وزير خارجية الصين في سيول: تطلعات نحو انفراجة في شبه الجزيرة الكورية
يبدأ وزير الخارجية الصيني وانغ يي، اليوم الأربعاء، زيارة رسمية إلى كوريا الجنوبية تستمر يومين، يجري خلالها محادثات مع نظيره الكوري الجنوبي تشو هيون، ويلتقي الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ. وتُعد هذه الزيارة الأولى لوانغ يي إلى سيول منذ نحو خمس سنوات، وتحديداً منذ سبتمبر/أيلول 2021.
وبحسب وكالة أنباء يونهاب الكورية الجنوبية، فإن تشو هيون ووانغ يي سيجريان "محادثات لتبادل وجهات النظر على نحو معمق حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك العلاقات الثنائية بين كوريا الجنوبية والصين، والوضع في شبه الجزيرة الكورية، والقضايا الدولية الساخنة. وستُطلع الحكومة الكورية، وانغ يي، على رؤية لي جاي ميونغ بشأن "الحوار متعدد الأطراف لإنهاء الحرب الكورية"، التي طرحها في خطابه بمناسبة الذكرى الحادية والثمانين للتحرير.
وتأتي الزيارة بعد أيام من دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، ما أثار موجة من القلق بين حلفاء أميركا في آسيا. وكان ترامب قد قدّم عدة مبررات لهذا الموقف، من بينها اعتبارات توفير التكاليف، وبادرة حسن نية تجاه كوريا الشمالية، وعدم الرضا عن رفض سيول الانضمام إلى الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التحركات تهدد بالإضرار بتنسيق التحالف، ما يثير قلقاً بين الشركاء الإقليميين ويمنح الصين فرصة استراتيجية لإضعاف شبكة الشراكات الإقليمية الأميركية، خاصة بعد إعلان ترامب، يوم الاثنين، أن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون قد استجاب لمبادراته الأخيرة، ووصف الوضع الحالي للتواصل بأنه إيجابي للغاية. واستناداً إلى ذلك، فإن هذه الخطوة، وفق هؤلاء، تشجع على مزيد من الانخراط الدبلوماسي بين الولايات المتحدة والصين بشأن كوريا الشمالية.
في المقابل، تسود حالة من التفاؤل في بكين بشأن زيارة وانغ يي، إذ من المتوقع أن يؤكد وزير الخارجية الصيني دعم بلاده المبادرة الدبلوماسية لكوريا الجنوبية الهادفة إلى إطلاق محادثات سلام متعددة الأطراف تشمل كوريا الشمالية. ولطالما توقعت سيول أن تلعب الصين دوراً في إعادة بيونغ يانغ إلى طاولة المفاوضات، في ظل تجاهل الأخيرة دعوات سيول المتكررة لتحسين العلاقات بين الكوريتين.
اشتراطات صينية
وفي تعليقه على ذلك، قال أستاذ الدراسات السياسية في معهد قوانغ دونغ، لين تشين، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن موقف الصين من الأزمة في شبه الجزيرة الكورية كان واضحاً منذ البداية، من خلال تكرار دعوتها إلى حل كل الخلافات عبر طاولة المفاوضات والقنوات الدبلوماسية. وأضاف أن زيارة وانغ يي تأتي في هذا الإطار، وفي خضم مؤشرات إيجابية من جميع الأطراف، بدءاً من الرئيس الأميركي الذي أبدى استعداده وانفتاحه على الحوار مع الزعيم الكوري الشمالي، وكذلك كوريا الجنوبية التي ترغب في دور صيني في مسألة الوساطة، من أجل تقريب وجهات النظر وتضييق الفجوة بين الجانبين.
دونغ: بكين قد تستغل تذمر ترامب من حلفائه في المنطقة للحد من انخراط سيول في تحالفات عسكرية وأمنية تضر بالمصالح الاستراتيجية الصينية
ومع ذلك، أشار لين إلى أن بكين قد تستغل تذمر ترامب من حلفائه في المنطقة، خاصة كوريا الجنوبية، بعد أن دعا إلى تقليص التدريبات المشتركة، للحد من انخراط سيول في تحالفات عسكرية وأمنية تضر بالمصالح الاستراتيجية الصينية، وقد تجعل ذلك شرطاً للدفع باتجاه حث بيونغ يانغ على الاستجابة لدعوات الطرفين إلى الجلوس على طاولة المفاوضات ومناقشة الملفات والقضايا الخلافية الشائكة. وقال إن تزامن الزيارة مع الدعوة إلى تقليص المناورات المشتركة بين سيول وواشنطن يعزز أوراق بكين، لأنها تأتي في ظل تقويض الثقة بالمظلة الأمنية الأميركية في المنطقة، والقلق الذي يساور الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة.
مدى استجابة بيونغ يانغ
من جهته، يعتقد الباحث في الشأن الكوري بجامعة تايبيه الوطنية، فيكتور وانغ، في حديث مع "العربي الجديد"، أن دفع كوريا الشمالية نحو الحوار لن يكون أمراً سهلاً، حتى لو كان الوسيط صينياً، مشيراً إلى أن لدى بيونغ يانغ العديد من الأسباب لرفض المبادرة الأميركية والدعوات الكورية الجنوبية. فهي ليست الدولة ذاتها التي كانت تفاوض قبل عقد من الآن، بالنظر إلى تعزيز قدرات جيشها العسكرية، وتقدم ترسانتها الصاروخية وبرامجها النووية، فضلاً عن التحالف الأمني مع روسيا. وكل هذه العوامل تجعل كوريا الشمالية في موقف قوي يمنحها هامشاً كبيراً من المراوغة والمناورة.
وانغ: دفع كوريا الشمالية نحو الحوار لن يكون أمراً سهلاً، حتى لو كان الوسيط صينياً
وأضاف أن هناك أيضاً عوامل أخرى لها علاقة بالحرب الأميركية على إيران والمفاوضات المتعثرة بين الجانبين بسبب التعنّت الأميركي ورفض طهران تقديم تنازلات لترامب؛ وهذا ربما يعطي النظام في بيونغ يانغ صورة عن مسار المفاوضات، ويقدم انطباعاً بأن أي انخراط في حوار مع الإدارة الأميركية قد يكون مضيعة للوقت، خاصة في ظل تقلب المزاج الأميركي في عهد ترامب، الذي لم يبقَ له الكثير من الوقت في البيت الأبيض.
يشار إلى أن ترامب دأب على انتقاد حلفاء الولايات المتحدة خلال ولايته الثانية، ما زاد من المخاوف بشأن موثوقية التزامات واشنطن ودفع الشركاء نحو الاعتماد على الذات والتحوط الاستراتيجي. وفي إشارة إلى الطمأنة، استغل وكيل وزارة الدفاع الأميركية لشؤون السياسة، إلبريدج كولبي، جولته الأولى في جنوب شرق آسيا الأسبوع الماضي، للتأكيد أن واشنطن لا تنسحب من آسيا، بل تتعمق في انخراطها للحفاظ على توازن قوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لكنه أضاف أن واشنطن تعطي الأولوية لتقاسم الأعباء، لأنها أدركت أن حلفاءها قادرون ومستعدون لفعل المزيد.