استمع إلى الملخص
- التحرير غيّر مفهوم المواطنة لدى السوريين، حيث انتقلوا من ثقافة التعدي على الملكيات العامة إلى ثقافة المسؤولية والمشاركة في بناء دولة جديدة.
- رغم التحديات، شكلت الإدارة الجديدة بقيادة أحمد الشرع حكومة مؤقتة، وواجهت صعوبات في توحيد البلاد وإعادة الإعمار، مع ارتكاب بعض الأخطاء القاتلة.
لا يزال معظم السوريين يعيشون على الحالة العاطفية التي أنتجها إسقاط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، والذي تصادف يوم غد الاثنين الذكرى الأولى لسقوطه المدوي والمفاجئ، وخلاصهم من حقبة من الظلم والقهر والاستبداد في عهد الأسدين الأب والابن، بعدما دفعوا مئات آلاف الشهداء وتشرد أكثر من نصفهم بين لاجئ ونازح على مدار 14 عاماً، كثمن لخلاصهم، ونيل حريتهم.
إذ لم يكن يوم الثامن من ديسمبر الماضي، مجرد انتصار على نظام مجرم، بل كان نقطة تحول جذري في حياة السوريين على كل المستويات، لعل أبرزها استعادتهم كرامتهم التي سلبها منهم النظام البائد، وأصبح بإمكانهم للمرة الأولى التعبير عن أنفسهم، والاحتجاج على كل ما يتعارض مع مصالحهم.
كما حوّل التحرير مفهوم المواطنة في ذهنية السوريين الذين كانوا ينظرون إلى الدولة بأنها أداة لقمعهم ونهبهم، حيث كانت الثقافة السائدة تقوم على اعتبار التعدي على الملكيات العامة من شبكات مياه وكهرباء، وحتى الاعتداء على الأملاك العامة، بأنها تدخل في باب الشطارة، إلى ثقافة صارت مع اليوم الأول للتحرير ثقافة مسؤولية، وحرصاً على دولة جديدة يتشارك الجميع في بنائها.
كانت اللحظات الأولى لإعلان سقوط الطاغية، وأن سورية أصبحت بلا بشار الأسد، هي أول فرح حقيقي يعيشه السوريون منذ عقود، فرح بزوال كابوس لم يترك بيتاً إلا وتسبب له بمأساة. وما عزّز الفرحة بسقوطه، أنه تمّ دون إراقة دماء "كما كان متوقعاً"، فتحرّرت سورية بدموع الفرح وأمل كبير بالتغيير.
وكانت الأيام الأولى التي تلت التحرير مليئة بالحماس، والطموحات لدى الشرائح المختلفة من السوريين الذين شكلوا خلايا عمل، كلّ حسب اختصاصه، للمساهمة في عملية البناء والاستثمار في بلد يشعرون للمرة الأولى أنه بلدهم، فتشكلت مئات الفرق التطوعية وطرحت آلاف الأفكار للمرحلة المقبلة.
سقط الأسد وعُقدت الآمال على إدارة جديدة قادها أحمد الشرع بخطاب وطني جامع استطاع كسب تأييد معظم السوريين الذين وجدوا فيه أملاً في تحقيق مطالبهم بدولة مواطنة تساوي بين الجميع تحت سقف القانون، فتشكلت أول حكومة لتصريف الأعمال برّر معظم السوريين لونها الواحد كمرحلة ما قبل تشكيل الحكومة الانتقالية بسبب انعدام الثقة بأي مكون خارج "هيئة تحرير الشام" في تلك المرحلة، لتبدأ بعدها مرحلة الاختبار الحقيقي لتشكيل حكومة انتقالية تمثل السوريين بالتزامن مع تحديات صعبة على مستوى توحيد البلاد وهيكلة مؤسسة عسكرية، بالإضافة إلى تحدي رفع العقوبات والنهوض بالاقتصاد، وتحسين مستوى دخل المواطن، وإعادة الإعمار، وتحقيق العدالة الانتقالية، ومواجهة فلول نظام الأسد، وتحدي ضبط العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، وغيرها من التحديات التي تعثرت الإدارة الجديدة في تحقيق بعضها وقطعت أشواطاً في تحقيق بعض آخر منها، فيما ارتكبت أخطاء قاتلة في التعاطي مع قسم منها.
وكانت أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الجديدة اعتماد مبدأ "الفزعات" والتعاطي بأنها طرف "لا حكومة" مع بعض الأطراف، الأمر الذي أدى إلى مجازر الساحل السوري ومجازر السويداء التي شكّلت نقطة سوداء في مسيرة التحول السورية.