وليد جنبلاط: بشّار الأسد كان شديد الحذر تجاه رفيق الحريري ويستشعر خطر وجود رجلٍ سنّي قويّ على نظامه (4 - 4)

20 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 09:39 (توقيت القدس)
بشار الأسد يلتقي رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في الدوحة (11/2/2000 فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- إصدار الطبعة العربية من مذكرات وليد جنبلاط: ستصدر قريباً عن دار هاشيت أنطوان في بيروت، تتناول محطات في حياة جنبلاط الشخصية والسياسية، متقاطعة مع تحولات لبنانية وإقليمية منذ الخمسينيات حتى سقوط نظام الأسد في 2024.

- رفيق الحريري ودوره السياسي: وُلِد في صيدا وحقق ثروته في السعودية، كان صلة وصل بين لبنان وسوريا وساهم في إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية، واغتياله في 2005 أدى إلى زلزال سياسي و"ثورة الأرز".

- التوترات مع حزب الله وسوريا: في 2008، شن حزب الله هجوماً على بيروت، وشارك جنبلاط في اتفاق الدوحة لإنهاء الأزمة، واستمر في انتقاد حزب الله، معتبراً أن طموح إيران كان السيطرة على لبنان وسوريا والعراق واليمن.

تصدُر قريباً عن دار هاشيت أنطوان في بيروت الطبعة العربية من كتاب "قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل"، مذكّرات الوزير والنائب اللبناني السابق وليد جنبلاط، بترجمة أدونيس سالم. وكانت قد صدرت بالفرنسية عن دار "ستوك" في باريس. ويأتي فيها الزعيم اللبناني على محطّات في سيرته الشخصية والعائلية والسياسية تتقاطع ونلتقي مع وقائع وتحوّلات لبنانية وإقليمية تتابعت منذ نهايات الخمسينيات إلى سقوط انتصار الثورة السورية في نهاية 2024 على نظام الأسد. وبذلك تضيء هذه المذكّرات ليس فقط على مواقف جنبلاط وتصوّراته في عدة قضايا، منها الطائفية والعروبة والعلاقات اللبنانية السورية والقضية الفلسطينية والربيع العربي وغيرها، بل أيضاً على مسار لبناني ومشرقي عربي واسع. ويسرد وليد جنبلاط مروياته، الموثقة والشائقة والكاشفة، بكثيرٍ من الجاذبية والكثافة، وبذلك يصيب قارئُها مقادير عالية من المتعة والمعرفة معاً. وتنشر "العربي الجديد" مقاطع من الكتاب في أربع حلقات. وهنا الحلقة الأخيرة. 

***
رفيق الحريري
1944-2005
صديقي رفيق من مدينة صيدا. وُلِد في عائلةٍ متواضعة، وصنع ثروته في المملكة العربيّة السعوديّة قبل أن يُثبِت نفسه زعيمًا للطائفة السنيّة في لبنان. لم يتجاوز انخراطه في العمل أو الالتزام السياسيّين فترة نضالٍ محدودةً مع القوميّين العرب في شبابه، لا أكثر. وفي السعوديّة، تمكّن من شراء شركة «أوجيه» الفرنسيّة، بفضل علاقاته الشخصيّة مع الملك فهد الذي أسند إليه عدّة مشاريع ضخمة.
 

منذ عام 1982، وبعد انسحاب الإسرائيليّين من بيروت، أصبح الحريري صلة وصلٍ مهمّةً بالنسبة إلينا. فكان يتردّد بانتظامٍ إلى دمشق برفقة السفير السعودي، الأمير بندر بن سلطان، الذي عُيّن لاحقًا سفيرًا في واشنطن، وبقي في منصبه هناك عشرين عامًا. وخلال الحرب، عيّن الملك فهد رفيق الحريري مبعوثًا خاصًّا إلى سوريا لمتابعة الملفّ اللبنانيّ، فبتنا نلتقي بانتظام، وأصبح أحد محاورينا الدائمين. في تلك المرحلة بدأت صداقتنا. ثم تكرّرت لقاءاتنا في دمشق والرياض. حتّى إنّ حافظ الأسد نفسه استفاد من علاقات الحريري الدوليّة لشرح مواقفه في الخارج، ولا سيّما في الولايات المتّحدة، ما جعل الحريري بمثابة وزير خارجيّةٍ غير رسميّ لسوريا.

