"واشنطن بوست" تكشف تفاصيل عملية أميركية لتقليل الأفيون في أفغانستان

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 19:57 (توقيت القدس)
جنود أميركيون في أفغانستان، 19 فبراير 2002 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- نفذت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية برنامجاً سرياً بين 2004 و2015 في أفغانستان، استهدف محاصيل الخشخاش ببذور معدلة وراثياً لتقليل إنتاج الأفيون، دون علم الحكومة الأفغانية.
- جاء البرنامج نتيجة فشل الحملة الشاملة لمكافحة المخدرات، وتطلب سنوات من البحث الزراعي السري، حيث زُرعت البذور في الولايات المتحدة قبل إلقائها في أفغانستان.
- رغم التكاليف الباهظة، كانت فعالية البرنامج محل جدل، ومع انسحاب الولايات المتحدة عام 2021، استمرت تجارة الهيروين رغم حظر طالبان وانخفاض الزراعة بنسبة 95% بحلول 2023.

كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية، اليوم الأربعاء، عن برنامج سرّي للغاية نفذته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" في أفغانستان استمر لأكثر من عقد من الزمن، استهدف محاصيل الخشخاش الأفغانية من خلال إلقاء بذور معدلة بالتزامن مع إلقاء القنابل والصواريخ من الجو، بهدف تقليل إنتاج الأفيون في البلاد. وبحسب الصحيفة، بدأ البرنامج السري عام 2004 واستمر حتى حوالي 2015، حيث ألقت طائرات تابعة للوكالة بذور خشخاش معدلة وراثياً فوق حقول المزارعين الأفغان. هذه البذور، التي لم تحتوِ تقريباً على مورفين، كانت مصممة لتنبت مبكراً وتنتج أزهاراً حمراء زاهية جذابة للمزارعين، لكنها لا تصلح لإنتاج المخدرات.

وأشارت الصحيفة إلى أن البرنامج كان محاطاً بسرية شديدة لدرجة أن الحكومة الأفغانية برئاسة حامد كرزاي لم تُبلّغ عندما بدأت الوكالة تنفيذه، وليس من الواضح ما إذا كان المسؤولون الأفغان قد علموا به لاحقاً. كما أنّ أنطونيو ماريا كوستا، الذي ترأس مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بين 2002-2010، أخبر الصحيفة بأنه سمع همسات عن برنامج مشابه لكنه لم يحصل على تأكيد أبداً.

وفقاً للصحيفة، جاء البرنامج في سياق فشل ذريع للحملة الشاملة لمكافحة المخدرات في أفغانستان، والتي كانت محكومة بالخلافات بين الوكالات الأميركية، وصدامات بين الولايات المتحدة وحلفائها بما في ذلك بريطانيا، ودعم متقطع من الحكومة الأفغانية، وتغلغل زراعة الخشخاش في ثقافة واقتصاد الريف الأفغاني. وذكرت الصحيفة أن البرنامج تطلّب سنوات من البحث الزراعي السري، حيث كانت البذور تُزرع في موقع داخل الولايات المتحدة، وتُهجّن مع نباتات خشخاش طبيعية لاختبار النتائج، ثم تُنتج بكميات ضخمة. وكان التوقيت حاسماً، إذ كانت البذور تُلقى في أواخر الخريف عندما يبدأ المزارعون الأفغان بزراعة بذورهم الخاصة.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز سابق مطلع على البرنامج قوله إنه كان يجب التأكد من أن البذور "لا تبرز كثيراً" حتى لا يلاحظ مزارعو الخشخاش في أفغانستان أمراً غريباً، ولكن أيضاً أنها "بمرور الزمن تصبح المحصول السائد" أو السلالة المهيمنة. وأوضحت الصحيفة أن البرنامج كان جزءاً من جهود أوسع لمكافحة تجارة المخدرات الأفغانية، في وقت كانت إدارة جورج بوش الابن تدفع باتجاه الرش الجوي بالمبيدات على غرار ما حدث في كولومبيا. لكن هذا الاقتراح واجه معارضة شديدة من البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية والحكومة البريطانية والمسؤولين الأفغان، الذين حذروا من أن المواد الكيميائية قد تلوث المياه الجوفية وتؤذي جهود كسب دعم السكان المحليين.

وكشفت الصحيفة عن تفاصيل طريفة، منها أن السفير الأميركي في أفغانستان ويليام وود، الذي كان مصمماً على الرش بالمبيدات، عرض أن يجلس مرتدياً سروال سباحة في حوض من مبيد الغليفوسات في ساحة عامة بكابول ليثبت سلامته. وبحسب الصحيفة، كان البرنامج مكلفاً للغاية واستنزف ميزانية مركز الجريمة والمخدرات التابع للوكالة. وفي سنواته الأخيرة، تكفلت وزارة الخارجية الأميركية بتكاليف وقود الطائرات وصيانتها، لكنها لم تُجرِ إسقاطات.

وأشارت الصحيفة إلى أن تقييم تقدّم البرنامج كان يتم بعدة طرق، منها المراقبة الجوية وصور الأقمار الاصطناعية التي أظهرت أن المزارعين يخلون حقولهم من النباتات غير المنتجة، والتنصت الإلكتروني الذي التقط محادثات بين مزارعي الأفيون، وحتى تفتيشات ميدانية أحياناً حيث كان مسؤولون أميركيون يزورون الحقول متخفين. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين سابقين آراء متباينة حول فعالية البرنامج. فبينما قال بعضهم إنه كان ناجحاً لبعض الوقت ومثالاً على "التفكير الإبداعي خارج الإطار"، رأى آخرون أنه لم يحقق انخفاضاً دائماً في إنتاج الأفيون الأفغاني وساعد صانعي السياسات على تجنب اتخاذ قرارات صعبة.

وأوردت الصحيفة أنه عندما كان البرنامج على وشك الانتهاء حوالي 2015، ناقش المسؤولون الأميركيون استخدام نفس الطريقة في المكسيك، لكن الخطة رُفضت لأن الخشخاش هناك يُزرع في قطع أراض صغيرة وتضاريس جبلية يصعب استهدافها جواً. واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة أنفقت نحو 9 مليارات دولار منذ 2001 في محاولة وقف تدفق الهيروين من أفغانستان، دون تحقيق نجاح دائم. وعندما انسحبت من أفغانستان عام 2021، كانت تجارة الهيروين تمثل بين 9-14% من الناتج المحلي الإجمالي الأفغاني. وبعد عودة طالبان للسلطة وحظرها إنتاج الأفيون، انخفضت الزراعة بنسبة 95% بحلول 2023، لكنها عادت للارتفاع بنسبة 19% العام الماضي، متحولة نحو مناطق جديدة بعيداً عن المناطق التي استهدفتها "سي آي إيه".