هواجس أميركية من تآكل تدريجي لمفاعيل العدوان على فنزويلا

06 يناير 2026   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
تظاهرة في سيول ضد ترامب، 5 يناير 2026 (جونغ ييون ـ جي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تواجه الولايات المتحدة تحديات في تحقيق استقرار سياسي في فنزويلا، مع تعقيدات ميدانية تهدد بفتح جبهة استنزاف جديدة.
- أثار التدخل الأمريكي انقساماً داخلياً في الولايات المتحدة، حيث انتقد بعض السياسيين العملية لعدم موافقة الكونغرس، مما يعكس قلقاً من تكرار سيناريوهات التدخلات السابقة.
- تتزايد المخاوف من فوضى أو حرب أهلية في فنزويلا، مع ثلاثة سيناريوهات محتملة: انتخابات غير مضمونة، استمرار الأنشطة الإجرامية، أو صراع أجنحة بين أركان السلطة.

بعد نشوة أولى رافقت الاقتحام السريع الذي نفذته وحدة "دلتا فورس" في كاراكاس واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، السبت الماضي، واندفاع سياسي وإعلامي للاحتفاء بما عُدّ "حسماً سريعاً"، بدأت الأسئلة الصعبة تفرض نفسها في الولايات المتحدة على وجه الخصوص حول قابلية تحويل "الإنجاز العسكري" كما يصوره ترامب إلى سيطرة سياسية مستقرة تتيح له تحقيق رؤيته التي يتفاخر بها من حكم فنزويلا إلى سرقة نفطها وثرواتها تحت عنوان عريض وضعه هو "استرداد أموالنا". وبينما يروّج ترامب لفرض أمر واقع، تشير الوقائع في فنزويلا إلى مسار أكثر تعقيداً، ما يهدد بفتح جبهة استنزاف جديدة لا يملك البيت الأبيض ضمانات حقيقية للسيطرة على نتائجها وهو ما قد يفضي إلى تبدد تدريجي لمفاعيل العدوان.

وعلى الرغم من ترويجه في اليومين الماضيين أن بلاده "تدير فنزويلا"، مانحاً الفرصة للرئيسة المؤقتة، ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو، للحكم، غير أن المعطيات لا تشي بإمكانية تحقّق أهداف الرئيس الأميركي، على الأقل بالسرعة التي يتصورها، إذ إن تعويل ترامب على أركان مادورو من دون الأخير، محفوف بالمخاطر.

قلق ترامب المخفي

وبعد يومين على بروز بوادر تبريد على الصعيد الميداني في فنزويلا، أظهر ترامب قلقاً دفيناً من مستقبل حراكه في فنزويلا، وذلك من خلال رفعه نبرة التهديد ضد مفاتيح النظام الفنزويلي، والترويج لاستخدام القوة ضد غرينلاند، والتلويح بقرب سقوط النظام في كوبا، ومهاجمة الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو وانتقاد الصومال والتلويح بضرب إيران و"عدم الرضى" عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يبغي ترامب من خلال رفع صوته إلى بث الذعر في قلوب مسؤولي تلك الدول، من أجل الانصياع له، تحت شعار "هناك شريف جديد في البلدة"، وفقاً لما قال السيناتور الجمهوري المؤيد لترامب، ليندسي غراهام. غير أن ذلك يدلّ أيضاً على توّرط ترامب في مستنقع فنزويلي فعلي، إذ إنه على الرغم من الصلافة والغطرسة وعبارات القوة التي يستخدمها، إلا أن المشكلة حاضرة ولا يمكن تجاهلها. وقد يكون تسريع ترامب فرض إرادته في فنزويلا غير متناسب مع الوقائع الميدانية البطيئة بحكم التطورات، مما سيجعله مشرعاً أمام جبهتين. جبهة داخلية أميركية، مستعدة للتفكك من حوله في حال فشل خياره الفنزويلي، حتى من أركان حزبه الجمهوري، وجبهة خارجية متعلقة بفنزويلا بالذات، والتي لم يتفكك نظامها بل التفّت كياناته المؤثرة حول رودريغيز، تحديداً الجيش، ولم يرفع العلم الأبيض بل يسعى لرسم مسار فنزويلا ما بعد مادورو، قد لا ترضي ترامب.


