واشنطن تواصل حربها على المحكمة الجنائية الدولية لأجل إسرائيل
واشنطن غير موقعة على ميثاق المحكمة الجنائية الدولية
يقود سي فريق الادعاء المكلّف بالتحقيق في جرائم الحرب في قطاع غزة
لم تتردّد الولايات المتحدة في مواصلة حربها ضدّ المحكمة الجنائية الدولية على خلفية تحقيقات الأخيرة في جرائم الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزّة؛ وبعد استهدافها سابقاً رئيس المحكمة المعزول كريم خان، فرضت واشنطن، غير الموقعة على ميثاق المحكمة، عقوبات على الرئيسة اليابانية الجديدة، توموكو أكاني، ونائب المدعي العام الحالي للمحكمة السنغالي عبد الله سي، مساء أمس الثلاثاء.
وجاهرت واشنطن، في التأكيد على أنّ عقوباتها جاءت، بسبب التحقيق في جرائم إسرائيل، وإصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين فيها متورّطين بجرائم الإبادة.
وتشغل أكاني (70 عاماً) منصب قاضية في المحكمة منذ عام 2018، وانتُخبت رئيسة لها في مارس/آذار 2024. أما سي فيقود فريق الادعاء المكلّف بالتحقيق في جرائم الحرب في قطاع غزة، وهو الفريق نفسه الذي سعى لإصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين بارزين، على رأسهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن السابق يوآف غالانت.
وحول العقوبات، ذكر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في بيان، مساء أمس الثلاثاء، أن أكاني وسي "شاركا مباشرة في جهود المحكمة الجنائية الدولية الرامية إلى التحقيق مع مسؤولين لم تقبل حكوماتهم ولاية المحكمة أو توقيفهم أو احتجازهم أو محاكمتهم". وأضاف روبيو أن "المحكمة الجنائية الدولية هيئة فوق وطنية فاسدة ومسيّسة للغاية"، مضيفاً أنها "أساءت استخدام سلطتها بسوء نية وتجاوزت نطاق ولايتها... لن نتسامح مع تقويض سيادة الدول".
تُعدّ العقوبات في المقام الأول رداً على تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية بشأن إسرائيل
وتُعد العقوبات في المقام الأول رداً على تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية بشأن إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة. وأصدرت المحكمة عام 2024 مذكرتَي توقيف بحق نتنياهو وغالانت، على خلفية الحرب في غزة. وعقب الإعلان عن العقوبات الأميركية، هنأ نتنياهو ماركو روبيو على "قيادته لجهود إدارة ترامب الحازمة ضد انتهاكات المحكمة الجنائية الدولية غير المشروعة، وتشديده على أن المسؤولين الفاسدين الذين يديرون المحكمة سيواجهون عواقب أفعالهم".
وتفرض العقوبات الأميركية على أكاني وسي قيوداً تشمل تجميد الأصول وحظر السفر وفرض قيود على الخدمات التي تقدمها الشركات والمؤسسة الأميركية. وتعرقل العقوبات أي معاملات مالية أو عقارية تشمل الأشخاص المدرجين عليها في الولايات المتحدة. وتؤثر أيضاً في قدرة المستهدفين على إجراء معاملات مالية اعتيادية، إذ يتعين على المصارف التي لها صلات بالولايات المتحدة أو التي تجري معاملات بالدولار الالتزام بالعقوبات. وسبق لإدارة سيد البيت الأبيض أن فرضت عقوبات على ما لا يقل عن 11 مسؤولاً في المحكمة، بينهم تسعة قضاة والمدعي العام للمحكمة كريم خان. يمثل هذا الإجراء أحدث حلقة في حملة أميركية متواصلة ضد المحكمة، التي بدأت في ولاية ترامب الأولى (2017 ـ 2021) وتجددت بقوة بعد عودته للسلطة، رداً على تحقيقات تتعلق بالقوات الأميركية في أفغانستان.
ورداً على العقوبات الأميركية الأخيرة، رأت المحكمة أن "الإجراءات التي تستهدف القضاة والمدّعين العامّين والموظفين العاملين على تنفيذ الولاية الموكلة إلى المحكمة الجنائية الدولية من جانب الدول تُقوّض سيادة القانون". وتابعت في بيان، مساء الثلاثاء: "عندما يتعرض مسؤولون قضائيون للتهديد، بسبب تطبيقهم للقانون، فإن النظام القانوني الدولي بحد ذاته يصبح عرضة للخطر". ولفتت إلى أن هذه الإجراءات "لن تردعها"، مؤكدة أنها "تقف بحزم بجانب موظفيها وبجانب ضحايا فظائع لا يمكن تصوّرها".
