وليد جنبلاط: حافظ الأسد كان يرى لبنان امتداداً لسوريا بترته فرنسا (1- 4)

17 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:00 (توقيت القدس)
وليد جنبلاط في دارته بالمختارة بجانب السيارة التي اغتيل فيها والده (19/1/2001 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- إصدار الطبعة العربية من مذكرات وليد جنبلاط بعنوان "قدرٌ في هذا المشرق" يسلط الضوء على محطات حياته الشخصية والسياسية، متقاطعة مع تحولات لبنانية وإقليمية منذ الخمسينيات حتى 2024، ويقدم رؤيته حول قضايا الطائفية والعروبة والعلاقات اللبنانية السورية.

- اغتيال كمال جنبلاط في 1977 على يد القوات السورية أدى إلى موجة عنف طائفي في لبنان، مما زاد من تعقيد الوضع السياسي والطائفي في البلاد.

- التوترات السورية اللبنانية تميزت برفض كمال جنبلاط للتدخل السوري، واستمرت بعد اغتياله، حيث واجه وليد جنبلاط تحديات في تهدئة الأوضاع وإعادة بناء العلاقات مع النظام السوري.

تصدُر قريباً عن دار هاشيت أنطوان في بيروت الطبعة العربية من كتاب "قدرٌ في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل"، مذكّرات الوزير والنائب اللبناني السابق وليد جنبلاط، بترجمة أدونيس سالم. وكانت قد صدرت بالفرنسية عن دار "ستوك" في باريس. ويأتي فيها الزعيم اللبناني على محطّات في سيرته الشخصية والعائلية والسياسية تتقاطع وتلتقي مع وقائع وتحوّلات لبنانية وإقليمية تتابعت منذ نهايات الخمسينيات إلى انتصار الثورة السورية في نهاية 2024 على نظام الأسد. وبذلك تضيء هذه المذكّرات ليس فقط على مواقف جنبلاط وتصوّراته في عدة قضايا، منها الطائفية والعروبة والعلاقات اللبنانية السورية والقضية الفلسطينية والربيع العربي وغيرها، بل أيضاً على مسار لبناني ومشرقي عربي واسع. ويسرد وليد جنبلاط مروياته، الموثقة والشائقة والكاشفة، بكثيرٍ من الجاذبية والكثافة، وبذلك يصيب قارئُها مقادير عالية من المتعة والمعرفة معاً. وتنشر "العربي الجديد" مقاطع من الكتاب في أربع حلقات... هنا حلقة أولى. 

***

استشهاد أبي
اغتيل كمال جنبلاط، أبي وسلفي في زعامة الطائفة الدرزيّة في لبنان، في 16 مارس/آذار 1977، على أحد طرق الشوف وقد خاض معترك السياسة باكراً، وأنشأ ائتلافاً للأحزاب، عُرف بالحركة الوطنيّة، نعتته الصحافة بالائتلاف الفلسطيني التقدّمي. وبعد معارضته دخول الجيش السوري إلى لبنان في يونيو/حزيران 1976، سقط ضحيّة كمينٍ نصبه له السوريّون.

1977
قُبيل ظهر يوم 16 مارس 1977، وبعدما أنهى أبي كتابة مقالٍ كان قد بدأ العمل عليه منذ الفجر، اتّجه بسيّارته إلى مدينة عاليه ليشارك في اجتماعٍ سياسيّ. كان في حالٍ من التوتّر الشديد، فحركته السياسيّة بلغت طريقًا مسدودًا، ودخل منذ أشهرٍ عدّة في صراعٍ مفتوح مع الرئيس السوري حافظ الأسد، بعدما رفض هذا الأخير تزويده بما يطالب به من سلاحٍ للحفاظ على مواقعه العسكريّة. كان الأسد بارعًا في التلاعب السياسيّ، ويسعى إلى السيطرة على حلفائه بدون أن يترك لهم أيّ هامشٍ للمناورة.
في 6 يونيو 1976، دخلت فرقٌ كبيرة من الجيش السوري لبنان، تلبيةً لنداء الجبهة اللبنانيّة التي تشكّلت من أبرز الأحزاب اليمينيّة، ردًّا على إنشاء الحركة الوطنيّة بقيادة والدي، التي جمعت تحت لوائها قوى اليسار. هذا الدخول العسكريّ حظي بمباركة جامعة الدول العربيّة في قمّة الرياض. وقد وافق عليه سليمان فرنجيّة، رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة آنذاك. المهمّة الأولى لقوّات الردع العربيّة، كما سُمّيت، التي كانت بقيادة سوريا، تمثّلت في نزع سلاح المليشيات اللبنانيّة والمنظّمات الفلسطينيّة. عارض والدي هذا التدخّل الذي رأى فيه غزوًا للأراضي اللبنانيّة من جانب دولةٍ توتاليتاريّة، يتناقض أسلوبها في ممارسة السلطة تمامًا مع مُثل الحريّة التي يؤمن بها. واعتبر أنّ قرار جامعة الدول العربيّة يضفي الشرعيّة على طموح إحدى دولها إلى فرض وصايتها على لبنان.