نيويورك تايمز: الهجوم الأميركي ضد فنزويلا تسبب في انقسام بين مؤيدي ترامب

في الجبهة الداخلية، كان لافتاً كشف صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أمس الاثنين، أن الهجوم الأميركي ضد فنزويلا تسبب في انقسام بين مؤيدي ترامب. أبرز المرحبين، كان ستيف بانون، مستشار ترامب السابق، الذي أشاد بالطريقة التي نُفِّذت بها العملية العسكرية في فنزويلا في برنامجه الصوتي "غرفة الحرب". ومع ذلك، قال بانون إنه لم يتم توجيه رسالة واضحة بشأن التدخل العسكري، الأمر الذي أثار غضب قاعدة ترامب الشعبية ودهشتها. من جانبها، صرحت المؤثرة الأميركية على مواقع التواصل الاجتماعي كانديس أوينز في تدوينة على منصة إكس، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه): "تشنّ غزواً عدائياً آخر على دولة جديدة" بتحريض من "مختلين عقلياً عالميين". وقارنت أوينز التي دعمت ترامب في حملته الانتخابية عام 2024، التدخل العسكري بالعمليات الأميركية في سورية وأفغانستان والعراق.

واتهمت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين إدارة ترامب بالتقصير في خدمة الشعب الأميركي. أما لدى الحزب الديمقراطي، فقد اعتبر زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، أن شنّ عملية عسكرية من دون موافقة الكونغرس الأميركي يُعد "تصرفاً طائشاً"، وأضاف شومر أن على إدارة ترامب إبلاغ الكونغرس فوراً بخططها المستقبلية، محذراً من أن "هذا الوضع قد يجر البلاد إلى حرب". من جانبه، كشف السيناتور الديمقراطي تيم كاين أن مجلس الشيوخ سيصوّت في الأيام المقبلة على مشروع قانون صلاحيات الحرب، بهدف منع العمليات العسكرية التي ينفذها ترامب ضد فنزويلا، كما قال السيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز: "ليس لرئيس الولايات المتحدة الحق في جرّ هذا البلد إلى الحرب من جانب واحد".

وحيال هذه التطورات، يستعجل ترامب دفع الأمور قدماً، عبر مواظبته على تأييده تحول رودريغيز إلى حاكمة لكاراكاس، وإن أسبغ على هذا التأييد منطق التهديد، من قبيل قوله، مساء الأحد: "لا تسألوني من المسؤول (في فنزويلا)، لأنني سأعطيكم إجابة ستكون مثيرة للجدل جداً… هذا يعني أننا نحن المسؤولون. نحن من يتولى الأمر". لكن هذه النزعة التسلطية تخفي خلفها مؤشرات على أن حكم فنزويلا لن يكون نزهة. وبدأت إدارة ترامب تواجه فعلياً تعقيدات ما بعد مادورو، في سعيها لتأمين مصدر مستقر للسلطة في كاراكاس، وتحاول تجنب عمليات تطهير للمسؤولين الكبار قد تؤدي إلى انهيار الحكومة واندلاع اضطرابات أهلية، ما قد يحوّل أحدث انتصارات ترامب إلى كارثة سياسية في عام انتخابات نصفية داخل الولايات المتحدة.

وقد تزامنت الجهود المتسارعة في واشنطن لصياغة مسار قابل للحياة في فنزويلا مع غضب متصاعد بين الديمقراطيين بسبب فشل ترامب في طلب تفويض من الكونغرس لِما بدا وكأنه عمل حربي. وتشير المؤشرات الأولية إلى أن الجمهوريين يقفون بثبات، لكن سيستغرق الأمر وقتاً لمعرفة ما إذا كانت تلك المغامرة الجديدة في السياسة الخارجية ستعمّق الانقسامات داخل صفوف الجمهوريين. وإدراكاً منها أن مسألة فنزويلا أثارت قلقاً من تكرار نموذج الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، خصوصاً أن ترامب نفسه انتقد التدخل الأميركي في العراق، تحركت الإدارة الأميركية لتوضيح تصورّاتها وتبديد الهواجس. وهو ما دفع وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الدعوة لرفض المقارنات بالعراق، واصفاً من يفعل ذلك بـ"مهرج الساعة".

وقال روبيو في تصريحات صحافية، مساء الأحد، إنه "نريد أن يتوقف تهريب المخدرات. نريد ألا يأتي إلينا مزيد من أفراد العصابات. لا نريد أن نرى الوجود الإيراني، وبالمناسبة الكوبي، كما كان في الماضي". وأضاف: "نريد أن لا تذهب صناعة النفط في ذلك البلد لمصلحة القراصنة وأعداء الولايات المتحدة، بل لمصلحة الشعب… ونحن نصرّ على أن يحدث ذلك". بدوره، أكد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، السبت الماضي، أن تدخل بلاده في فنزويلا واحتجاز رئيسها نيكولاس مادورو هو "العكس تماماً" لغزو الولايات المتحدة للعراق. وأشار هيغسيث إلى أن غزو العراق كلف واشنطن ثمناً باهظاً من الدماء، ولم تحصل في المقابل على أي عائد اقتصادي منه، مضيفاً: "لكن الرئيس ترامب قلب المعادلة".

