هل يتعمّم ضمّ أوسيتيا الجنوبية لروسيا على مناطق أخرى؟
- وقع الرئيسان الروسي وأوسيتيا الجنوبية اتفاقية لتعميق التعاون، تضمنت دمجاً اقتصادياً وتخفيف القيود، مع تعيين روسي في مناصب قيادية، مما يشير إلى خطوات نحو الضم رغم نفي الكرملين.
- تواجه روسيا تحديات في أبخازيا، حيث تقاوم الأخيرة محاولات الاندماج وتفرض قيوداً على المناصب السياسية، مما يعقد محاولات الضم رغم الضغط الاقتصادي الروسي.
بعد نحو 18 عاماً على اعترافه باستقلال جمهورية أوسيتيا الجنوبية عن جورجيا في عام 2008، بدا توجه الكرملين نحو مقاربات جديدة لإكمال ضم هادئ للجمهورية الانفصالية من دون إثارة جدل واسع عالمياً. ومن المرجح أن تنصيب نخب روسية لقيادة أوسيتيا الجنوبية، وتطوير دمجها مع روسيا، يمثلان تجربة يمكن تعميمها على كل من أبخازيا الانفصالية عن جورجيا أيضاً، وترانسنيستريا في مولدوفا. وفيما أثار الموقف الباهت للحكومة الجورجية للرد على الخطوات الروسية بدمج أوسيتيا الجنوبية سياسياً واقتصادياً تساؤلات حول عدم قدرتها على الرد أو عدم الرغبة أساساً، تبنت النخب الحاكمة في أبخازيا قوانين وتشريعات تصعّب مهمة الكرملين في تكرار تجربة أوسيتيا الجنوبية على أراضيها، رغم اعتمادها الاقتصادي والسياسي والعسكري على روسيا.
تعميق التعاون بين أوسيتيا الجنوبية وروسيا
وبعد سنوات من التحضير وبحث الخيارات، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
ورئيس أوسيتيا الجنوبية آلان غاغلويف، في التاسع من مايو/أيار الماضي اتفاقية "تعميق التعاون بين الاتحاد الروسي وجمهورية أوسيتيا الجنوبية". وتضمنت الاتفاقية الإجراءات الموحدة للدمج الاقتصادي، وتخفيف القيود على من يمكنه المشاركة في إدارة المنطقة الانفصالية في أوسيتيا الجنوبية. وللمرة الأولى، بات بإمكان المواطنين الروس قانونياً شغل مناصب رسمية في المنطقة. وحسب الاتفاقية، يخطط الطرفان "لتنفيذ سياسة خارجية ودفاعية وأمنية منسقة، فضلاً عن تطوير البنية التحتية والقدرات البشرية". وفي تنفيذ للشق المتعلق بالسماح للروس المشاركة في المناصب الحكومية، عُين مارات كامبولوف مستشاراً لغاغلويف في مايو الماضي، وفي منتصف شهر يونيو/حزيران الماضي تولى منصب رئيس الوزراء، وبعد استقالة غاغلويف أصبح تلقائياً رئيساً بالإنابة. وفي السادس من يوليو/تموز الحالي، استقبل بوتين كامبولوف في موسكو، حيث أعرب عن دعمه له في الانتخابات الرئاسية في أوسيتيا الجنوبية، المقررة في 18 سبتمبر/أيلول المقبل، مشدّداً على أنه "سنفعل كل ما بوسعنا لدعمك".