عرف كمال جنبلاط كيف يجمع الناس حول آرائه، متجاوزاً الطائفة الدرزيّة، لا بل كلّ الأديان والانتماءات السياسيّة

من جهة ثانية، يجب تفسير هذا الموقف المعقّد الناشئ بين الأسد ووالدي من منظور صراع الأقليّات المتواصل عبر التاريخ، فوق هذه الأراضي المتداخلة جغرافيًّا. صراعٌ لطالما تحكّمت بخيوطه القوى المهيمنة، كالعثمانيّين سابقًا ثمّ الفرنسييّن في حقبة الانتداب. كان أبي درزيًّا، والرئيس السوري علويًّا. والعلويّون، كالدروز، طائفةٌ انبثقت من الإسلام الشيعيّ. ومنذ وصوله إلى السلطة في دمشق عام 1970، أراد حافظ الأسد «تهدئة» لبنان على طريقته، فيما كان هدفه المزدوج يتمثّل، أوّلًا، في العودة إلى «سوريا الكبرى»، وثانيًا، في السيطرة على الحركة الفلسطينيّة بقيادة ياسر عرفات تمهيدًا لتصفيتها. فسوريا لم توافق قطّ على تنازل فرنسا لتركيّا في عام 1938 عن لواء الإسكندرون (أو إقليم هاتاي التركي الحالي)، المنطقة القريبة من أنطاكية، والغنيّة بالقطن، والتي كانت تشكل متنفّسًا تجاريًّا حيويًّا لمنطقة حلب. أمّا لبنان، فلم يرَ فيه الأسد سوى امتدادٍ لسوريا بترته فرنسا بغير حقّ، وينبغي استعادته، أو على الأقلّ إخضاعه. كذلك لم يبالِ كثيرًا بالقضيّة الفلسطينيّة، فبالنسبة إلى مَن ينظرون إلى سوريا من منظورٍ قوميّ، لا وجود لفلسطين أو لمسألةٍ فلسطينيّة خارج السياق السوري.

قوة من الجيش السوري تصل إلى بيروت ضمن قوات الردع العربية، 15 /11 /1976 (فرانس برس)
قوة من الجيش السوري تصل إلى بيروت ضمن قوات الردع العربية (15/11/1976 فرانس برس)

