- شهدت تونس منذ عام 2023 موجات من الاعتقالات والمحاكمات السياسية التي طالت شخصيات بارزة، حيث تعتبرها المعارضة محاولات لترهيبهم وإسكاتهم، مما يعكس تراجعًا في الحريات العامة والديمقراطية.
- يدعو معارضو سعيّد إلى التخلص من النظام الشعبوي الديكتاتوري وإعادة تصحيح مسار البلاد على أسس ديمقراطية، مع التأكيد على أهمية الحوار الوطني لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة ثقة المواطنين.
بعد خمس سنوات على انقلاب 25 جويلية (يوليو/ تموز) 2021 في تونس
بدا واضحاً أن كل الوعود التي رفعتها سلطة قيس سعيّد باسم "التصحيح" و"الإنقاذ" والاستجابة لمطالب الشعب لم تكن سوى وعود لم يتحقق منها شيء، في ظل عجز عن تصحيح الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتضييق خانق على الحياة السياسية، وزجّ كل معارض في السجون، علماً أن السلطة تحتكر جميع الصلاحيات، فيما الأوضاع تزداد سوءا يوماً بعد يوم. وتمرّ ذكرى انقلاب سعيّد في العام الحالي في ظرف استثنائي تعيشه البلاد، مع انقطاعات متواترة للكهرباء والماء في ظل ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة، الأمر الذي أجج الغضب الشعبي وساهم في تصاعد الانتقادات للسلطة وتنامي الشعور باليأس، ليُدعى إلى مسيرة احتجاجية اليوم السبت بمشاركة جلّ القوى الديمقراطية والمدنية تحت شعار: "كفى عبثاً".سنوات من انقلاب سعيّد
ويعتبر مساندو سعيّد أنه في 25 يوليو 2021، جرى تصحيح المسار، فيما تؤكد المعارضة أن انقلاب سعيّد هو الذي حصل، باتخاذه مجموعة من الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها سعيّد، فتولى تفعيل الفصل 80 من دستور 2014، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وحصل تغيير جذري في النظام السياسي نحو نظام رئاسي، وغُيّر دستور 2014 وأُقرّ دستور جديد في 2022 وذلك إثر استفتاء شعبي. وشهدت تونس منذ عام 2023 موجات متتالية من الإيقافات والمحاكمات التي شملت شخصيات سياسية بارزة، وقيادات حزبية، ونشطاء، وقضاة، وإعلاميين معارضين لسياسات سعيّد، وواجهت هذه النخبة السياسية تهماً تراوحت بين "التآمر على أمن الدولة" وتكوين "وفاق إجرامي".
حمة الهمامي: سعيّد انقلب على شركائه في الحكم للعودة بالبلاد إلى مربّع الديكتاتورية خدمة لمصالح الأقليات المحلية والأجنبية
وتبرر السلطات التونسية الاعتقالات بأنها تأتي في إطار تطبيق القانون ومحاسبة كل من أجرم في حق البلاد ونهب مقدراتها، وتورط في مخططات لزعزعة استقرار الدولة. في المقابل، تعتبر المعارضة التونسية ومنظمات حقوقية محلية ودولية أن هذه الإيقافات تمثل "محاكمات سياسية" تهدف إلى ترهيب المعارضين وإسكات أي صوت معارض. وشملت الاعتقالات عدة سياسيين من قيادات جبهة الخلاص الوطني ومن عدة أحزاب، كالنهضة والجمهوري والتيار الديمقراطي، بالإضافة إلى عدة نشطاء ورجال أعمال وقضاة وإعلاميين.
وبعد خمس سنوات على انقلاب سعيّد، يرى الأمين العام لحزب العمال حمة الهمامي أن كل الوقائع تثبت أنّ الوعود التي رفعت باسم "التصحيح" و"الإنقاذ" "لم تكن سوى وعود كاذبة"، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد" أن قيس سعيّد انقلب على شركائه في الحكم للالتفاف على المكاسب الديمقراطية للثورة على محدوديتها، والعودة بالبلاد إلى مربّع الديكتاتورية خدمة لمصالح الأقليات المحلية والأجنبية المهيمنة في البلاد.
