانه (محمّد العلي: "مخيّم تل الزعتر وقائع المجزرة المنسية"، ص 171 - 172). وهو ما حصل.
السؤال الأهم في هذا الملفّ الغامض: مَن قتل هؤلاء الجنود؟ تفيدُ التقارير الواردة إلى الأسد بأنّ أفراد هذه المجموعة قضوا "ضرباً أو قتلاً"... وهو ما ردّده الأسد نفسه، لكن بعبارات غامضة في عزّ معركة تل الزعتر. ففي خطاب مطوّل ألقاه في 20 يوليو/ تموز 1976، قال إنّ الجنود الذين أرسلوا مع عتادهم إلى مخيّمات الفلسطينيين في لبنان للدفاع عنها "أُسيء لهم إساءات بالغة". وبعدما وصف التزام الجنود بمهمّتهم، وعيونهم الشاخصة "فقط على الطيران الإسرائيلي للقتال ضدّه"، ألمح إلى مصير غير محدّد قد يكونون واجهوه، فقال: "اعتُقل منهم من اعتُقل، وقُتل منهم من قُتل، وحتّى في تل الزعتر الذي يتحدّثون عنه الآن هنالك عدد من الجنود السوريين ما زالوا معتقلين في مخيّم تل الزعتر، إلا إذا كانوا قد قتلوهم". وفي مقابلة له عام 1997 نسب لوسيان دحداح، مبعوث الرئيس اللبناني سليمان فرنجية إلى دمشق، إلى "القيادة السورية" قولها: "في مخيّم تل الزعتر قُتل الجنود الثلاثة والعشرون السوريون الذين كانوا متمركزين هناك بموافقة ياسر عرفات". (فريد الخازن: "تفكّك أوصال الدولة"، ص 464).
كمال جنبلاط: لديّ معلومات بأن كتيبة سورية بلباس مدني تسلّلت إلى منطقة الكتائب والانعزاليين، وشاركت في الهجوم على تل الزعتر
مفارقة في حروب لبنان
وقبل إقرار الأسد بوجود وحدات سورية في تل الزعتر، وتلميحه إلى قتل الفلسطينيين أفرادها، وهو ما لم تثبته حينها الأنباء الواردة من تل الزعتر، كانت الإدارة السياسية في فرع الإدارة السياسية والتوجيه المعنوي في الجيش السوري قد أصدرت في 16 يونيو/ حزيران 1976 تعميماً يقول إنّ الضباط السوريين العاملين في مهمّة الفصل بين المتحاربين، أي ضبّاط اللجنة الأمنية العليا، تعرّضوا للتوقيف في صيدا وبيروت بأوامر من قيادة فتح و(كمال) جنبلاط، ووُضع ثلاثة منهم في سجن صيدا، ووُضع عليهم سجّان تركي يشتمهم ويعذّبهم ويقذفهم بأشد النعوت، وقد قُتل أحدهم تحت التعذيب".
لا تعبر الرواية الرسمية السورية لنوعية تدخل دمشق وحجمه في مسار معركة تل الزعتر، والذي أعلن على مراحل وبطرق ملتوية، عن واقع الحال، بل تعكس حجم الحرج الذي استشعره الرئيس الأسد بعد انقلاب تحالفه مع التنظيمات الفلسطينية واليسار اللبناني إلى عداء، واستبدالهم بأحزاب اليمين المسيحي. ورغم مرور 50 عاماً على تلك الحرب، لم يخلّف نظام الأسد ما يدّل على تعاونه العسكري سوى ما سجله خصومه وخصوم مليشيات اليمين المسيحي.
ففي 29 يونيو/ حزيران 1976 أي بعد أسبوع من بدء الهجوم على تل الزعتر، قال كمال جنبلاط بعد لقائه سفراء اليمن الجنوبي والعراق وتونس إنّ لديه "معلومات تفيد بأن كتيبة سورية كاملة العدّة والعدد، وبلباس مدني، تسلّلت إلى منطقة الكتائب والانعزاليين، وشاركت في الهجوم على تل الزعتر ورقم هذه الكتيبة 234". وبعد سنوات، أكّد مسؤول الصاعقة في تل الزعتر صحّة هذه المعلومات التي لم تستوقف أحداً في حينها. مؤكّداً في شهادة مسجّلة أنّ جنود وحدة الدفاع الجوي السوري في تل الزعتر هم أوّل من تنبّه إلى وجود وحدات عسكرية سورية في الجهة المقابلة من جبهة القتال.
لم يتبنَّ أي من القادة الفلسطينيين رواية المشاركة السورية المباشرة في القتال في تل الزعتر. وذهب المؤرّخ حنا بطاطو إلى تبنّي الرؤية نفسها، مشيراً إلى اكتفاء الجيش السوري بتعطيل الهجمات الفلسطينية الهادفة لكسر الطوق حول تل الزعتر. في المقابل، قال القائد الميداني الكتائبي، سامي خويري، إنّ الخدمة التي أسداها الجيش السوري كانت في تسهيل إسقاط تل الزعتر من داخله. في إشارة إلى الانقسام والاقتتال الذي وقع في اليوم قبل الأخير من المعركة عند اقتتال عناصر حركة فتح والجبهة الديمقراطية مع عناصر "الصاعقة" بقيادة بلال حسن.
إذا صحّت معلومة كمال جنبلاط التي أيّدها بلال حسن، فسيكون تل الزعتر ميداناً لتسجيل مفارقة لم تشهدها أي من حروب لبنان: جنود سوريون يدافعون عن المخيّم وأهله، يقابلهم في الجبهة المضادّة جنود سوريون يؤازرون المليشيات المسيحية في هجومها على المخيّم.