بوصول سيّارة أبي إلى مستديرة بعقلين، وهي بلدةٌ درزيّة غير بعيدةٍ عن المختارة، تجاوزتها سيّارةٌ رياضيّة كانت تلاحقها، لتسدّ عليها الطريق عند أطراف قرية دير دوريت المسيحيّة، وهذا تفصيلٌ بالغ الأهمّية لفهم ما جرى لاحقًا من أحداث. فالشوف منطقةٌ مختلطة، يتعايش فيها الدروز والمسيحيّون، ومعظمهم من الموارنة، يليهم الروم الكاثوليك، في تجسيدٍ للتنوّع اللبنانيّ. ترجّل من السيّارة المطارِدة أربعة مسلّحين يرتدون ألبسةً عسكريّة مرقّطة. حاول أحدهم إخراج أبي من السيّارة بالقوّة، لكنّه تشبّث بالمقود محاولًا المقاومة، فقُتل على الفور. ثمّ قُتل مرافقاه في المقعد الخلفيّ. تساءلتُ طويلًا عمّا إن كان فِعل المقاومة الأخير هذا الذي أقدم عليه أبي، هو السبب في موته. كانت تلك الفترة حافلةً بحوادث الخطف. فهل كان القتلة ينوون اختطافه ليس إلّا؟ ولكن، أين أرادوا أخذه؟
لا تزال سيّارة والدي، وهي من طراز مرسيدس، واقفةً عند مدخل دارتنا في المختارة، كشاهدٍ يحول دون أن يطوي النسيان تلك الجريمة البشعة. قضى كمال جنبلاط نحبه على الفور. ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، نحيي كلّ عامٍ ذكرى غياب هذا الرمز الملهم لليسار اللبناني، وللموحّدين الدروز في لبنان وفي كلّ مكان. وأتمنّى على ابني البكر تيمور، كما على شقيقته داليا، وشقيقه أصلان، المحافظة على ذكرى هذه الشخصيّة المهمّة التي سعت إلى إيصال العالم العربيّ إلى الحداثة، وفرض احترام دولة القانون في لبنان بعيدًا عن الطائفيّة وعمّا كان أبي يدعوه «الإقطاعيّات».
كنت أتناول الغداء في بيروت حين اتّصل بي صديقي المحامي سليمان تقيّ الدين، الذي ينتمي إلى منظّمة العمل الشيوعيّ، وهي من أحزاب اليسار اللبنانيّ، لإبلاغي الخبر. سألته: «ماذا حدث له؟»، أجابني: «الظاهر أنّهم قتلوه»، ولم يُضف أيّة تفاصيل. تملّكني شعور بالذهول والصدمة. كانت بيروت تعيش فترةً قصيرة من الهدوء، أمّا أنا، منذ ذلك اليوم، فلم أعرف طعم الراحة قطّ...
لم يتسنّ لي الوقت لأبكي. توجّهت فورًا نحو شقّتنا العائليّة في بيروت الغربيّة، المنطقة ذات الأغلبيّة المسلمة، ارتديت بذلةً ووضعت ربطة عنقٍ سوداء، ثمّ هرعتُ بسيّارتي نحو المختارة. إنّ اسم «المختارة» يشير إلى قريتنا التي تُعدّ بمثابة عاصمةٍ للدروز في لبنان، والكيان السياسي الذي يجسّد نفوذ طائفتنا وآل جنبلاط. ويشير في الوقت عينه إلى دارتنا العائليّة «العريقة والمهيبة»، كما وصفها الصحافيّ لوسيان جورج، التي نسكنها منذ القرن الثامن عشر، بعدما أتينا، بحسب الرواية العائليّة، من حلب في سوريا، حيث نجد حتّى اليوم، قصرًا لآل جنبلاط.

وليد جنبلاط في جانبه كلبه أثناء مقابلة مع وكالة فرانس برس في منزل العائلية في المختارة في جبال الشوف (16 1 2010 فرانس برس)
وليد جنبلاط وكلبه في أثناء مقابلة مع "فرانس برس" في منزل العائلة بالمختارة في جبل الشوف (16/1/2010 فرانس برس)