بدورها، أعربت هولندا، مقرّ المحكمة، عن رفضها العقوبات الجديدة. وقال وزير خارجيتها توم بيرندسن، اليوم الأربعاء، في تصريحات صحافية إن بلاده "لا توافق على أحدث العقوبات المفروضة على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وموظفيها"، مؤكداً أن المحاكم والهيئات القضائية الدولية يجب أن تكون قادرة على تأدية مهماتها بحرية.
من جانبها، عدّت اليابان، اليوم الأربعاء، أن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية "مؤسفة جداً". وذكرت وزارة الخارجية اليابانية في بيان، أن طوكيو "دعمت باستمرار المحكمة الجنائية الدولية في جهودها الرامية إلى ملاحقة مرتكبي أخطر الجرائم، التي تثير قلق المجتمع الدولي ومعاقبتهم، ودعم سيادة القانون. ومن هذا المنطلق، فإن الإجراءات المعلنة مؤسفة جداً".
هنأ نتنياهو روبيو على العقوبات بالقول: "المسؤولون الفاسدون الذين يديرون المحكمة سيواجهون عواقب أفعالهم"
وسبق للولايات المتحدة، وهي ليست طرفاً في المعاهدة الدولية المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، أن فرضت عقوبات تستهدف مسؤولين في الهيئة القضائية التي تتخذ مقراً في لاهاي بهولندا، لكنها لم تستهدف سابقا رئيسة المحكمة التي تتحدر من بلد حليف رئيسي. وشنت واشنطن خلال الشهر الماضي حملة دبلوماسية كبيرة ضد المحكمة الجنائية الدولية، متهمة إياها بـ"تهديد" الولايات المتحدة والضغط على شركائها للانسحاب منها. وأقدمت تشاد وفنزويلا اللتان تربطهما علاقات وثيقة بواشنطن منذ اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس بعد اختطافهما من كاراكاس في الثالث من يناير/كانون الثاني الماضي، على الخطوة نفسها من خلال الإعلان عن نيتهما الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية. وسبق أن دعا روبيو أخيراً الدول الـ125 الأعضاء في المحكمة إلى الانسحاب منها، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجريد الهيئة من شرعيتها الدولية "لبنة لبنة".
إدانة من منظمات حقوقية
في المقابل، أدانت منظمات حقوقية بارزة هذه الإجراءات، ورأت ليز إيفنسون من "هيومن رايتس ووتش"، اليوم الأربعاء، أن الحملة تهدف إلى توفير "بطاقة خروج من السجن من دون عقاب" للمرتكبين المحتملين للجرائم الدولية. وواجهت العقوبات الأميركية طعوناً قانونية داخلية، حيث رفع ثلاثة قضاة دوليين، هم كيمبرلي بروست وسولومي بالونغي بوسا ورين ألابيني غانسو، دعوى أمام محكمة اتحادية في نيويورك. وجاءت الدعوى اعتراضاً على ما وصفوه بالضغوط غير القانونية الرامية للتأثير على الاستقلالية القضائية، بينما دفعت الإدارة الأميركية بشرعية إجراءاتها مستندة إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية (IEEPA). كما رفعت أربع منظمات أميركية، بما فيها معهد المجتمع المفتوح ولجنة أصدقاء الخدمة الأميركية، دعوى مشابهة تعترض على عرقلة عملها مع المحكمة في قضايا الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
تأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 1998 وبدأت عملها سنة 2002، وهي مكلّفة بمحاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم العدوان، وجرائم الحرب في الدول الأعضاء أو الحالات المحالة من مجلس الأمن. إلا أن غياب عضوية قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا والصين، يظل مصدر نقد دائم لشرعيتها وفعاليتها، وهو ما تستغله الإدارة الأميركية الحالية لتعزيز موقفها الرافض لاختصاصاتها. في 17 مارس 2023، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على خلفية الحرب في أوكرانيا، ما دفع موسكو إلى إصدار مذكرات توقيف مماثلة بحق مسؤولين كبار في المحكمة.