وفاة محمد غميرة تحت التحقيق تثير مخاوف عودة أساليب نظام الأسد
لم تكن وفاة الشاب السوري محمد حسام الدين غميرة في السادس عشر من أغسطس/آب الجاري مجرد حادثة وفاة وقعت داخل مركز أمني بالنسبة إلى كثير من السوريين، بل أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر الملفات حساسية في البلاد، يتعلق بتعامل المؤسسات الأمنية الجديدة مع الأشخاص الموقوفين: هل تستطيع سورية، بعد سقوط نظام بشار الأسد، أن تقطع فعلاً مع إرث طويل من الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء، أم أن بعض أساليب الماضي لا تزال قادرة على إعادة إنتاج نفسها داخل مؤسسات الدولة؟
يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إن تكرار التعذيب يرتبط، في جوهره، بطريقة بناء التحقيق، عندما يتحول الهدف من جمع الأدلة المادية والرقمية والشهادات المستقلة إلى انتزاع الاعتراف من المحتجز. وبرأيه، لا يتعلق الأمر عندها بخطأ فردي في أداء محقق، وإنما بنمط ينظر إلى المحتجز بوصفه موضوعاً للسيطرة والإكراه، لا شخصاً يتمتع بحقوق وضمانات قانونية.
ويحذر عبد الغني، في حديثه مع "العربي الجديد"، من أن الخطر يكون أكبر خلال المرحلة الانتقالية إذا بقيت بعض كوادر العمل الموروثة من البنية السابقة أو وحداته أو أنماطه من دون تدقيق فردي، أو إذا انتقلت إدارة أماكن الاحتجاز إلى جهات جديدة من دون نظام موحد وواضح للاعتقال والتحقيق. ويؤكد أن الإحالة الشكلية إلى النيابة أو القضاء لا تكفي، ما لم يكن المحتجز قادراً على المثول سريعاً أمام قاضٍ مستقل يمتلك سلطة حقيقية لمراجعة قانونية احتجازه، والتحقيق في ادعاءات التعذيب، واستبعاد الأدلة المنتزعة بصورة غير مشروعة.
وفي قضية غميرة، لا تزال تفاصيل ما جرى داخل قسم شرطة الحفة، والمسؤولية القانونية عن تدهور حالته الصحية ووفاته، موضع تحقيق. لكن رواية عائلته تقول إن الشاب أوقف لنحو ثلاثة أيام على خلفية شكوى تتعلق بادعاء سرقة مبلغ مالي، وإن أفراد أسرته أبلغوا عناصر المخفر بأنه مصاب بمرض الناعور، وطلبوا مراعاة حالته الصحية. وتقول العائلة إنه تعرض للضرب خلال فترة احتجازه، قبل أن يخرج بحالة صحية حرجة ويعاني نزيفاً داخلياً ونزيفاً دماغياً.
وغميرة، بحسب المعلومات المتداولة، كان متطوعاً سابقاً في الدفاع المدني، كما أن والده حسام غميرة قُتل في معارك الغوطة ضد نظام الأسد. وبعد تدهور حالته، نُقل إلى المستشفى، حيث دخل في حالة حرجة قبل أن يفارق الحياة في 16 آب/أغسطس، وفق المعطيات التي أوردتها عائلته والجهات التي تابعت القضية.
وتحاول السلطات الرسمية، من جهتها، تحديد ما حدث والمسؤوليات المرتبطة به. فقد أعلن وزير الداخلية أنس خطاب تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات وفاة غميرة، مؤكداً أن أي تجاوز يثبت ارتكابه من عناصر الوزارة سيواجه وفق القانون. كما أعلنت قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية توقيف سبعة أشخاص على ذمة التحقيق، وقالت إن التحقيق يهدف إلى الوقوف على ظروف التوقيف والإجراءات التي اتخذت بحق غميرة ومدى توافقها مع الأصول القانونية، مع مراعاة حالته الصحية.
وتشكل هذه الخطوات اختباراً مبكراً لمصداقية وعود السلطات الحكومية بالمحاسبة. فالمشكلة لا تكمن فقط في الإعلان عن لجنة أو توقيف مشتبه بهم، وإنما في طبيعة التحقيق نفسه: مدى استقلاله، وقدرته على الوصول إلى الأدلة والشهود والسجلات الطبية، وما إذا كانت نتائجه ستعلن للرأي العام، والأهم ما إذا كانت المسؤولية ستصل إلى كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه.