كان الوصول إلى المختارة يتطلّب رحلة ساعتين عبر طريقٍ يتعرّج بين الأودية والغابات الجميلة. لكنّ تلك الرحلة لم تكن سهلةً آنذاك، فالطريق ضيّقٌ وزلِق بعد أيّام من المطر، ولا وجود بعد للأوتوستراد الساحليّ الذي يمتدّ حتّى صيدا وصور في الجنوب. كان برفقتي ضابطٌ درزيّ في الجيش اللبناني، رجا حرب، الذي عيّنتُه لاحقًا، عندما استؤنف القتال، قائدًا للميليشيا التابعة لنا، إذ كنّا بحاجةٍ إلى ضابط مثله. عند أوّل حاجزٍ للجيش السوري، استوقفني جنديّ وراح ينظر إليّ باستعلاء. أصرّ الجندي على أن أسلّمه المسدّس الذي أحمله معي دومًا. في تلك الأثناء، تجاوزتنا سيّارة شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز، سماحة الشيخ محمّد أبو شقرا، الذي بلغه هو الآخر نبأ مقتل والدي، فهرع نحو المختارة. مع اقترابنا من الوصول، بدأتُ ألاحظ على جانبَي الطريق عددًا متزايدًا من السيّارات المحترقة، والتي تحمل ثقوب رصاصٍ كثيرة. شعرتُ بأنّ ثمّة مأساةً تجري فصولها حينذاك. حين وصلتُ إلى منزلنا أخبرني رجالنا أنّ تلك السيّارات كانت لمسيحيّين قتلهم دروز غاضبون، انتقامًا لمقتل والدي، وأنّ عدد الضحايا بلغ حتّى ذلك الحين المئة. أوّل ما وقع عليه بصري في باحة المنزل كان سيّارة أبي، ثمّ جثمانه الذي وقفتُ أمامه بخشوعٍ لبرهةٍ قصيرة، قبل أن أطلب نقله إلى المستوصف الصغير ليُسجّى هناك. كان الناس من حولي يبكون ألمًا وحرقة، فنهرتُهم قائلًا: «الرجال لا يبكون!». كذلك وجدتُ الشيخ أبو شقرا، الذي وصل قبلي، واقفًا في انتظاري على درج المنزل بلباسه الدينيّ الخاصّ بالمناسبات الرسميّة.
أخطَرنا أحد الرفاق بأنّ مذابح المسيحيّين مستمرّة في القرى الأخرى. فأسرعتُ إلى سيّارتي محاولًا تجنّب وقوع الأسوأ. في قرية مزرعة الشوف القريبة من المختارة، كانت عدّة عائلاتٍ مسيحيّة قد لجأت إلى منازل جيرانها الدروز الذين أمّنوا لها الحماية. رتّبتُ عمليّة إجلائهم وحرصتُ على إيصالهم إلى أيادٍ أمينة، قبل أن تتسلّمهم فرق الصليب الأحمر. ثمّ تابعتُ مع رجالي تلك الجولة المريرة محاولًا تهدئة النفوس، وأصدرت أوامري بإجلاء العائلات التي نجت من ذلك الجنون القاتل. واصلتُ تنظيم الحماية من قريةٍ إلى قرية. لكنّ شائعة إقدام المسيحيّين على قتل كمال جنبلاط انتشرت كالنار في الهشيم وعمّت الشوف كلّه. وحين هممنا بمتابعة الطريق إلى الباروك، قال لي أحدهم: «لا داعي لذلك، فقد قُتلوا جميعًا...». سقط أكثر من ثلاثمئة ضحيّة في ذلك اليوم المشؤوم... فضلًا عن آلاف المهجّرين المسيحيّين الذين لجأوا أوّلًا إلى دير القمر، كبرى بلدات الشوف المسيحيّة، ومسقط رأس الرئيس الأسبق كميل شمعون، قبل أن يتابعوا طريقهم نحو بيروت، بحثًا عن أيّ مكانٍ يأوون إليه.

كان والدي رجلاً لا يهادن، وإنساناً شريفاً لا يمكنه الدخول في ألاعيب خصومه السياسيّين الماكرة

عدت إلى المختارة لتنظيم جنازة كمال جنبلاط في أسرع وقتٍ ممكن. وخلال اجتماعٍ عائليّ لا بدّ منه في مثل تلك الظروف، طلب أحد أنسبائي إرجاء الجنازة ليومين، بحجّة أنّ والدي من كبار القادة وعلينا انتظار وصول الشخصيّات الأجنبيّة للمشاركة في التشييع. فأجبتُ: «كلّا، لن أنتظر، سيُدفن غدًا عند الواحدة ظهرًا!». كان ذلك القرار السياسيّ الأوّل الذي أتّخذه.
في الواقع، كنتُ أريد وضع حدٍّ لتلك الدوّامة من الدماء. وكذلك من الناحية الدينيّة، يجب علينا ككلّ المسلمين، دفن الميت في أسرع وقتٍ ممكن، لأنّ «إكرام الميت دفنه»، كما يقول الحديث الشريف. وفي اليوم التالي المخصّص للجنازة، شاركتنا السماء أحزاننا وصبّت وابلًا من المطر على القرية. بعد صلاة الميت، انتهت مراسم الدفن قُبيل موعده المقرّر عند الواحدة. كنتُ مستعجلًا لأطوي تلك الصفحة الأليمة، فالإرث الذي أتسلّمه مثقلٌ بالدماء، دم والدي، ودماء مئات الضحايا الأبرياء، والمهمّة التي تنتظرني جسيمةٌ للغاية. وللمفارقة، كان عليّ في الوقت نفسه إحقاق العدالة والاستعداد للحرب التي بدت عودتها محتومة.
اللعبة السوريّة المريبة
يُشتهر جبل الدروز في سوريا، المعروف أيضًا بجبل العرب، بتمرّده التاريخيّ، فقد وقف ضدّ العثمانيّين، وضدّ المصريّين خلال حملة إبراهيم باشا في مطلع القرن التاسع عشر، ثمّ ضدّ الفرنسيّين بعد فرض الانتداب خلال ثورة 1925-1927. كان رمز تلك الثورة سلطان باشا الأطرش (1891-1982)، الزعيم الدرزي الكبير الذي قاد الثورة السوريّة الكبرى للمطالبة باستقلال البلاد. لاحقًا، عمل حزب البعث على تهميش هذا الحدث التاريخي، فيما شرع حافظ الأسد، منذ أواخر ستينيّات القرن الماضي، بنحوٍ منهجيّ، بتصفية الضبّاط الدروز في الجيش السوري.