رغم نفي الكرملين أي نية لضم الجمهورية الانفصالية، فإن وصول مواطن روسي إلى سدة الحكم يشي بتغيرات جذرية تمهد للضم
ولا يمت كامبولوف بأي صلة إلى أوسيتيا الجنوبية، ويحمل الجنسية الروسية، وولد في أوسيتيا الشمالية التي تعد كياناً فيدرالياً روسياً. وشغل حتى انتقاله إلى تسيخنفالي، عاصمة أوسيتيا الجنوبية، منصب المدير العام لمعهد كورتشاتوف للفيزياء النووية في موسكو، وقبلها خدم في منصب نائب وزير التعليم والعلوم بين عامي 2010 و2014. ويبعث وصول روسي من خارج الجمهورية الانفصالية إلى أعلى منصب فيها، بإشارة واضحة إلى مستوى جديد من الاندماج مع روسيا. ولم يعد من المستبعد أن تنضم أوسيتيا الجنوبية، التي لا تزال تُعد جزءاً من جورجيا وفق القانون الدولي، إلى دولة الاتحاد الروسي ـ البيلاروسي أو أن تضمها روسيا رسمياً. وفي خطابه الوداعي، كشف غاغلويف، الذي انتقل إلى منصب مستشار للرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمتابعة تنفيذ اتفاقية التعاون مع روسيا، عن أحد السيناريوهات الممكنة لمستقبل الجمهورية الانفصالية. وقال في رسالة مصورة على منصة تليغرام في 23 يونيو الماضي "إن مهمتنا اليوم هي تحقيق حلمنا العزيز، المتمثل في التغلب على مصير شعب منقسم، وإعادة التوحد مع أوسيتيا الشمالية، وإعادة التوحد مع روسيا الكبرى". ووصف اتفاق مايو مع بوتين بأنه "خطوة" نحو تحقيق هذا الهدف. وأضاف: "أعلنت دعمي لزعيمنا التاريخي، فلاديميرفلاديميروفيتش بوتين، وأنا على استعداد للوقوف إلى جانبه"، مؤكداً أنه سيبدأ العمل فوراً بصفة مستشار لزعيم الكرملين.
ورغم نفي المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أي نية لضم الجمهورية الانفصالية، فإن وصول مواطن روسي إلى سدة الحكم، والخطوات المتسارعة لتوحيد المعايير القانونية وتعميق الدمج الاقتصادي تشي بتغيرات جذرية تمهد للضم. ولا تعد محاولات الانضمام إلى روسيا سابقة من نوعها، ففي ربيع 2022، وقع رئيس أوسيتيا الجنوبية أناتولي بيبيلوف مرسوماً لتنظيم استفتاء بشأن الانضمام. وأجّل التصويت لاحقاً على خلفية فشل الجيش الروسي في السيطرة الخاطفة على أجزاء واسعة من أوكرانيا، فالضم كان يمكن النظر إليه، حينها، على أنه إضافة لانتصارات بوتين. ومن غير المستبعد أن إعادة تنشيط ملف ضم الجمهورية الانفصالية منذ بداية العام الحالي جاء بمثابة "جائزة ترضية" يمكن أن يستخدمها الكرملين لأغراض داخلية، للفت الأنظار عن الضربات الأوكرانية في العمق الروسي، والأزمة الاقتصادية المتصاعدة، ونقص الوقود، وربما لرفع شعبية بوتين وحزب روسيا الموحدة قبل نحو ثلاثة أشهر من انتخابات برلمانية مصيرية.
ويمكن أن يمهّد الضم لعودة أقوى إلى روسيا في منطقة جنوب القوقاز على خلفية تراجع نفوذها في أرمينيا وأذربيجان، لكن الخطر يكمن في أن قضم هذه المنطقة على صغرها، يمكن أن يوتر العلاقات مع حزب "الحلم الجورجي" الحاكم والمعروف بمواقفه الأقرب للكرملين، وقد يدفعه مجدداً لتحسين العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كما حدث بعد ثورة 2003 التي أطاحت إدوارد شيفارنادزه. وفيما تمثل أوسيتيا الجنوبية اختباراً لطريقة إدارة العلاقة مع جمهوريات انفصالية أخرى، مثل أبخازيا وترانسنيستريا، عبر إيصال مواطنين روس إلى الحكم، وتطويرها اقتصادياً وصولاً إلى ضمها النهائي، من غير المستبعد أن يتسبب الضم المحتمل في تعقيدات خطيرة في أماكن أخرى. في أبخازيا، يحرص كل من السكان والنخب المحلية على الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الحكم الذاتي، وينظرون بريبة شديدة إلى أي محاولة من موسكو لتشديد قبضتها.