في ردّي روبيو وهيغسيث بعض من خلفيات القلق من التورّط الطويل الأمد في فنزويلا. مع ذلك، فإن الافتراض بأن رودريغيز أو أي ناجٍ آخر من النظام سيساعد الولايات المتحدة يبدو معقولاً إلى حد ما. وبحسب مصادر قناة "سي أن أن"، فإن المحادثات والعمل خلف الكواليس بين الدبلوماسيين الأميركيين وأجهزة الاستخبارات وشخصيات النظام ليست متاحة للعلن، ولفتت المصادر إلى أن رودريغيز كانت تُعد خياراً محتملاً لتوفير حكم أكثر استقراراً من مادورو. لكن رودريغيز انتقدت بشدة إطاحة مادورو، رغم أنها عرضت مساء الأحد، "أجندة تعاون" مع الولايات المتحدة. وجاء ذلك بعد كسبها ولاء الجيش الفنزويلي، وهو الطرف الأقوى على الأرض في كاراكاس. وقد حذّر ترامب وعدد من كبار مسؤولي إدارته من أنه إذا لم يتعاون المسؤولون الفنزويليون، فقد يواجهون هجوماً أميركياً آخر أكبر. لكن هل تستطيع واشنطن حقاً إجبار القادة الفنزويليين على الامتثال عبر نفوذ أسطول بحري قبالة السواحل، أو غارات لقوات خاصة، أو عمليات استخبارية، أو التهديد بضربات جوية؟

في السياق، رأى إيفو دالدر، السفير الأميركي السابق لدى حلف شمال الأطلسي (ناتو)، في حديثٍ لـ"سي أن أن"، مساء الأحد، إنه من المستحيل على إدارة ترامب إدارة فنزويلا من دون تخصيص الموارد اللازمة لحكمها فعلياً. ورأى أن "هذا الانفصال بين الوسائل التي استخدمناها والأهداف التي وضعناها سيعود ليعضّنا". يشير دالدر بذلك إلى حربي العراق وأفغانستان. في حرب العراق، أضحت بغداد بلا جيش ولا حزب، بعد اعتقال ومحاكمة وإعدام الرئيس صدام حسين، ثم حلّ الجيش العراقي وحزب البعث الحاكم، مما أفضى إلى دوامة من العنف استمرت نحو عقدين، مع دخول تنظيمات وفصائل عدة على الخط. أما في أفغانستان، دار الزمن دورته خلال 20 عاماً. سقطت حركة طالبان مع دخول الأميركيين في عام 2001، ثم عادت إلى السلطة بعد خروجهم في عام 2021.

ساندرز: ليس لرئيس الولايات المتحدة الحق في جرّ هذا البلد إلى الحرب من جانب واحد

أزمة اللعب بالنار

وبحسب صحيفة فايننشال ريفيو الأسترالية فإن "ترامب يلعب بالنار عندما يفترض أن الانتقال المنظم أمر مضمون. وهذه سمة مألوفة للتدخلات الأميركية الخارجية منذ أكثر من نصف قرن: الاعتقاد بأن العثور على الزعيم المحلي المناسب كفيل بتحقيق أهداف وطموحات المهمة الأميركية الأصلية". وأوردت الصحيفة أمثلة، منها أنه إذا انزلقت فنزويلا إلى الفوضى وربما حتى إلى حرب أهلية، فسيحتاج الأمر إلى أعداد كبيرة من الجنود الأميركيين على الأرض لاحتواء هذا النوع من الاضطرابات. كما أنه من غير الواضح أن التدخل الأميركي في قطاع النفط الفنزويلي سيحوّل البلاد فعلياً، رغم وعود ترامب بأن جزءاً من الثروة النفطية سينتقل الآن إلى الشعب الفنزويلي".

وبحسب  مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، هناك ثلاثة سيناريوهات مرجحة بعد مرحلة مادورو. السيناريو الأول، إجراء انتخابات غير مضمونة النتائج، على اعتبار أن ترامب أبعد زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، عن الواجهة، ومنح الفرصة للنظام الحالي لتجديد ذاته. وتجعل هذه الخطوة الاستحقاق الانتخابي في غاية الصعوبة على واشنطن. السيناريو الثاني، وفق "فورين أفيرز"، يتجلى باستمرار ما زعمت أنه "الأنشطة الإجرامية" للنظام، عبر إجراء تسويات مع رجال الأمن والعسكر المهيمنين على هذه الشبكات، لضمان عدم حصول انهيار مالي، واستطراداً زعزعة الاستقرار الأمني والسياسي في فنزويلا. أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة بحسب "فورين أفيرز"، فمتعلق بنشوب صراع أجنحة بين أركان السلطة، مما سيدفع الأميركيين إلى توجيه مواردهم لوقفها، ما قد يؤدي إلى وجود عسكري أميركي طويل الأمد في فنزويلا. وهو عملياً، آخر ما يريده ترامب وفريقه.