ويرى الكاتب والناشط عمار ديوب أن قضية غميرة ليست حالة منفردة، بل تأتي في سياق ما يصفه بظاهرة متكررة، وهو ما يثير، في رأيه، أسئلة حول طريقة عمل وزارة الداخلية ومدى فعالية محاسبة من يرتكبون التجاوزات. ويطالب بوجود جهات رقابية مستقلة تتابع أداء الوزارة وغيرها من المؤسسات الحكومية، إلى جانب إعادة هيكلة الجهاز الأمني واعتماد القواعد الدولية الناظمة لعمل الأجهزة الأمنية، بما يشمل الرقابة الحقوقية والمجتمعية.
كما يشدد ديوب على ضرورة وجود رقابة فعلية من جانب "مجلس الشعب" على السلطة التنفيذية، بما في ذلك مساءلة وزير الداخلية عن التجاوزات المتكررة، معتبراً أن الرقابة الشعبية والمجتمعية تمثل جزءاً أساسياً من منع تكرار مثل هذه الوقائع.
وهذه المخاوف لا تنبع من فراغ. فقد ارتبط تاريخ الأجهزة الأمنية السورية في عهد نظام الأسد بملفات الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري، وهي ممارسات تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجمعية للسوريين. ولذلك، فإن أي حديث عن ضرب أو سوء معاملة داخل مركز احتجاز لا يُنظر إليه باعتباره تجاوزاً أمنياً عادياً، بل يستحضر مباشرة تجربة آلاف المعتقلين وعائلاتهم.
من جانبه، قال المحامي غزوان قرنفل لـ"العربي الجديد" إنه لا يمكن، ومن غير المقبول، توصيف ما حصل على أنه تجاوز أو مخالفة، وكأنه يراد تحجيم الأمر لمجرد مساءلة مسلكية، فيما التوصيف القانوني، برأيه، أن هذا الفعل "جريمة جنائية مكتملة الأركان، وهي جريمة تعذيب أفضى إلى القتل، ما يوجب مساءلة كافة عناصر المخفر، كل حسب دوره في تلك الجريمة، قضائياً وعلناً".
وأضاف قرنفل أن تشكيل لجنة من عناصر وزارة الداخلية نفسها "لا يشي بالخير في هذا الأمر، فلا يجوز أن تكون نفس الجهة هي الجاني والمحقق والقاضي"، وشدد على ضرورة تشكيل لجنة مشتركة من النيابة العامة ومن ممثلي بعض المنظمات الحقوقية للتحقيق بالأمر وإصدار تقرير بشأنها يترافق مع تحريك الدعوى العامة بحق الجناة.
وقال إن التأسف لا يعيد الحياة للضحية ولا يعوض أهله وأسرته. وما لم يدفع الجناة ثمن جريمتهم، سوف تتكرر هذه الجرائم، وهي ليست الأولى على أي حال، وتصير نهجاً سلطوياً مستنسخاً عن النظام السابق. وفي هذا السياق، تقول منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، في تقرير لها صدر في 13 الشهر الجاري، إنها وثقت خلال الفترة الممتدة من حزيران/يونيو 2025 إلى حزيران/يونيو 2026 حالات تعرض فيها أشخاص للتعذيب أو الوفاة أثناء الاحتجاز، مستندة إلى 19 شهادة ومراجعة بيانات رسمية وتقارير حقوقية وإعلامية. وتقول المنظمة إن الشهادات التي جمعتها تشير إلى استمرار ممارسات مثل الضرب والإذلال والتهديد والحرمان من الاحتياجات الأساسية، إضافة إلى حالات وفاة داخل مراكز احتجاز رسمية وغير معلنة.
لكن أهمية هذه المعطيات لا تكمن في إثبات أن جميع المؤسسات الأمنية تعمل بالطريقة ذاتها، ولا في افتراض وجود سلسلة قيادة واحدة تقف وراء كل الانتهاكات، بل تكشف، بحسب التقرير، عن مشكلة أكثر تعقيداً تتمثل في تعدد جهات الاحتجاز والمرافق، وغياب بعض الضمانات الأساسية، وصعوبة تتبع المسؤولية عندما ينقل المحتجز من مكان إلى آخر من دون سجلات واضحة. وهنا تلتقي قضية غميرة مع جوهر ما يقوله عبد الغني: منع التعذيب لا يبدأ بعد وقوع الجريمة، وإنما منذ لحظة توقيف الشخص. فمن الضروري، بحسبه، إنشاء سجل وطني مركزي وفوري للمحتجزين، يتضمن وقت ومكان القبض وسببه والجهة التي نفذته ومكان الاحتجاز وعمليات النقل وهوية المحققين والحراس. كما يجب حظر الاحتجاز والاستجواب في المواقع غير المعلنة، وضمان الاتصال الفوري بالمحامي والعائلة، وإجراء فحص طبي مستقل، وتسجيل التحقيقات صوتاً وصورة.
