هل تشهد البادية السورية ولادة جديدة لتنظيم "داعش"؟

06 يناير 2021
الصورة
تصاعد وتيرة هجمات "داعش" على قوات النظام السوري (ديليل سليمان/فرانس برس)
+ الخط -

تؤكد الوقائع الميدانية أن تنظيم "داعش" يتّبع أسلوب الاستنزاف ضد قوات النظام والمليشيات المساندة لها في البادية السورية مترامية الأطراف، ويريد بذلك تحويلها شيئا فشيئا إلى منطقة نفوذ له ومنطلقا جديدا يمكن من خلاله العودة إلى مجرى الصراع المحتدم في سورية. 

وأواخر العام الماضي وبداية الجاري، كبّد التنظيم قوات النظام خسائر فادحة في أرواح مسلحيها في كمينين، الأول في قلب البادية، والثاني على أطرافها الشمالية، ما يدلل أيضا على عدم قدرة هذه القوات عن حماية مجموعات لها تتحرك في مساحة جغرافية مكشوفة تمكّن التنظيم من سرعة التحرك والإفلات من الضربات الجوية من الطيران الروسي.  

وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن حصيلة القتلى من قوات النظام ومليشيا الدفاع الوطني ارتفعت إلى 12، إضافة إلى 3 مدنيين، بينهم طفلة، جراء استهداف عناصر التنظيم الأحد لحافلة وسيارات وصهاريج وقود على طريق دمشق– الرقة قرب منطقة وادي العزيب، مشيرا إلى أن عدد القتلى مرشح للارتفاع لوجود نحو 15 جريحا، بينهم 3 مدنيين، بعضهم في حالات خطرة، في ظل وجود معلومات عن قتلى آخرين. 

وأعلن التنظيم الثلاثاء مسؤوليته عن العملية، مشيرا، في بيان، إلى أنه استهدف رتل صهاريج تنقل النفط إلى مناطق النظام من شمال شرقي سورية، مؤكدا مقتل 7 من عناصر حماية الرتل، وإحراق 10 سيارات منه. 

وهذه ليست المرة الأولى التي يقطع فيها التنظيم هذا الطريق، حيث سبق له أن قتل منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي عناصر تابعين لمليشيا "القاطرجي" التابعة للنظام، كانوا يقودون صهاريج محملة بالنفط قادمة من مناطق سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) شمال شرقي البلاد إلى منطقة خاضعة لسيطرة النظام.

إلى ذلك، ذكرت شبكة "فرات بوست" الإخبارية المحلية أن تعزيزات إيرانية وروسية بدأت بالتوافد بعد هجوم الخميس إلى البادية في المنطقة الممتدة من البوكمال إلى ريف حمص وحماة والرقة.

وأشارت الشبكة إلى أنه جرى تخريج دفعة من مقاتلي مليشيا "لواء الباقر" المحلية التابعة للإيرانيين وإرسال عناصرها إلى كل من دير الزور وحماة للقتال في معارك البادية ضد التنظيم، وحماية طريق أثريا-السخنة، الذي تنتشر فيه نقاط عدة لهذه المليشيا التابعة للشيخ القبلي نواف البشير. 

كما أكدت الشبكة أن الجانب الروسي وجّه قوة كبيرة من الفيلق الخامس ومليشيا "لواء القدس"، التي تضم مسلحين فلسطينيين من مدينة دير الزور، باتجاه بادية الرقة، وسط تحليق مكثف للطيران الحربي الروسي، الذي "شن ليلاً عشرات الغارات الجوية في البادية، والتي أدت إلى حدوث انفجارات عنيفة هزت ريف دير الزور الشرقي والغربي وريف الرقة الغربي". كما أشارت إلى أن الحرس الثوري الإيراني أرسل عدداً كبيراً من العناصر المحليين من الفوج 47 إلى بادية ريف البوكمال في كل من الصالحية حسرات ومعيزيلة. 

وكان تنظيم "داعش" شن في اليوم الأخير من العام الماضي هجوما هو الأكبر خلال العام الماضي، لجهة عدد القتلى في صفوف قوات النظام السوري، حيث قتل في الهجوم قرب بلدة كباجب على طريق تدمر- دير الزور، نحو 40 عنصراً من "الفرقة الرابعة"، التي يقودها ماهر الأسد، شقيق رئيس النظام بشار الأسد، من بينهم 8 ضباط برتب مختلفة. 