لم يكن رفيق الحريري مجرّد رجل أعمال، بل كان شخصًا يريد تغيير المعادلات القائمة، لا عائق يبدو أمامه مستحيلًا

كنتُ ورفيق متفاهمين تمامًا، فقد تَشارَكنا في رؤيةٍ براغماتيّة واحدة للحياة السياسيّة. حين التقيته للمرّة الأولى بالصدفة في باريس، كان يساعدنا في تمويل مشروع إعادة تأهيل مصنع الإسمنت الذي تملكه العائلة. أدهشني على الفور ما كان يتمتّع به هذا الرجل، الذي سيصبح رئيس وزراء بلدٍ يحتاج إلى إعادة الإعمار بعد الحرب، من قوّة إقناعٍ وقدرة على المفاوضة. لم يكن مجرّد رجل أعمال، بل كان شخصًا يريد تغيير المعادلات القائمة، لا عائق يبدو أمامه مستحيلًا في ظلّ شبكة العلاقات الواسعة والنافذة التي يملكها في الأوساط الدوليّة. لم يكن الحريري ينتمي إلى عالم العنف الذي عشناه، أو إلى نادي السياسيّين التقليديّين، بل كان خارجًا عن كلّ ما هو مألوفٌ في السياسة اللبنانيّة، مسكونًا بشغف الإقناع والبناء، وصاحب كاريزما واضحة، يجيد تسخير ثروته في سبيل القضايا النبيلة. فابتداءً من عام 1983، أي بعد حصار بيروت، كان قد بدأ بتقديم المنح الدراسيّة لآلاف الشباب اللبنانيّين ليتابعوا تعليمهم العالي في فرنسا والولايات المتّحدة، بدون أيّ تمييزٍ طائفي بينهم، منقذًا بذلك جيلًا بأكمله من الضياع.

حافظ الأسد يستقبل رفيق الحريري في دمشق، 18 نوفمبر 1998 (فرانس برس)
حافظ الأسد ورفيق الحريري في دمشق (18/11/1998 فرانس برس)

اغتيل رفيق الحريري في قلب بيروت عند الساعة 12:55 ظهر 14 شباط/فبراير 2005، ما أحدث في لبنان زلزالًا وصلت تردّداته إلى العالم، نظرًا لما كان للرجل من علاقاتٍ سياسيّة واسعة. إنّها صدمةٌ لم أتعافَ منها قطّ. كنتُ يومذاك وزوجتي نورا والرفيق غازي العريضي في منزلي ببيروت، حين سمعنا دويّ انفجارٍ هائل قادمًا من جهة الكورنيش، اهتزّت معه جدران المنزل. تبادلنا النظرات وقد اعترانا نذيرٌ غامض بوقوع كارثة. توقّفت شبكات الهاتف عن العمل، وسادت بيروت حالةٌ من الذعر، فأرسلت مرافقي إلى موقع الانفجار لاستطلاع ما جرى. حين عاد، أخبرني أنّ المستهدف كان رفيق الحريري. على الفور، استقللتُ وغازي سيّارتي وذهبنا إلى مستشفى الجامعة الأميركيّة، حيث سرت شائعة بأنّه لا يزال على قيد الحياة. هرعتُ إلى قسم الطوارئ، وهناك لحق بنا بهاء، نجل رفيق البكر. أكّد لنا رئيس جهاز الأمن وفاته. أخذتُ بهاء معي في السيّارة وهو منهارٌ تمامًا، وتوجّهنا نحو قصر قريطم، مقرّ إقامة عائلة الحريري في بيروت. ومن هناك أعلنتُ، دامع العينين، خبر استشهاده للجموع التي تقاطرت إلى المكان. ثمّ ارتجلتُ أمام جميع أقطاب المعارضة خطابًا عنيفًا اتّهمتُ فيه النظام السوري صراحةً بهذا الاغتيال. وأعلنتُ الحرب على «النظام الأمني اللبنانيّ السوري» محمّلًا إيّاه مسؤوليّة هذه الجريمة وجرائم كثيرةٍ أخرى.
شكّل ذلك اليوم بالنسبة إليّ بداية معركةٍ جديدة. لم يكن بوسعنا البقاء بدون ردّ فعل، فعلينا أن نختار: الحريّة أو الموت. إلى متى كان يمكننا الاستمرار في القبول بدكتاتوريّة آل الأسد؟ إلى متى كان يمكننا القبول بهذه الجرائم التي تبقى بدون عقاب؟ في 16 شباط/فبراير، أي بعد يومين من وفاته، تقدّمتُ مسيرة التشييع الضخمة التي انطلقت من منزله حتّى ساحة الشهداء في وسط بيروت. ومساء اليوم نفسه، نُظّم أوّل تجمّعٍ في موقع الانفجار، شاركت فيه نورا وعشرات الأشخاص، للمطالبة بالعدالة بعد تلك الجريمة النكراء. وبعد أسبوع، تجمهر بشكلٍ عفوي عشرات الآلاف، من بينهم الكثير من الطلّاب والشخصيات المستقلة، وأطلقوا «ثورة الأرز»، وهي حركةٌ شعبيّة نظّمت اعتصامات لأيّامٍ عدّة للمطالبة بإسقاط الحكومة، وهو ما حدث بالفعل في نهاية شباط/فبراير قبل أيّامٍ من إعلان سوريا تاريخًا لانسحاب قوّاتها من لبنان. شاركتْ نورا في النواة الأولى لتنظيم ذلك الحراك، لأنّها، كسوريّة، تأثّرت كثيرًا من جرّاء العنف الذي مارسه نظام أسهم في نفي عائلتها والكثير من العائلات الأخرى.