ويلفت الهمامي إلى أن سعيّد استغل فشل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة في تحقيق مطالب الشعب في الشغل والحرية والكرامة الوطنية، ولكن تونس تغرق اليوم في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وقيميّة عميقة لحكم فردي فاشل حوّل حياة الشعب التونسي إلى جحيم، من قمع سياسي وتفاقم للمديونيّة وتفكيك منظومات الإنتاج، والبطالة والفقر، وتدهور الخدمات العامة وفي مقدمتها الصحة والماء الصالح للشرب والكهرباء والنقل. ويأتي ذلك، بحسب الهمامي، خلافاً للفترات الأولى من انقلاب سعيّد التي تمكّن فيها الرئيس التونسي من بث الأوهام في صفوف بعض الفئات من الشعب التونسي المحبطة عبر ترويج خطاب شعبوي تخويني وتآمري، مؤكداً أن الغالبية من الشعب بدأت تدرك اليوم طبيعة نظام حكم قيس سعيّد الاستبدادية ووعوده الكاذبة، وهو ما يفسّر تنامي الاحتجاجات في مناطق البلاد كافة ومنها الاحتجاجات الحالية التي غذتها انقطاعات الماء الصالح للشرب والكهرباء.
التعويل على الشعب التونسي
ويعتبر الهمامي أن "الديكتاتورية الفاشلة تسير بالبلاد نحو التفكّك والانهيار على كافة المستويات، ولا حلّ إلا في التخلص من هذا النظام الشعبوي الديكتاتوري وإعادة تصحيح مسار البلاد على أسس صلبة، فالتأسيس لنظام ديمقراطي شعبي يكون إطاراً لإعادة تنظيم الاقتصاد على أسس وطنية، لتلبية احتياجات الشعب الأساسية من شغل وصحة وتعليم ونقل وسكن وبيئة سليمة وثقافة تقدمية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلّا بالعمل في صفوف الشعب للرفع من وعيه ومن درجة تنظيمه، ليكون صانع مصيره بل ليكون صانع الانتصار على الاستبداد". ويؤكد الأمين العام لحزب العمال أنه "لا بد من التعويل على الشعب في التصدّي للاستبداد والدفاع عن الحريات والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ورفع اليد عن القضاء والإعلام ووقف الهجوم على الجمعيات والمنظمات وفي مقدمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، فكل مساحة حرية تفتك من انقلاب سعيّد ستساعد على إعادة تنشيط الحياة العامة وتنظيم نضال الشعب".
زهير إسماعيل: الدولة الفاشلة هي الكلمة الأنسب للتعبير عما تعيشه بلادنا من تجريف شامل
أما المتحدث باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير، فيقول في حديث لـ"العربي الجديد" إن الحصيلة لم تعد تستحق الكثير من الأرقام والخبراء لتوضيح عمق الأزمة، ومدى تشعبها، إذ تكفي نظرة إلى الحياة اليومية ومعاناة التونسيين للوقوف على حقيقة الوضع، مضيفاً: "نعيش اليوم فصلاً جديداً من الأزمة بسبب الانقطاع المتواصل للكهرباء والماء وهذا لا يتطلب الكثير من التوضيحات". ويؤكد الصغير أن العنوان الأبرز لحصيلة خمس سنوات من الحكم الفردي هو الأزمة تلو الأزمة التي يدفع النشطاء والفاعلون السياسيون والأحزاب ثمنها في محاولة من السلطة للتغطية على الفشل. ويعتبر أن هناك عدة محاولات للبحث عن حلول، وقد جرت الدعوة إلى تحرك احتجاجي واسع اليوم السبت في العاصمة تونس بمناسبة مرور خمس سنوات على انقلاب سعيّد بمشاركة مجمل الفاعلين السياسيين والمدنيين، في محاولة لمحاسبة الحكومة والتنديد بالاختلالات الحاصلة. ويتابع: في ما يتعلق بملف الحقوق والحريات، فلا توجد سوى الاعتقالات والسجن وتلفيق التهم والزج بالنشطاء والسياسيين في السجون، وحان الوقت للقول كفى، فما هكذا تدار الدولة، مبيناً أن السلطة لم تجد أي حلول للأزمات التي تعيشها تونس إلا السجون.
