هل تدفع الفيليبين ثمن الانجرار إلى المظلة الأمنية الأميركية؟
استمع إلى الملخص
- أثارت هذه السياسات تساؤلات في الصين حول تداعيات الانجرار إلى المظلة الأمنية الأميركية على مانيلا، خاصة مع وصول نظام "تايفون" للفيليبين، مما يضع بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان في مرمى الصواريخ.
- تعتبر الفيليبين حجر الأساس في استراتيجية الولايات المتحدة لاحتواء الصين، حيث حصلت على إعفاءات من التجميد العالمي للمساعدات الأمنية، لكن الخبراء يحذرون من تحولها إلى بيدق في المنافسة بين واشنطن وبكين.
تتسم سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية منذ توليه السلطة في مطلع العام الحالي بنهج غير تقليدي ومتقلب في التعامل مع الخصوم والحلفاء على حد سواء. يتجلى ذلك في فك ارتباط الولايات المتحدة بمؤسسات دولية مثل منظمة الصحة العالمية، وكذلك تبني موقف حمائي صارم عبر فرض رسوم جمركية ضخمة على معظم دول العالم، إضافة إلى تقليص المساعدات الدفاعية الضرورية لأوكرانيا في حربها مع روسيا، قبل إعادة الزخم للدعم العسكري عقب استياء ترامب من نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وتراجع الحماسة الأميركية المعهودة بشأن الدفاع عن جزيرة تايوان في حال تعرضها لهجوم من الصين، التي تعدها جزءاً من أراضيها. لكن يبدو الأمر مختلفاً بالنسبة لحليفتها الفيليبين التي كانت استثناء مع تدفق المساعدات الأميركية ونشر أنظمة الصواريخ المتقدمة فيها، بهدف ردع بكين في ظل النزاعات السيادية بين البلدين في بحر الصين الجنوبي. علماً أن هذا البحر متنازع عليه بين ست دول مطلة عليه، وتطالب بكين بالسيادة على أكثر من 90% منه.
يثير هذا الأمر تساؤلات في الصين بشأن تداعيات الانجرار إلى المظلة الأمنية الأميركية على مانيلا، وانعكاسات ذلك على المنطقة التي تشهد حالة من عدم اليقين بسبب سياسات ترامب المتقلبة، خصوصاً مع الحلفاء التقليديين مثل اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية. ووصل أول نظام "تايفون" لصواريخ أرض-أرض متوسط المدى الأميركي الصنع إلى الفيليبين في إبريل/ نيسان 2024، خلال مناورات أميركية فيليبينية مشتركة، مسجلاً بذلك أول انتشار خارجي له. وتتميز منصة الإطلاق الأرضية هذه بقدرتها على إطلاق صواريخ توماهوك وأس أم-6 بمدى يصل إلى ألفي كيلومتر، ما يضع أجزاء من بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان، وحتى مناطق شاسعة من جنوب الصين، في مرمى نيران الصواريخ. ولا يزال النظام متمركزاً في شمال لوزون، شمالي الفيليبين، أكبر جزر البلاد، للتدريب المستمر بين القوات الأميركية وحلفائها في المنطقة، رغم معارضة بكين التي تحث باستمرار مانيلا على التخلي عن هذا النظام، محذرة من أن "الفشل في القيام بذلك سيضع أمن الفيليبين ودفاعها الوطني تحت رحمة الآخرين، وسيجلب مخاطر المواجهة الجيوسياسية وسباق التسلح إلى المنطقة". كما أجرت الفيليبين والولايات المتحدة مناورات عسكرية مشتركة العام الحالي، من بينها مناورات "باليكاتان" بين 21 إبريل التاسع من مايو/ أيار الماضيين، ومناورات "كامانداغ" بين 26 مايو والسادس من يونيو/ حزيران الماضيين، والتي اعتبرتها بكين أيضاً "تشكل تهديداً للسلم والاستقرار الإقليمي".
تشير التقارير الصينية إلى عنصر آخر للتعاون بين مانيلا وواشنطن، إذ قالت وسائل إعلام صينية، أمس الاثنين، إن الغطاء الأمني الأميركي للفيليبين يُخمد آمال الاستقلال الاستراتيجي، معتبرة أن هدف الرئيس الفيليبيني فرديناند ماركوس جونيور، المتمثل في اتباع سياسة خارجية متوازنة، يتعارض مع الجهود المبذولة لتعزيز الترابط بين الولايات المتحدة والفيليبين في المجال الأمني. ولفتت إلى أنه بالرغم من أن إدارة ترامب الثانية (بعد ولاية أولى بين 2017 و2021)، قلّصت التزاماتها العسكرية الخارجية تجاه الحلفاء، فإن الأمر يبدو مختلفاً بالنسبة للفيليبين التي أصبحت حليفاً حاسماً في ظل تنافس واشنطن المتفاقم مع بكين. وأوضحت أنه بدلاً من التخلي عن مانيلا، تُضاعف إدارة ترامب وحلفاؤها جهودها في تقديم المساعدات الدفاعية والتعاون العسكري لإدارة الرئيس الفيليبيني. وذكرت أنه إلى جانب نشر أنظمة أسلحة متطورة وإنشاء منشآت عسكرية إضافية في الفيليبين، يدرس البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) أيضاً إنشاء مركز ذخيرة إقليمي في خليج سوبيك (له أهمية استراتيجية بسبب موقعه المطل على بحر الصين الجنوبي).