في عهد الأسد الأب، لم يكن في سوريا مَن يكنّ العداء لرفيق الحريري. هذا العداء ظهر مع بشّار، الذي أصبح، مع مرض أبيه، الوريث المنتظر للسلطة

في 8 آذار/مارس، أي بعد أسابيع قليلةٍ من جريمة قتل رفيق الحريري، وردًّا على التظاهرات الأولى التي قامت بها المعارضة، نظّم مؤيّدو النظام السوري الذين يدورون في فلك حزب الله، استعراضًا للقوّة في بيروت شكروا فيه سوريا. أرادوا أن يثبتوا، في مواجهة غضب الشعب اللبناني، أنّهم ما زالوا حاضرين. فكان الردّ عليهم في تظاهرة 14 آذار/مارس التاريخيّة، التي انطلقت تنديدًا بالوجود السوري، وجمعت حشودًا غفيرة تدفّقت من كلّ أنحاء لبنان. فوجئ الجميع بأعداد المشاركين في تلك التظاهرة، من سنّةٍ ومسيحيّين ودروز، أتوا بوسائلهم الخاصّة حتّى ضاقت بهم شوارع بيروت. تملّكنا حينذاك أملٌ عارم بالتحرّر من قبضة النظام السوري. ولم نلبث أن طالبنا بتشكيل لجنة تحقيقٍ دوليّة لمحاكمة قتلة رفيق، وهو ما رفضه حزب الله. شخصيًّا، اتّهمتُ النظام السوري باغتيال رفيق الحريري كما اغتال والدي من قبله. وفي أيّامٍ قليلة، صرتُ أحد أبرز قادة «لقاء 14 آذار» الذي أسهم في رحيل القوّات السوريّة. وفي 26 نيسان/أبريل، وبفعل الضغوط الدوليّة، انسحب الجيش السوريّ أخيرًا. لكنّ ذلك لم يعنِ أن بشّار الأسد وحلفاءہ اللبنانيّين أوقفوا حملة اغتيالاتهم السياسيّة المشؤومة. ففي الأشهر العصيبة التي تلت، خسرنا الكثير من السياسيّين، والمثقّفين، والمناضلين، والشخصيّات ذات الوزن. كان دوري حاسمًا في تلك المرحلة، وظلّ كذلك حتّى انسحابي في عام 2010 من حركة 14 آذار/مارس خوفًا من تجدّد الحرب الأهليّة، انسحابٌ تعرّضت بسببه لأشدّ الانتقادات.
لكي نفهم الأمور بشكلٍ أفضل، سأعرض في ما يأتي سياق الأحداث التي أدّت إلى اغتيال رفيق الحريري. أنا مدينٌ بالكثير لرفيق الذي قدّم، مع المملكة العربيّة السعوديّة، الدعم لطائفة الموحّدين الدروز إبان الغزو الإسرائيلي وحرب الجبل. لم تكن الضرائب المحلّية التي نحصّلها لتمويل إدارتنا المدنيّة تكفي لتحمّل أعباء مواجهةٍ طويلة الأمد، بل كنّا بحاجةٍ إلى دعمٍ مالي ثابت من الدول العربيّة. ولتلك الغاية، سافرتُ إلى الرياض مرّاتٍ عدّة. لا شكّ في أنّ الظروف كانت آنذاك في مصلحتنا، مع وقوف السعوديّين والسوريّين ضدّ الغزو الإسرائيلي للبنان. ومع ذلك فإنّ العلاقات الشخصيّة تكتسي، في أيّة مفاوضات من هذا النوع، أهمّيةً بالغة، وهذا ما ضمن لنا موافقة الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود مباشرةً على طلبنا. طبعًا، كان علينا أن نحيط السوريّين علمًا بكلّ ما نفعله، لأنّنا حلفاء، ولأنّ حافظ الأسد كان رجلًا شديد الحساسيّة.