حافظ الأسد يلعب كرة الطاولة في دمشق (4/6/1975 Getty)
حافظ الأسد يلعب كرة الطاولة في دمشق (4/6/1975 Getty)

برغم المطر، توافد عشرات الآلاف من المعزّين إلى المختارة لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة. أتوا من كلّ قرى الشوف وبلداته، ومن بيروت، وطرابلس، كبرى مدن الشمال الساحليّة، ومن صيدا، المدينة الجنوبيّة القريبة منّا. لا أزال أتذكّر تلك الجموع التي غلبها الحزن وهي تتدفّق لتقديم واجب العزاء، ومن بينها عائلاتٌ بكاملها مع أولادها، ونساءٌ درزيّات بمناديلهنّ البيضاء التقليديّة، ورجال دينٍ معمّمون، ومقاتلون من قوّاتنا بأسلحتهم، ومناضلون حزبيّون، وجميع أفراد عائلتنا. وحدها والدتي، ميّ أرسلان، غابت عن مراسم العزاء، لأنّها كانت تقيم في باريس آنذاك، ولم تتمكّن من الحضور بالسرعة الكافية. على أصوات رشقات الرصاص الغزيرة التي أُطلقت في الهواء، حمل رجالنا النعوش الثلاثة على الراحات وصولًا إلى مدفن العائلة في الأرض المحيطة بمنزلنا. وهو المدفن الذي يضمّ رفات أجدادنا، ويمثّل قِبلةً بالغة الأهميّة لذاكرتنا الجماعيّة، عائلةً وطائفة. أدركتُ، مع هذا الرحيل المباغت لوالدي، أنّ واجبًا ثقيلًا ينتظرني، برغم أنّنا، منذ معارضته دخول السوريّين إلى لبنان قبل أشهرٍ قليلة، كنّا نشعر بأنّ قدرًا كهذا قد يطرق بابنا في أيّ لحظة. إنّها دورة الأقدار التي لا تتوقّف، وها هو رجلٌ آخر من آل جنبلاط يتعرّض للاغتيال، كوالده من قبله، أي جدّي فؤاد جنبلاط، ومن قبلهما بزمنٍ بعيد، جدّنا الأكبر الواسع النفوذ بشير جنبلاط، الذي أعدمه العثمانيّون في عكّا بتهمة التمرّد على السلطنة في عام 1825 خلال ما اشتُهر في التاريخ بـ«حرب البشيرين»، أو الصراع على السلطة بين زعامتين، الجنبلاطيّة والشهابيّة. لم يكن بوسعي التراجع أمام المسؤوليات التي هبطت على عاتقي. فقد أصبحتُ زعيمًا لأقليّةٍ في بلدٍ تدور فيه حربٌ طاحنة، ويلجأ أطرافه إلى تسوية الخلافات بينهم بالقذائف الصاروخيّة، لا بالحوار والتفاوض. لكنّني سرعان ما تعلّمتُ قواعد هذه البيئة الجديدة.
غداة يوم الجنازة، توافد أعيان البلاد لتقديم واجب العزاء. أتذكّر منهم رئيس الحكومة اللبنانيّة سليم الحص، ودبلوماسيّين عربًا وأوروبيّين تمكّنوا من القدوم، وياسر عرفات الذي حضر من مقرّه في بيروت. وكذلك جورج حبش، رفيق درب والدي ومؤسِّس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، بالإضافة إلى العديد من ممثّلي المقاومة الفلسطينيّة وأحزاب اليسار. وتلقّيت رسائل تعزيةٍ من عدّة شخصيّاتٍ مسيحيّة، لم تخلُ من التنديد بالمجازر التي استهدفت المسيحيّين. لا أزال، بعد مرور نصف قرن، أتساءل هل كان بإمكاننا تجنّب وقوع تلك المجازر يومذاك؟ برغم الأحداث الكثيرة التي عاشها لبنان والشوف وأماكن أخرى منذ ذلك الحين، والتي لم تكن أقلّ مأساويّة، لا أزال أفكّر في ذلك اليوم الأسود، وكيف أنّني لم أستطع أن أفعل شيئًا لتهدئة غضب الدروز. ولا أزال نادمًا على ذلك.
بعيدًا عن الانقسامات السياسيّة والطائفيّة، كان كمال جنبلاط يتمتّع بشعبيّةٍ واسعة في أوساط الشباب اللبناني. فقد عرف كيف يجمع الناس حول آرائه، متجاوزًا الطائفة الدرزيّة، لا بل كلّ الأديان والانتماءات السياسيّة. كذلك كان مشهورًا بأفكاره الفذّة، وقادرًا بهالته الإنسانيّة وثقافته، على إثارة إعجاب الآخرين. يوم جنازته، ألبسني زعيمنا الروحيّ العباءة، معلنًا أمام الحشود المجتمعة في المختارة تنصيبي زعيمًا جديدًا للطائفة الدرزيّة. في ذلك اليوم، تسلّمتُ «جبلًا» ممزّقًا وخاليًا، بعدما كان حتّى الأمس موحّدًا. كانت مهمّة التهدئة التي تنتظرني مع المسيحيّين جسيمة. وكان عليّ إعادة وصل ما انقطع مع النظام السوري. بعد أربعين عامًا، وفي 16 مارس 2017، وأمام ضريح كمال جنبلاط، ألبستُ بدوري ابني البكر تيمور العباءة ذاتها لتسليمه السلطة، ولكن من دون دماءٍ مسفوكة هذه المرّة. بالنسبة لنا، كان ذلك انتصارًا. انتصار التهدئة التي اعتمدناها نهجًا بدل إراقة الدماء.