ويشدد عبد الغني كذلك على أن ادعاءات التعذيب أو الوفاة داخل الاحتجاز يجب ألا تحقق فيها الجهة نفسها التي قد تكون موضع اتهام. فالتحقيق المستقل، بمشاركة النيابة والقضاء والخبراء الطبيين الشرعيين المستقلين، هو شرط للوصول إلى الحقيقة. كما ينبغي تعليق العناصر المشتبه في تورطهم عن المهام التي قد تؤثر في التحقيق، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ضمانات المحاكمة العادلة. ومن وجهة نظر حقوقية، فإن القضية تتجاوز غميرة نفسه إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة الدولة التي يجري بناؤها في سورية. فالثورة السورية قامت، بين أهدافها الأساسية، على رفض القمع والإذلال والاعتقال التعسفي. وإذا أصبحت مراكز الشرطة أو الأجهزة الأمنية مصدراً للخوف من جديد، فإن المشكلة لن تكون حادثة فردية فحسب، بل ضربة للثقة التي تحاول الدولة الجديدة بناءها.
وقد عبر عضو مجلس الشعب علي داود، وهو معتقل سابق تعرض للتعذيب في سجون نظام الأسد، عن هذا البعد بوضوح، معتبراً في منشور له على "فيسبوك" أن سماع أخبار عن واقعة تعذيب أفضت إلى الموت يعيد إلى الناجين من الاعتقال جراحاً لم تندمل. ودعا إلى أن تكون المؤسسة الأمنية في سورية الجديدة حامية للإنسان والقانون، لا مصدراً للخوف والألم، مؤكداً أن نجاح المرحلة الانتقالية يقاس بقدرة الدولة على حماية المواطنين ومحاسبة من ينتهك حقوقهم.
وتبدو هذه النقطة جوهرية، فالسوريون لا ينتظرون فقط معرفة من المسؤول عن وفاة غميرة، وإنما يريدون معرفة ما إذا كانت الدولة قادرة على منع حادثة مشابهة في المستقبل. فالعدالة في مثل هذه القضايا لا تكتمل بمجرد توقيف عدد من العناصر أو إصدار بيانات إدانة، بل تحتاج إلى إصلاح مؤسسي يجعل التعذيب أكثر صعوبة، ويجعل اكتشافه ومحاسبة مرتكبيه أمراً حتمياً. ويطرح ذلك الحاجة إلى رقابة مستقلة على أماكن الاحتجاز، وسجلات يمكن للقضاء مراجعتها، وفحوص طبية مستقلة، ووصول سريع إلى المحامي والأسرة، وكاميرات وتسجيلات للاستجوابات، وآليات آمنة للشكاوى، إضافة إلى تدقيق نزاهة العاملين في الشرطة والأمن والسجون قبل تعيينهم أو ترقيتهم.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية أكبر في بلد يحمل إرثاً ثقيلاً من الانتهاكات. فالمطلوب ليس فقط تغيير أسماء المؤسسات أو المسؤولين، وإنما تغيير العلاقة نفسها بين المواطن والجهاز الأمني: من علاقة تقوم على الخوف إلى علاقة تحكمها القوانين والحقوق والمساءلة. لذلك، فإن قضية محمد غميرة قد تصبح، إذا جرى التعامل معها بشفافية، فرصة لإثبات أن سورية الجديدة قادرة على التعلم من ماضيها وعدم تكراره. أما إذا انتهت التحقيقات إلى بيانات عامة أو محاسبة محدودة من دون كشف واضح للوقائع والمسؤوليات، فقد يتحول الحادث إلى مصدر إضافي للشك والخوف. وفي بلد خرج لتوه من عقود من حكم أمني، لا يمكن بناء الثقة بالكلمات وحدها. ما سيحسمها هو ما يحدث داخل غرف الاحتجاز، ومن يراقبها، ومن يستطيع مساءلة من يعمل فيها. وبينما تبقى المسؤولية النهائية عن وفاة غميرة مرتبطة بنتائج التحقيق، فإن الغضب الذي أثارته القضية يؤكد أن السوريين يريدون أن تكون مؤسسات الدولة الجديدة مختلفة جذرياً عن تلك التي ثاروا عليها، وأن تكون حماية كرامة الإنسان معياراً لا شعاراً.