من موقع التفجير الذي استهدف موكب رفيق الحريري في بيروت، 14 فبراير 2005 (فرانس برس)
من موقع التفجير الذي استهدف موكب رفيق الحريري في بيروت (14/2/2005 فرانس برس)

في تلك الحقبة، كنا نشعر بأنّ لرفيق الحريري طموحًا سياسيًّا، ويعتبر أنّ قدره أن يكون الشخص الذي يعيد إعمار لبنان بعد الحرب. وبالفعل، سرعان ما فرض نفسه زعيمًا رئيسيًّا للطائفة السنّية، يتمتّع بشبكة علاقاتٍ واسعة عربيًّا ودوليًّا. كان الحريري صديقًا مقرّبًا من الرئيس الفرنسيّ جاك شيراك منذ أن تولّى الأخير رئاسة بلديّة باريس، كما من كلّ كبار قادة العالم في تلك الفترة. أتذكّر أنّ شيراك، في خطابٍ ألقاه أمام البرلمان اللبناني سنة 1996، دافع عن الوجود السوري في لبنان باعتباره عامل استقرار. وفي عام 2000، طلب منه الحريري السفر إلى سوريا للمشاركة في جنازة حافظ الأسد، فكان الزعيم الغربي الوحيد الذي ذهب إلى دمشق يومذاك.
اعتقد الحريري أنّه يستطيع مواصلة علاقته مع بشّار الأسد، لكنّ الأخير كان شديد الحذر تجاهه، ويستشعر الخطر الذي يشكّله على نظامه وجود رجلٍ سنّي قويّ. في الواقع، لم يكن بإمكان النظام العلوي والإيرانيّين القبول بوجود شخصيّةٍ سنيّة قويّة في السلطة في لبنان. باغتياله، أحدثوا في الطائفة السنّية اللبنانيّة فراغًا قياديًا لم يتمّ ملؤه حتّى بعد مرور عشرين عامًا.

نادرًا ما كنتُ قريبًا من شخصٍ ما قربي من رفيق الحريري. «رجل الولاءات المتعاقبة...»، قال عنّي غسّان تويني. إلّا أنّني، عندما أتعلّق بشخصٍ ما، أخلص له

في عهد الأسد الأب، لم يكن في سوريا مَن يكنّ العداء لرفيق الحريري. هذا العداء ظهر مع بشّار، الذي أصبح، مع مرض أبيه، الوريث المنتظر للسلطة. في عام 1998، دعم بشّار ترشيح إميل لحّود، المارونيّ الموالي لسوريا، لرئاسة الجمهوريّة، ورفض عودة رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة، فأدرك هذا الأخير أنّه فقد حظوته في دمشق. وفي 22 شباط/فبراير 2004، صرّح الحريري بأنّ «رئيس لبنان الجديد يجب أن يختاره اللبنانيّون»، في إشارةٍ ضمنيّة إلى ضرورة كفّ يد دمشق عن التدخّل في لبنان. لكنّ غطرسة بشّار وتفكيره الدكتاتوريّ منعاه من أن يدرك الخطأ الفادح الذي يرتكبه، ولم يُقدّر حجم المشاعر المعادية له على الصعيدين العربي والدولي.
في 26 آب/أغسطس 2004، وقبل أشهر قليلة من الاغتيال، عُقد لقاءٌ عاصف بين رفيق الحريري وبشّار الأسد. يومذاك عاد رفيق من دمشق والذعر يتملّكه، وعلى الفور قصدني في منزلي، حيث أخبرني أنّ بشّار هدّده بسبب معارضته التمديد لإميل لحّود، وقال له: «لحّود هو أنا. وإن كان شيراك يريد إخراجي من لبنان، فسأحطّم كلّ شيء. وإن كان جنبلاط يفكّر في دروز الجبل، فليعلم أنّ لديّ أيضًا دروزًا، ويمكنني إثارة الفوضى في جبل لبنان». كانت تلك رسالةً وجّهها الأسد إليّ ليقول إنّ لديه بين دروز لبنان عناصر موالين لسوريا، وأنّه لن يتردّد في استخدامهم ضدّي.
هذا الفصل المهمّ من الأحداث يجب قراءته في سياق المصالحة الفرنسيّة الأميركيّة، عندما التقى جاك شيراك وجورج بوش في الذكرى الستين لإنزال الحلفاء في النورماندي، في 6 حزيران/يونيو 2004، بعد الشرخ بينهما بسبب غزو العراق في عام 2003، الذي عارضته فرنسا. ففي النورماندي اتّفق الرجلان على انتخاب رئيسٍ جديد للبنان، ورفضا تمديد ولاية إميل لحّود الخاضع لدمشق. 