من جهته، يؤكد القيادي في جبهة الخلاص الوطني رياض الشعيبي أن تونس تقف اليوم أمام حصيلة واضحة يمكن للمواطن أن يلمسها في حياته اليومية، لا بالشعارات ولا بالوعود، مبيناً في حديث لـ"العربي الجديد" أنه بعد خمس سنوات من تركيز السلطة في يد واحدة، لم تتحقق الوعود الأساسية التي رُفعت آنذاك، لا في مكافحة الفساد، ولا في إنعاش الاقتصاد، ولا في تحسين مستوى عيش التونسيين، بل تعيش البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية ومالية متفاقمة، مع تراجع الاستثمار، واستمرار البطالة، وارتفاع كلفة المعيشة، وتزايد هجرة الكفاءات والشباب، إلى جانب عزلة سياسية ودبلوماسية نسبية. ويلفت الشعيبي إلى أن تونس شهدت تراجعاً في الحياة الديمقراطية، وانكماشاً في الحريات العامة، وتعطيلاً لآليات الرقابة والتوازن بين السلطات، وهو ما عمّق الأزمة بدل أن يفتح أفقاً للحل. ويؤكد أن تونس بحاجة اليوم إلى انتقال جديد، لا يقوم على منطق الغلبة أو الانتقام، وإنما على التوافق الوطني والإصلاحات العميقة التي تعيد بناء مؤسسات الدولة، وتستعيد ثقة المواطنين، وتنهض بالاقتصاد، وتحفظ الحريات وسيادة القانون. ويتساءل الشعيبي: ماذا بعد خمس سنوات؟ إذا كانت كل السلطات قد تجمعت في يد واحدة، فمن يتحمّل اليوم مسؤولية ما آلت إليه أوضاع البلاد؟ والأهم من ذلك: كيف نفتح الطريق أمام إصلاحات حقيقية تخرج تونس من أزمتها وتعيد الأمل للتونسيين؟
أما القيادي في حركة النهضة محسن السوداني، فيقول في حديث لـ"العربي الجديد" إن "الحصيلة كارثية على كل المستويات اجتماعياً، إذ يعاني التونسيون من غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، والتضخّم وتفاقم البطالة واقتصادياً في ظل غياب الاستثمار الوطني والأجنبي، أما برنامج الشركات الأهلية الذي أريدَ له أن يكون بديلاً تنموياً، فقد أثبت فشلاً ذريعاً واستنزافاً لأموال المجموعة الوطنية". ويضيف أنه "على المستوى الدبلوماسي، تعيش البلاد عزلة إقليمية ودولية لم يسبق أن مرت بها، أمّا على المستوى السياسي والحقوقي، فقد تحولت البلاد إلى سجن كبير، ومنذ انقلاب سعيّد، شُنّت حملة اعتقالات طاولت عدداً كبيراً من السياسيين والإعلاميين والناشطين وصدرت بشأنهم أحكام ثقيلة بعشرات السنين". ويلفت إلى أن منظمات المجتمع المدني تتعرض إلى التضييق وتجميد النشاط، وهذا الوضع الخانق خلق حالة من اليأس لدى التونسيين حيث أصبحت البلاد طاردة لأبنائها.
ورداً على سؤال حول أداء السلطة في إدارة الأوضاع خصوصاً في ظل الأزمة الحالية، يقول السوداني إن "الأزمة متأتية من السلطة نفسها، فكيف ستحسن إدارتها؟ فهي التي أغلقت الفضاء العام وألغت الوسائط التي تؤطّر المجتمع، وأشاعت مناخاً من الخوف وعمقت أزمة الثقة وأجهضت كل الآمال التي حملها التونسيون خلال الثورة، فأداء السلطة يؤكد أنها غير واعية بخطورة الأوضاع، والخطاب الذي تكرره منذ انقلاب سعيّد، الذي يحمّل مسؤولية الأوضاع المتدهورة للمعارضة ويتهمها بالتآمر والعمالة والخيانة، يبيّن أنها في حالة إنكار وهروب إلى الأمام. كما أن أزمة انقطاع الماء والكهرباء، وما أنجر عنها من خسائر اقتصادية وأضرار صحية، يمثّلان دليلاً واضحاً على عجز السلطة عن إدارة الأوضاع".
مؤشرات سلبية في تونس
ويؤكد السوداني أن "تونس تسير نحو الأسوأ، وكلّ المؤشرات الحالية سلبية، وليس هناك في أداء السلطة وفي خطابها ما يبعث على الأمل"، معتبراً أن أولى خطوات العلاج تتمثل في أن يكون هناك وعي بأن الوضع الحالي غير سليم ومنذر بانهيار وشيك، وللأسف، هذا الوعي ليس موجوداً لدى السلطة، ولن تستعيد تونس عافيتها إلا بتنقية المناخات العامة وإجراء مصالحة وطنية يسكت فيها صوت التنافي والإقصاء المتبادل ويعلو صوت الاعتراف والتحابب بين كل التونسيين.