وغداة هذا الهجوم، شرعت قوات النظام، مدعومة بقوات "الدفاع الوطني" ولواء "القدس"، بحملة عسكرية واسعة النطاق على مواقع انتشار تنظيم "داعش" في البادية الجنوبية لمحافظة دير الزور، وذلك بدعم جوي من الطائرات الروسية، ولكن هجوم الأحد يؤكد أن التنظيم لم يعد يتأثر بالحملات التي تقوم بها قوات النظام. 

كان تنظيم "داعش" شن في اليوم الأخير من العام الماضي هجوما هو الأكبر خلال العام الماضي، لجهة عدد القتلى في صفوف قوات النظام السوري، حيث قتل في الهجوم قرب بلدة كباجب على طريق تدمر- دير الزور، نحو 40 عنصراً من "الفرقة الرابعة"

وكان التنظيم، الذي يتحرك في طول البادية السورية وعرضها، استهدف خلال العام الماضي عدة أرتال لقوات النظام التي تبدو عاجزة تماما عن التصدي لهذا التنظيم. 

وبحسب المرصد السوري، تنتشر خلايا التنظيم ضمن مساحة تقدر بنحو 4000 كيلومتر مربع انطلاقاً من منطقة جبل أبو رجمين في شمال شرق تدمر، وصولاً إلى بادية دير الزور وريفها الغربي، إضافة الى وجوده في بادية السخنة وفي شمال الحدود الإدارية لمحافظة السويداء.

وأشار المرصد إلى أن التنظيم "لا يزال يملك القوة الكافية لمجابهة النظام وحلفائه"، مبينا أنه "لا يكاد يمر يوم دون تفجير أو كمين أو استهداف أو هجوم خاطف ضمن مناطق متفرقة من البادية". 

وكان لافتا أن معظم القتلى في هجوم بادية دير الزور ينتمون إلى الطائفة العلوية، وهي طائفة الرئيس السوري بشار الأسد، حيث جرى تشييعهم في حي "الزهراء" ذي الغالبية السكانية من العلويين في مدينة حمص. 

وكان للحادث وقع الصدمة على الطائفة التي استنزفت طيلة سنوات الأزمة السورية، كون أغلب مليشيات الدفاع الوطني المساندة لقوات النظام منها، وخاصة من محافظتي طرطوس واللاذقية على الساحل السوري.  

وتؤكد الهجمات التي يشنها التنظيم ضد قوات النظام أنه بصدد نقل عملياته إلى مستويات أكثر خطورة في وقت باتت فيه هذه القوات متهالكة بعد مرور نحو 10 سنوات من الحرب التي شنها النظام ضد السوريين المطالبين بالتغيير. 

ورغم الإعلان من قبل التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية بدايات عام 2019 عن نهاية تنظيم "داعش" في سورية، إلا أن الأخير ربما يتجهز لـ"ولادة جديدة" اختار البادية مسرحا لها، متخذا من جبالها وهضابها وتضاريسها الصعبة ملاذا يصعب الوصول إليه. 

وفي هذا الصدد، يرى الباحث السياسي المتخصص بالجماعات الإسلامية عرابي عبد الحي عرابي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن ظهور تنظيم "داعش" في البادية "ليس عشوائيا"، مضيفا: "ظهرت مقدمات لهذا الظهور منذ أكثر من سنة". 

وأضاف عرابي: "خلال العام الماضي استهدف التنظيم قوات النظام بشكل متصاعد، ما يؤكد أنه أعاد هيكلته، وفرز خلاياه مرة أخرى وتجددت قياداته". وأكد أن شبكة القيادة التي كانت في البادية السورية "نُقلت إلى العراق وصُعدت قيادات جديدة لها خبرة أكثر في الوضع السوري".

وأشار إلى أنه يبدو أن خطة التنظيم "تقوم على استهداف قوات النظام، لأنها الطرف الأضعف في المعادلة السورية"، لافتا إلى أن التنظيم يستهدف أيضا من وراء استهداف قوات النظام إرسال رسائل إلى الأطراف الأخرى. 

وتوقع عرابي أن يبدأ التنظيم خلال العام الجاري بشن هجمات على مدن وبلدات على تخوم البادية السورية في المحافظات التي تتوزع البادية إداريا عليها، مثل حلب وحمص، معربا عن اعتقاده بأن التنظيم "لن يتمركز في هذه المدن والبلدات".

المساهمون