جنبلاط يلتقي جاك شيراك في قصر بعبدا خلال زيارة الأخير لبنان (30/5/1998 فرانس برس)
جنبلاط يلتقي جاك شيراك في قصر بعبدا في لبنان (30/5/1998 فرانس برس)

يوم زارني الحريري نصحتُه بالتصويت مع التمديد للحّود، وقلت له: «أنصحك بالتمديد. لا تقف في وجههم، فهم خطرون. أنا قادرٌ على المواجهة، أمّا أنت فلا». كنت أريد حمايته. وهذا ما جرى، ففيما صوّتت كتلتنا المؤلّفة من 29 نائبًا ضدّ التمديد – الكتلة التي أُطلقت عليها لاحقًا تسمية «لائحة الشرف» – صوّت رفيق الحريري على مضض مع التمديد للحّود، مرشّح دمشق، الذي فاز ومُدّدت ولايته لثلاث سنوات. لكنّ كتلته النيابيّة انضمّت رسميًّا إلى اجتماعات المعارضة التي كنّا نعقدها في فندق البريستول للمطالبة بالعدالة وبحصر السلاح بيد الدولة، وكان حزب الله يتّهمنا بسببها بالامتثال لأوامر الغرب.
بعد التمديد، جاء القرار 1559 ليشعل النار في برميل البارود. وفي رأيي إنّه السبب الرئيسي لاغتيال الحريري وسائر شهداء ثورة 14 آذار/مارس. ذلك القرار الذي أقرّه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 2 أيلول/سبتمبر 2004، طالب بإجراء انتخاباتٍ رئاسيّة حرّة ونزيهة في لبنان، وانسحاب سوريا، وحلّ جميع الميليشيات اللبنانيّة ونزع سلاحها، بما فيها حزب الله. رأت دمشق وحلفاؤها في لبنان في ذلك القرار حكمًا بالإعدام عليها. والآن، بعد كلّ السنين، يتملّكني شعور بأنّ النظام السوري حمّل رفيق الحريري مسؤوليّة المشاركة في صياغة القرار 1559، واعتبر أنّه كان على علمٍ بالإعداد له، فجعله يدفع الثمن.
في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2004، تعرّض مروان حمادة، صديقي المقرّب، والوزير، والرفيق التاريخي لقضيّتنا، لمحاولة اغتيال. كان ذلك تحذيرًا أوّل من دمشق لرفيق الحريري ولي شخصيًا، وردًّا من الأسد على تصويتنا في الانتخابات الرئاسيّة، كما على مشاركتنا المفترضة في القرار 1559، وهو ما لم يكن صحيحًا. نجا مروان بأعجوبة، وطالبتُ بفتح تحقيق فورًا.
في اليوم نفسه شاع خبر قدوم نائب الرئيس السوري، عبد الحليم خدّام، لزيارة مروان في مستشفى الجامعة الأميركيّة. انصبّ جهدي على تأمين حمايته من حشد الدروز الغاضبين الذين تجمّعوا عند مدخل المستشفى وأظهروا تجاهه عدائيّةً شديدة. جلستُ وخدّام نتحادث في أحد الصالونات، فأشار إلى أنّه هو الآخر تعرّض لمحاولة اغتيال من رفعت الأسد في الماضي، ملمّحًا على طريقته إلى أنّ بشّار لا بدّ من أن يكون وراء محاولة اغتيال مروان. ولاحقًا، تلقّيتُ اتّصالًا هاتفيًّا من دمشق، وكان على الطرف الآخر رئيس الأركان السوري الأسبق الذي قال لي: «انتبه لنفسك»، ثمّ أقفل الخطّ. قبل أسبوعين من مقتله، استشعر رفيق الحريري ما قد يحدث، ورغم أنّه شديد التفاؤل بطبعه، بعكسي نوعًا ما، فقد قال لي خلال أحد الاجتماعات: «لديهم طريقةٌ واحدة فقط للخروج من هذا المأزق: إمّا أن يقتلوك، أو يقتلوني». 
نادرًا ما كنتُ قريبًا من شخصٍ ما قربي من رفيق الحريري. 
«رجل الولاءات المتعاقبة...»، قال عنّي غسّان تويني. إلّا أنّني، عندما أتعلّق بشخصٍ ما، أخلص له، المسألة فقط أنّني أثق بحدسي وأتبعه.
بيني وبين الحريري، كانت هناك خلافاتٌ نظريّة، لا أكثر. ففيما اعتبرتُ أنّ من الضروريّ حماية الزراعة والصناعة اللتين كنّا بأمسّ الحاجة إليهما في لبنان، رأى هو أنّ مفاتيح الاقتصاد الحديث تكمن في السوق الحرّة والمفتوحة. حول هذه النقطة كنّا على طرفي نقيض، وبرغم ذلك تفاهمنا لأنّنا كنّا نتشارك البراغماتيّة نفسها، ونريد النهوض بلبنان. 
بعد الحرب، لمسنا أنّ لبنان يعود إلى الحياة الطبيعيّة. فالحريري كان يعمل كثيرًا، وبدون توقف، ويعرف كيف يجذب الاستثمارات الدوليّة، ولا يتردّد في توظيف جزءٍ كبير من ماله الخاصّ، لتحقيق ذلك. شاهد اللبنانيّون كيف يجري تنفيذ مشاريع الأشغال الكبرى، كالأوتوسترادات، والمطار الجديد، والبنى التحتيّة، وإعادة تأهيل وسط بيروت. وفي عام 2001، استعان رفيق الحريري بجاك شيراك لإطلاق سلسلةٍ من المؤتمرات الكبرى لدعم لبنان، التي انعقدت في باريس. وقد وفّرت تلك المؤتمرات للبنان مئات ملايين الدولارات، بدون مقابل. لكنّ البورجوازيّة المهيمنة هي التي استفادت منها للأسف.
في عام 2009، بذلتُ كلّ ما في وسعي ليخلف سعد الحريري والده كزعيم سياسيّ للطائفة السنيّة ويصبح رئيسًا للوزراء. لم يكن لديّ أدنى شك في مؤهّلاته السياسيّة، ولا في قدرته على مواصلة السير، كوالده، في طريق المصالحة الوطنيّة. ويؤسفني اليوم أنّه انسحب من الحياة السياسيّة اللبنانيّة.