وعن الوضع الذي وصلت إليه تونس، يرى المحلل السياسي زهير إسماعيل، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن السؤال الأكثر ملاءمة لما آلت إليه أوضاع البلاد من تردٍّ شامل، بعد خمس سنوات من انقلاب سعيّد على المسار الانتقالي، هو: ما الذي لم يتغير في تونس على مدى هذه السنوات الخمس؟، مضيفاً أن "عبارة التغيير تشير في مطلق الأحوال إلى الانتقال نحو الأفضل، ولكنه في سياق بلادنا يرتبط بمعنى وحيد هو التقهقر المستمر نحو الأسوأ في كل المجالات، فحينما تلتهب الأسعار وتضعف المقدرة الشرائية وتتوسع البطالة وتُفقد المواد الأساسية من السوق وتتعثر خدمات الماء والنور الكهربائي ويعم القمع السياسي، نكون أمام بلد منكوب، وذلك نتيجة عجز الدولة عن أداء وظائفها، إلا عجزها عن وظيفة القمع والقهر السياسي".
وسام الصغير: العنوان الأبرز لحصيلة خمس سنوات من الحكم الفردي هو الأزمة تلو الأزمة
ويشدّد إسماعيل على أن "الدولة الفاشلة هي الكلمة الأنسب للتعبير عما تعيشه بلادنا من تجريف شامل، طاول المؤسسات في الدولة والمجتمع في السنوات الخمس الأخيرة، فلم تبدأ الأزمة مع 25 يوليو 2021 فقط بل هي أزمة مركبة موروثة عن نظام الاستبداد وعن عشرية الانتقال، إلا أنّ ما سمي بتصحيح المسار حوَّلها إلى كارثة وطنية شاملة لم تعرفها تونس مع دولة الاستقلال ونظام الاستبداد والحكم الفردي منذ عام 1956، بالتالي فإنّ أيّ مقارنة بين الوضع الاقتصادي الاجتماعي والسياسي في عشرية الانتقال ومنظومة 25 يوليو يظهر الفرق شاسعاً بين المنظومتين".
انقلاب في حكم الساقط؟
ويوضح إسماعيل أن مرحلة الانتقال لم توفق إلى تحقيق الرفاه الاجتماعي تحت سقف عال من الحريات، في حين نجحت منظومة انقلاب سعيّد في التأليف بين الفاقة الاجتماعية والقمع السياسي، مضيفاً أن هناك ثلاث مسائل مهمة عرفتها تجربة السنوات الخمس، وهي هدم مؤسسات الدولة، وضرب منظومات الإنتاج الأساسية، والثأر من عشرية الانتقال. ويلفت إلى أن انقلاب سعيّد الذي لا ينجح في تحسين أوضاع الناس المعيشية هو في حكم الساقط وإن لم يرحل، فليس للفشل الشامل والعجز المطلق من عنوان سوى السقوط. ويتابع أن ما حدث من تجريف سياسي ومؤسسي أضعف المعارضة وشل وضع قيادات الحركة الديمقراطية في السجن، وهو ما سيجعل من منظومة الحكم في مواجهة مباشرة من دون "أجسام وسيطة" مع الناس ومطالبهم الاجتماعية الملحّة، التي لا تنفع معها سرديات المؤامرة ولوبيات الفساد في الإدارة العميقة والاستعانة بالخارج.
ويعتبر إسماعيل أن تاريخ تونس السياسي في جانب منه هو تاريخ الانتفاض الاجتماعي، وقد انبثق البعد المواطني في انتفاض الهامش في 2011، ليضيف إلى الحرية معنى "الوعي بالحرية"، وهذا ما سيجعل الكلمة الأخيرة للثورة ومسار استعادة الديمقراطية لأنّ المستقبل لمن انتصر في "معركة الوعي" رغم هزائمه السياسية. ويبيّن أن تجارب الانتقال الديمقراطي في حالات الانقلاب عليها تشير إلى أن الضغط المتبادل بين الحكم والمعارضة مع فشل منظومة الانقلاب في تحقيق المطالب يفضيان غالباً إلى انقسام في السلطة يكون مقدمة لحوار وطني بأفق تسوية سياسية شاملة تحفظ استمرار الدولة ووحدتها وتضمن الحريات، فينفتح المشهد على مرحلة انتقالية جديدة بروح جديدة.