يُذكر أن اللجنة الفرعية للدفاع بمجلس النواب الأميركي، دعت في تقرير الشهر الماضي، إلى إجراء تقييم لجدوى إنشاء منشأة مشتركة لتصنيع الذخيرة وتخزينها في قاعدة خليج سوبيك البحرية الأميركية. ورغم عدم تقديم إدارة ترامب أي مقترح رسمي حتى الآن، إذ لا يزال الكونغرس الأميركي يراجع الخطة، فقد رحّب كبار مسؤولي الدفاع الفيليبينيين بتعزيز الوجود الأميركي المتقدم في آسيا. ويرى خبراء صينيون أنه بالرغم من أن تقديم مساعدات دفاعية أكبر من واشنطن أمر بالغ الأهمية لقدرة مانيلا على حماية مصالحها الأساسية في المياه المجاورة لها، فإن ذلك قد يأتي على حساب جهود الفيليبين الرامية إلى تطوير الحكم الذاتي الاستراتيجي. يشار إلى أنه في بداية ولايته عام 2022، أكد ماركوس جونيور التزامه بعلاقة متوازنة مع القوى العظمى العالمية. وبينما واصل إصلاح العلاقات المتوترة مع واشنطن بعد سنوات من التوتر خلال السنوات الأولى لرئاسة رودريغو دوتيرتي (2016-2022)، وضع ماركوس جونيور أيضاً العلاقات البنّاءة مع الصين في صميم سياسته الخارجية.
الفيليبين حجر الأساس
يقول المختص في شؤون بحر الصين الجنوبي ما تشونغ، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الفيليبين تعتبر حجر الأساس في استراتيجية الولايات المتحدة لاحتواء الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، لافتاً إلى أن "إعفاء مانيلا من التجميد العالمي للمساعدات الأمنية الخارجية الأميركية يؤكد مكانة الفيليبين دولةً في طليعة خطط ومسار تأمين مصالح واشنطن في المنطقة". ويضيف ما تشونغ، الباحث في مركز لونغ مارش للدراسات الاستراتيجية (الصين)، أن الدولة الواقعة في جنوب شرقي آسيا "ستحصل على أكثر من خمسة مليارات دولار أميركي من إدارة ترامب، مخصصة لبرامج الأمن، كما ستشمل الإعفاءات المخصصة للمنطقة 300 مليون دولار أميركي لتحديث القوات المسلحة الفيليبينية وخفر السواحل الفيليبيني".
ما تشونغ: المساعدات الأميركية ستحوّل مانيلا إلى بيدق في المنافسة بين واشنطن وبكين
يُذكر أن الفيليبين أعلنت في فبراير/ شباط الماضي، أن الحكومة الأميركية أعفت المساعدات العسكرية الأميركية بقيمة 336 مليون دولار إلى مانيلا، بعد قرار واشنطن تجميد جميع برامج المساعدات الخارجية لمدة 90 يوماً حينها، بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض. كما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في إبريل الماضي، أن واشنطن وافقت على بيع الفيليبين مقاتلات أف-16 وتجهيزات مرتبطة بها بقيمة 5.58 مليارات دولار. كذلك يؤكد ما تشونغ أن مثل هذه المساعدات "لن تكون مجانية، ولن تجلب الحماية والاستقرار لمانيلا، بل ستحولها إلى بيدق في المنافسة بين واشنطن وبكين". وفي رأيه "بدلاً من سعي الفيليبين إلى الاستقواء بقوى خارجية لتعزيز توسعها الإقليمي غير القانوني في بحر الصين الجنوبي، يجب عليها أن تعود إلى رشدها وتعمل على حل خلافاتها مع الصين عبر القنوات الدبلوماسية، وفق ما يضمن ويخدم مصالح الطرفين".
الهدف هو الصين
من جهته، يقول الأستاذ في مركز الدراسات السياسية في جامعة جينان (الصين)، شياو لونغ، لـ"العربي الجديد"، إن "ترحيب مانيلا باستضافة أنظمة صواريخ تايفون الأميركية الإضافية بحجة تسريع تدريب القوات وتعزيز الردع، يشير إلى مدى تورط الفيليبين في المخططات الأميركية الساعية لاحتواء الصين". وفي رأيه، "استضافة هذه الأنظمة لن تؤدي إلا إلى زعزعة الاستقرار وزيادة التوترات في بحر الصين الجنوبي".
شياو لونغ: في حال اندلاع أي صراع أو مواجهة مباشرة مع بكين، ستتخلى الإدارة الأميركية عن حليفتها
ويلفت شياو لونغ إلى أن "هذه الخطط تستهدف الصين في المقام الأول، ولا علاقة لها بحماية المصالح الفيليبينية"، معتبراً أنه "في حال اندلاع أي صراع أو مواجهة مباشرة مع بكين، ستتخلى الإدارة الأميركية عن حليفتها كما فعلت مع أوكرانيا، وكما يبدو الأمر أيضاً بالنسبة لتايوان". والرهان على المظلة الأمنية الأميركية، وفق شياو لونغ، "ثبت فشلة في أكثر من منطقة، وربما كان أبرزها الانسحاب الأميركي من أفغانستان".