اعتبرتُ  فضح ممارسات حزب الله ضروريّا بالتزامن مع سعينا إلى التخلّص من الهيمنة السوريّة

في عام 2010، وتلبيةً لرغبةٍ سعوديّة، توجّهتُ إلى دمشق حيث استقبلني بشّار للمرّة الأولى بعد خطابي الثأري العنيف الذي ألقيتُه في عام 2007 ضدّه وضدّ كلّ ما يمثّله. ما جرى حينذاك كان يبعث على الذهول، فقد قال لي: «لن نتحدّث عن الماضي. لنتحدّث فقط عن المستقبل». إنّه ممثّلٌ بارع ومخيف! وقد استقبلني في القصر الرئاسيّ الضخم المطلّ على دمشق، الذي صمّمه المعماري الياباني كينزو تانغي، فيما كان والده حافظ الأسد يفضّل استقبال زوّاره في مكتبه المتواضع بالعاصمة السوريّة.

سعد الحريري ووليد جنبلاط في اجتماع للمعارضة اللبنانية في بيروت، 2 يونيو 2005 (فرانس برس)
سعد الحريري ووليد جنبلاط في اجتماع للمعارضة اللبنانية في بيروت (2/6/2005 فرانس برس)

إفلاس حزب الله
2008
في أيار/مايو 2008، شنّ حزب الله هجومًا على الجبل، واجتاح بيروت الغربيّة، موجّهًا للمرّة الأولى منذ تأسيسه في عام 1982، سلاحه ضدّ لبنانيّين آخرين، ما خلا، طبعًا، سلسلة الاغتيالات التي كلّفته بتنفيذها قوّةٌ خارجيّة، كما ذكرتُ آنفًا. كان الحزب قد احتفظ بسلاحه بعد نهاية الحرب الأهليّة، واستمرّ بالعمل الحثيث على تحديثه، مستفيدًا من الهِبات السخيّة التي قدّمتها له كلٌّ من سوريا وإيران. وواصل المقاومة التي تمكّنت في عام 2000 من إنهاء اثنين وعشرين عامًا من الاحتلال الإسرائيليّ لجنوب لبنان. وخاض في صيف 2006 حربًا ضدّ إسرائيل. 