ورغم أن الوجود العسكري الروسي والدعم الاقتصادي كانا دائماً عنصرين حاسمين في بقاء أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا كيانين انفصاليين، فإن العلاقة بينهما وبين موسكو كانت دائماً أكثر تعقيداً من مجرد كونها أراضي محتلة. وفي حين أعربت النخب في أوسيتيا الجنوبية لسنوات عن رغبتها في الانضمام إلى روسيا، قاومت أبخازيا باستمرار محاولات الاندماج مع روسيا. وتضم أبخازيا عدداً سكانياً أكبر بكثير من أوسيتيا الجنوبية، إذ يبلغ نحو 250 ألف نسمة، في مقابل نحو 60 ألفاً لأوسيتيا الجنوبية. كما تقع أبخازيا على ساحل البحر الأسود ذي الأهمية الاستراتيجية، ما يمنحها قيمة لوجستية وعسكرية أكبر. وعلى عكس أوسيتيا الجنوبية، عارض السكان المحليون في أبخازيا جهود روسيا لتعزيز التكامل الاقتصادي في السنوات الأخيرة. وبلغت هذه التوترات ذروتها في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وبعدما رضخت النخب المحلية في أبخازيا للضغط الاقتصادي الروسي واستعدت لإقرار تشريع يمنح مطوري العقارات الروس وضعاً تفضيلياً، حاصرت المعارضة المشرّعين المجتمعين في سوخومي (عاصمة إقليم أبخازيا)، مطالبةً إياهم بالتصويت ضد الاتفاق المثير للجدل مع موسكو، والذي كان من شأنه منح معاملة تفضيلية لمطوري العقارات الروس. وتصاعدت التوترات في المنطقة المحتلة مع تزايد ضغوط موسكو للتنازل عن آخر ما تبقّى من استقلالية في إدارة الموارد الاقتصادية. واقتحم محتجون مبنى البرلمان في عاصمة الإقليم سوخومي. وفرّ الرئيس الفعلي لأبخازيا أصلان بزانيا من المدينة، واستقال بعد أيام قليلة، ما أدى إلى انتخابات جديدة.
ومنذ ذلك الحين، اعتمدت موسكو نهجاً جديداً يجمع بين الضغط الاقتصادي واستقطاب النخب. وفي أعقاب الإطاحة ببزانيا، انتقل ملف التعامل مع الجمهورية الانفصالية إلى نائب رئيس ديوان الكرملين والمشرف على السياسة الداخلية سيرغي كيرينكو، الذي وُلد في أبخازيا، بزيارات منتظمة إلى الإقليم. ودعم المرشح بادرا غونبا في الانتخابات الرئاسية الأبخازية، في إشارة إلى أن الضغط الاقتصادي الروسي سيتوقف إذا لم يفز غونبا. وفي فبراير/شباط 2025، فاز غونبا بالانتخابات الرئاسية. وبعد فترة قصيرة، أطلقت روسيا خط قطار ركاب جديداً بين سوتشي وسوخومي. وفي مايو 2025، شارك غونبا وكيرينكو في افتتاح مطار تجاري مُجدد وممول من روسيا، وهو الأول في أبخازيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي (1917 ـ 1991). ويواصل الزعيم المدعوم من الكرملين الترويج للفوائد الاقتصادية من التنسيق مع روسيا. وفي المقابل، لا تزال النخب المحلية في أبخازيا تضع خطوطاً حمراء تجاه روسيا.
وفي مايو الماضي، وبعد فترة قصيرة من سماح أوسيتيا الجنوبية للمواطنين الروس بشغل مناصب في إدارتها، تحركت أبخازيا لفرض شرط الإقامة لمدة خمس سنوات على من يرغب في تولي مناصب في البرلمان والادارات المحلية، ومنعت الأجانب من المشاركة في السياسة الأبخازية. وتستضيف أبخازيا، التي اعترفت بها روسيا دولةً مستقلةً بعد غزو جورجيا في عام 2008، قوات روسية. وكحال أوسيتيا الجنوبية، يعتمد اقتصاد أبخازيا بشكل شبه كامل على روسيا، بما في ذلك رواتب الإدارة العامة والمدفوعات الاجتماعية. كما يحمل معظم السكان المحليين جوازات سفر روسية.