سيارة محتجزة من قبل المتمردين الدروز على طريق يؤدي إلى جبال الشوف 24 June, 1958
حاجز نصبه مقاتلون لبنانيون دروز في الطريق إلى جبل الشوف إبّان الأزمة مع كميل شمعون (24/6/1958 Getty )

منذ تسلّمه السلطة في عام 1970، لم يكن حافظ الأسد يقبل أيّ اعتراضٍ على سياسته. وقد تحدّاه والدي رافضًا دخول القوّات السوريّة إلى لبنان. كذلك عبّر عن موقفه صراحةً أمام الرئيس السوري، وهذا ما كان خطأً بلا شكّ. ففي لقائهما الأخير في مارس 1976، أي قبل عامٍ من رحيله، أبلغه والدي أنّه يرفض الموافقة على أن تقوم دولةٌ يعترض على أساليبها في ممارسة السلطة، بغزو لبنان. في خطابٍ ألقاه في دمشق في 20 يوليو/تمّوز من العام نفسه، ردّ عليه الأسد بأشدّ العبارات، متّهمًا إيّاه بالوقوف حجر عثرةٍ في طريق عودة الهدوء إلى لبنان، التي تنشدها كذلك كلّ الأنظمة العربيّة في المنطقة. لكنّ ذلك الهدوء المنشود كان على حساب تطلّعات اليسار اللبنانيّ. ونقل الرئيس السوري العبارة التي ذكرها أبي خلال ذلك اللقاء، في معرض تأييده للحرب على الموارنة، قائلًا «دعنا نلقّنهم درسًا». كان توجيه اتّهامٍ شخصيّ كهذا من قِبل الأسد في تلك الظروف بمثابة حكمٍ بالإعدام أدركه والدي، لكنّه لم يمنعه من تكثيف مبادراته لمواجهة مخطّطات دمشق. فقد اعتبر أنّ هدف السلم «السوري» الذي أراده الأسد هو سحق المقاومة الفلسطينيّة المتمثّلة بمنظّمة التحرير، وهو ما كنّا نرفضه. فالفلسطينيّون في لبنان لم يكونوا حلفاءنا وحسب، بل إخوتنا في السلاح. لكنّ الأسد لم يُخفِ يومًا رفضه الاعتراف بالقضيّة الفلسطينيّة، بصرف النظر عن خلافاته السياسيّة والشخصيّة مع ياسر عرفات. في عام 1976، وافق هنري كيسنجر، وزير خارجيّة الولايات المتّحدة آنذاك، على مشروع التدخّل السوري في لبنان. هذا السلم كما أراده الرئيس السوري، كان تتويجًا لطموحات عائلة الأسد في السيطرة على بلدنا ومقدّراته الاقتصاديّة.