في أيّار/مايو 2008، رأى حزب الله في قضيّة شبكة الاتّصالات التي أثارتها كتلتي في المجلس النيابيّ سببًا كافيًا ليعلن الحرب على بيروت. الواقع أنّه كان قد قام آنذاك بمدّ شبكة ألياف ضوئيّة موازية للشبكة الرسميّة بداخل التمديدات الجوفيّة التابعة لوزارة الاتّصالات، بهدف استخدامها لأنشطته الخاصّة، وتأمين التواصل بين مواقعه السياسيّة والعسكريّة. ندّدتُ آنذاك بتلك «الدولة بداخل الدولة» المدعومة عسكريًّا وماليًّا من إيران. على الأثر، فتحت الحكومة اللبنانيّة برئاسة فؤاد السنيورة تحقيقًا بشأن تلك الشبكة المشكوك في استخدامها للقيام بأنشطةٍ غير قانونيّة. فردّ نصرالله بتصريح قال فيه إنّه «سيقطع اليد التي ستمتدّ إلى تلك الشبكة، والتي يعلم الجميع أنّها ليست حديثة، لأنّها السلاح الأهمّ في أيّ معركة ضدّ إسرائيل». رأى صديقي مروان حمادة، الذي كان وزيرًا للاتّصالات آنذاك، في ذلك التصريح تهديدًا مباشرًا له، فضلًا عن أنّه كان اتّهامًا لكلينا، مروان وأنا، بالعمل لحساب الأميركيّين!
على الأرض، جاء الردّ باجتياح حزب الله لبيروت، مستهدفًا على وجه الخصوص منزلي ومنزل سعد الحريري، القطب البارز في المعارضة. وراح مسلّحو الحزب يطلقون النار في الهواء لبثّ الرعب في نفوسنا. أوعزتُ إلى حرّاسي بضرورة عدم الردّ، وعدم الخروج من المحيط الذي حدّدته لهم، تلافيًا لأيّ استفزاز. كنتُ ونورا في الطابق الأعلى في منزلنا الكائن في «كليمنصو». لكنّني، في إحدى الأمسيات، شعرتُ بقلقٍ حقيقيّ، فقد انتشر مسلّحو الحزب حول المنزل، وسُمعت أصوات إطلاق النار في الشوارع المجاورة، بينما توقّفت ملّالة «أم 113» تابعةٌ للجيش اللبناني عند تقاطع الطرق القريب.

أدرك تمامًا أنّ تاريخ الشيعة يحمل آثار الاضطهاد الذي مارستْه بحقّهم في الماضي الأغلبيّة السنّية، وتمارسه اليوم إسرائيل