انتقل ملف التعامل مع أبخازيا إلى رجل بوتين القوي سيرغي كيرينكو
ووصف رئيس الوزراء الجورجي السابق وزعيم حزب المعارضة "من أجل جورجيا"، غيورغي غاخاريا، الاتفاق بين تسخينفالي وموسكو بأنه "مرحلة جديدة من الضم"، تتيح "إقامة حكم مباشر لموسكو على الأراضي الجورجية المحتلة". وعقب ترشيح كامبولوف لمنصب رئيس الوزراء، دان الحزب في بيان في 10 يونيو الماضي "مرحلة جديدة من الضم" في أوسيتيا الجنوبية. وقالت نائبة رئيس الوزراء، وزيرة الخارجية الجورجية ماكا بوتشوريشفيلي، في 15 مايو الماضي: "تواصل روسيا تجاهل التزاماتها الدولية، وتتخذ خطوات إضافية نحو ضم مناطق جورجيا". لكن هذا التصريح جاء بعد ستة أيام من الاتفاق بين أوسيتيا الجنوبية وروسيا، ما قد يشير إلى عدم وجود نية للتصعيد لدى حزب "الحلم الجورجي" الحاكم.
فصول من تاريخ أوسيتيا الجنوبية
وتقع أوسيتيا الجنوبية في الجهة الجنوبية من سلسلة جبال القوقاز الكبرى، وتبلغ مساحتها 3885 كيلومتراً مربعاً، ويقطنها قرابة 60 ألف نسمة، منهم 30 ألفاً في العاصمة تسيخنفالي. ومنذ 1922، تتمتع أوسيتيا الجنوبية بحكم ذاتي في إطار جمهورية جورجيا الاشتراكية السوفييتية بقرار من مجلس السوفييت الأعلى. وأعلنت الاستقلال عن جورجيا في عام 1991، الأمر الذي تسبب في حرب استمرت حتى عام 1992 بعد محاولة السلطة المركزية في تبليسي إعادة السيطرة عليها، وإلغاء الحكم الذاتي. وتسببت هذه الحرب في تهجير نحو 100 ألف جورجي اتجهوا نحو مناطق داخلية في حين اختار 23 ألف أوسيتي جنوبي اللجوء إلى روسيا. وباءت محاولة السلطات الجورجية الأولى لاعادة أوسيتيا الجنوبية بالفشل، وفي نهاية 1992 أبرم الطرفان اتفاقاً لوقف النار برعاية روسية، ونشرت روسيا وجورجيا وأوسيتيا الجنوبية قوات لحفظ السلام. ولاحقاً أرسلت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا كتيبة للمساعدة في المحافظة على وقف اطلاق النار.
وفي السابع من أغسطس/آب 2008 انطلقت جولة جديدة من الاقتتال، رغم أن الجورجي الأسبق ميخائيل ساكاشفيلي أعلن عن وقف لإطلاق النار ودعا إلى محادثات سلام. ولم تلق الدعوة الجورجية قبولاً لدى الأوسيتيين الجنوبيين الذين صعّدوا من وتيرة القصف على القوات الجورجية، التي تحركت بعد ذلك باتجاه تسخينفالي واحتلتها في صباح اليوم التالي، ما شكل ذريعة مناسبة لغزو روسيا التي تحرك جيشها مباشرة عبر نفق روكي الواصل بين أوسيتيا الجنوبية وأوسيتيا الشمالية. ونتيجة تلك الحرب احتل الروس قرابة 40% من أراضي جورجيا، وحاصر أسطول البحر الأسود الروسي الساحل الجورجي وسيطر الروس على إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. واعترفت روسيا باستقلال أوسيتيا الجنوبية في 26 أغسطس 2008، وأبخازيا في 15 سبتمبر من العام ذاته، وتم توقيع معاهدة الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة في موسكو بين الروس والأوسيتيين الجنوبيين.