لم يبال حافظ الأسد كثيراً بالقضية الفلسطينية وكان بارعاً في التلاعب السياسيّ، ويسعى إلى السيطرة على حلفائه بدون أن يترك لهم أيّ هامشٍ للمناورة

كذلك لا بدّ من القول إنّ التحالف بين سوريا العلويّة والجبهة اللبنانيّة التي ضمّت القوى اليمينيّة، بدا مفاجئًا، لكنّه لم يدُم إلّا عامًا وبعض العام. فقد انقلب هذا التحالف بعد زيارة أنور السادات للقدس في عام 1977، وهي أوّل زيارةٍ يقوم بها رئيس دولةٍ عربيّة لإسرائيل. آنذاك رأى قادة اليمين اللبناني فرصةً للالتفاف على سوريا وتحقيق أهدافهم، ظنًّا منهم أنّ خطوة السادات ستُضعِف الأسد. كانت مصر قد بدأت بمفاوضات السلام مع إسرائيل، وقطعت علاقاتها في ديسمبر/كانون الأول 1977 مع كلٍّ من الجزائر، والعراق، وليبيا، وسوريا، واليمن الجنوبيّ. أدّت تلك المفاوضات إلى توقيع اتفاقيّات كامب ديفيد في العام التالي برعاية الرئيس الأميركيّ جيمي كارتر. حاول أبي الاستفادة من مناخات الاعتراض على سياسات الأسد، للفت انتباهه إلى الخطر الإسرائيلي المحدق بجنوب لبنان. وقد كانت رؤيته بعيدة المدى، فقد تحقّق ذلك الخطر في الغزو الأوّل سنة 1978، ثمّ في الاجتياح الأوسع في عام 1982، وحصار بيروت الطويل.

كمال جنبلاط مع مقاتلين من الحزب التقدمي الاشتراكي خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1 /3/ 1976 Getty)
كمال جنبلاط مع مقاتلين من الحزب التقدمي الاشتراكي في بيروت (1/3/1976 Getty)

طوال شهورٍ تلت، عشنا تحت وطأة الإحساس بدنوّ الموت. فوالدي كان رجلًا لا يهادن، وإنسانًا شريفًا لا يمكنه الدخول في ألاعيب خصومه السياسيّين الماكرة، أولئك الذين شرّعوا أبواب لبنان أمام السوريّين. هكذا رحل، وسط قرقعة السلاح، ومعه رحل شبابي.
في اليوم التالي لاغتياله، علمنا من مصدرٍ موثوق أنّ التكليف بالقتل أتى من سوريا. فقد شوهد رفعت الأسد، الشقيق السيّئ الصيت للرئيس السوري، والذي ربطتني به معرفة، يقوم بزيارةٍ استطلاعيّة في بلدة دير القمر قبل أيّامٍ قليلة من الجريمة. كان رفعت مسؤولًا في سوريا عن جيشٍ رديف وشديد القوّة يُعرف بسرايا الدفاع، مهمّته حماية مصالح النظام. فكيف لنا ألّا نرى في زيارته تلك للشوف رابطًا مباشرًا بجريمة قتل والدي؟ لم يساورني الشكّ يومًا في ذلك. كذلك لاحظتُ خلال جولتي على قرى الشوف، أنّ قوّات النخبة السوريّة كانت تنتشر في عدّة بلدات، وقد أقامت حواجز تفتيشٍ ثابتة، لكنّها لم تحرّك ساكنًا لمنع وقوع المجازر.
قراءتي لما حدث أنّ السوريّين، بعدما قتلوا كمال جنبلاط، روّجوا شائعة تقول إنّ المسيحيّين هم مرتكبو الجريمة، بهدف إحياء الانقسام التاريخيّ بيننا، العائد إلى مذابح عام 1860، التي سيّلت الدماء أنهارًا من الشوف وصولًا إلى دمشق . كان سهلًا على السوريّين أن يدفعوا بنا إلى الاقتتال، ليقدّموا أنفسهم إلينا بعد ذلك بدور الحَكَم. لكنّ هذه الحرب كلّفت كلا الجانبين تضحياتٍ كثيرة، ولم نتمكّن من تحقيق المصالحة إلّا بعد عقود. لستُ واثقًا من أنّ الرأي العامّ المسيحيّ كان في عام 1976 مؤيّدًا للوجود السوري في لبنان، وأظنّ أنّ القادة هم الذين اتّخذوا القرار منفردين. سأعود لاحقًا إلى هذه النقطة نظرًا إلى ما تركته وقائع أحداث يونيو 1976 من أثرٍ لا يُمحى في تاريخ لبنان الحديث. وقد استمرّ الوجود العسكريّ لنظام الأسد حتّى ما بعد الاغتيالات التي استهدفت في عام 2005 رفيق الحريري والعديد من الآخرين المدافعين عن الحرّية.