لاحقًا في باريس، التقيتُ حكمت الشهابي، رئيس الأركان الأسبق للجيش السوري، الذي أكّد لي أنّ حزب الله كان ينوي تصفيتي يومذاك. ولا أدري لماذا لم يفعل. بقينا محاصرين عدّة أيّام، من 7 إلى 11 أيّار/مايو 2008، من دون أن نستطيع الاتّصال بالخارج للقيام بأيّ وساطة. وشهدت منطقة رأس بيروت، حيث مبنى تلفزيون المستقبل التابع لسعد الحريري، اشتباكات أدّت إلى سقوط بعض القتلى. وفي الشوف، هاجَمنا رجال حزب الله وقصفوا بعض القرى، ومنها بيصور، واستهدفوا منزل غازي العريضي خلال معركةٍ دامية بدأت من الشويفات في 11 أيّار/مايو 2008. وقد خسر حزب الله بعضًا من كوادره البارزين، كان بعضهم قد قاتل في عام 2006 في جنوب لبنان ردًّا على إغلاق مطار بيروت الدولي.
لقد قاتل الجبل الدرزيّ ببسالةٍ يومذاك، لكنّني أدركتُ أنّنا بمفردنا، برغم الدعم الأميركي الافتراضي، وأنّنا أمام خطرٍ حقيقيّ في تلك المواجهة مع حزب الله، القادر بمقاتليه وراجمات صواريخه على سحقنا بسهولة. كذلك خشيتُ اندلاع صراعٍ بين الدروز والشيعة يخرج عن السيطرة، وهو ما لم نكن بحاجةٍ إليه مطلقًا. 
بلغ التوتّر ذروته، إلى أن جاء المخرج عبر وساطةٍ تقدّمت بها قطر التي فوّضت إليها جامعة الدول العربيّة لإيجاد حلٍّ للأزمة. نصحتُ أمير قطر يومذاك بأن يُقنع سوريا وإيران بتسهيل الوصول إلى تسويةٍ في لبنان، وتوصّلنا في 21 أيّار/مايو 2008 إلى اتّفاق الدوحة، الذي أوجد حلًّا لشغور موقع الرئاسة الذي استجدّ بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحّود – تلك المعضلة التي دائمًا ما تتكرّر في لبنان. فانتُخب قائد الجيش آنذاك، ميشال سليمان، رئيسًا للجمهوريّة، باعتباره مرشّحًا توافقيًّا، وتمّ تأليف حكومة وحدةٍ وطنيّة. ومن جانبنا تعهّدنا بوضع حدٍّ للأزمة السياسيّة من أجل استعادة السلم الأهلي بين اللبنانيّين. كذلك أعدتُ تموضعي السياسيّ وتجنّبت إطلاق المواقف الحادّة ضدّ السوريّين وحزب الله، وغادرتُ تحالف 14 آذار/مارس، وسط انتقادات كتلتنا البرلمانيّة، التي تفهّمتها تمامًا.
موقفي كان واضحًا. فقد اعتبرتُ أنّ فضح ممارسات حزب الله أمرٌ ضروريّ بالتزامن مع سعينا إلى التخلّص من الهيمنة السوريّة. صدر قرار إزالة شبكة الاتّصالات عن مجلس الوزراء، وأيّده سعد الحريري الذي ظنّ كذلك أنّ بوسعه مقاومة «جيش» حزب الله. لكنّ هذا الأخير، بدلًا من أن ينثني ويسير بمنطق الدولة اللبنانيّة، بادر إلى المواجهة. لقد قمنا بمغامرة، غير أنّنا أخطأنا الحساب. وسرعان ما أدركتُ أنّ ميزان القوى لم يكن في مصلحتنا. 

وليد جنبلاط (يمين) يلتقي رئيس حزب الله الشيخ حسن نصر الله في بيروت 04 سبتمبر 2005.
وليد جنبلاط وحسن نصر الله في بيروت (4/9/2005 فرانس برس)

برأيي، إنّ طموح إيران، التي تمسك بقرار حزب الله، كان إحكام السيطرة على لبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، لتقويض النفوذ السنّي وتشجيع الأقلّيات على التحالف. غير أنّ هذه الفكرة مُنيت بالفشل في عام 2024، مع سقوط حكم آل الأسد في دمشق. ومع ذلك، تقلقني بصورةٍ عامّة ردود الفعل الطائفيّة. فقد تبنّت بعض الأحزاب المارونيّة خيار تحالف الأقلّيات هذا سعيًا إلى إقامة وطنٍ قوميّ لها في لبنان. لكنّها تتحاشى الحديث عن «التقسيم» وتستخدم تسمياتٍ ملطّفةً مثل «الفدراليّة». هذا الفكر القائم على الفرز الطائفي غير قابلٍ للتطبيق. فقد اختبرنا الفدراليّة في لبنان خلال الحرب الأهليّة، حين عشنا بحكم الأمر الواقع شكلًا من أشكال التقسيم، وأنشأنا مناطق حكمٍ ذاتيّ تتنافس في ما بينها. إنّنا في لبنان محكومون بالعيش المشترك. فالنموذج اللبناني تعدّدي، وتلك هي مشيئة التاريخ.

المكان الذي اغتالت فيه إسرائيل حسن نصر الله ببيروت، 29 إبريل 2024 (Getty)
موقع اغتيال إسرائيل حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية في بيروت (29/4/2024 Getty)

عقب اغتياله بغارةٍ جوّية إسرائيليّة في أيلول/سبتمبر 2024، دُفن السيد نصرالله على مقربةٍ من المدينة الرياضيّة في بيروت، في مكانٍ لا شكّ في أنّه سيصبح محجّة، ومعلمًا دينيًّا وسياسيًّا للطائفة الشيعيّة اللبنانيّة. لم أشارك في تشييعه، لكنّني تقدّمتُ بواجب العزاء. أدرك تمامًا أنّ تاريخ الشيعة يحمل آثار الاضطهاد الذي مارستْه بحقّهم في الماضي الأغلبيّة السنّية، وتمارسه اليوم إسرائيل. فخلال الحرب الأخيرة، محا الإسرائيليّون قرًى بأكملها عن الخريطة، وبات الشكّ يكتنف مستقبل الشيعة في جنوب لبنان.