لا تزال سيّارة والدي واقفةً عند مدخل دارتنا في المختارة، كشاهدٍ يحول دون أن يطوي النسيان تلك الجريمة البشعة

تقع دير القمر على مسافة كيلومتراتٍ قليلة من المختارة، وهي بلدةٌ شوفيّة تحافظ على أصالتها، يعود اسمها إلى وجود معبدٍ رومانيّ قديم للقمر فيها، وغالبيّة أهلها من المسيحيّين. في مطلع القرن السابع عشر، كانت هذه البلدة عاصمةً لأوّل إمارةٍ في جبل لبنان أسّسها الأمير الدرزي فخر الدين الثاني المعنيّ، الزعيم السياسيّ الكبير وواضع حجر الأساس للبنان الحديث، بحسب رأي أبي. علمتُ أنّ رفعت الأسد التقى في البلدة، عشيّة 16 مارس، عدّة ضبّاطٍ من الوحدات السوريّة الخاصّة. هل سنتمكّن يومًا ما من اكتشاف أدلّةٍ على هذه الجريمة وغيرها من الجرائم التي ارتكبها النظام البائد في أرشيف آلة الموت تلك؟ الجواب برأيي هو «نعم». بمجرّد أن تستعيد سوريا استقرارها الضروريّ للمنطقة، ينبغي علينا أن ننصرف إلى البحث عن تلك الأدلّة، من أجل الوصول إلى مستقبلٍ يسوده الهدوء والطمأنينة.

سالم اللوزي ، ناشر بيروت في المكتب قبل الاختطاف. 01 January, 1980
الصحافي اللبناني سليم اللوزي في مكتبه ببيروت (1/1/1980 Getty)

لم يكن اغتيال والدي على أطراف قرية دير دوريت المسيحيّة محض صدفة. فالخطّة كانت بسيطةً وفعّالة، وتهدف إلى الإيهام بأنّ المسيحيّين هم مَن قتلوه. بعد ارتكاب الجريمة، سلكت المجموعة المسلّحة التي قتلت أبي ومرافقيه طريق بيروت عائدةً إلى مركز قيادة المخابرات الجوّية السوريّة في سنّ الفيل. كان قائد هذا الجهاز في لبنان آنذاك يُدعى إبراهيم الحويجة، ويعمل تحت قيادة محمد الخولي، ذلك الاسم المثير الرعب في المنظومة الأمنيّة السوريّة، والذي كلّفه حافظ الأسد بتنفيذ عدّة عمليّاتٍ أخرى، منها في فبراير/شباط 1980 اغتيال الصحافيّ سليم اللوزي، صاحب ومؤسِّس مجلّة «الحوادث»، إحدى أبرز المطبوعات السياسيّة العربيّة. لمعاقبة اللوزي على ما كان يكتبه، اختطفه السوريّون، ثمّ قتلوه بعدما أحرقوا أصابعه وبتروها، في رسالة تهديدٍ واضحة إلى الصحافيّين بأنّ مصيرهم لن يكون مختلفًا. وكما ذكرتُ آنفًا، ففي مطلع مارس 2025، اعتقلت السلطات السوريّة الجديدة إبراهيم الحويجة في مدينة جبلة على الساحل السوري، ووجّهت إليه تهمًا بارتكاب مئات الاغتيالات إبّان حكم حافظ الأسد.