هل تؤخر مواقف الأطراف الليبية لقاءات البحث عن حل سياسي؟

22 سبتمبر 2020
الصورة
غياب السراج عن المشهد بعد إعلانه عزمه التنحي (مراد كولا/الأناضول)

لم تتوقف المواقف والعراقيل أمام مسارات البحث عن حلول سلمية للأزمة الليبية منذ انتهاء لقاءات ممثلين ليبيين في المغرب وسويسرا، وقبيل قرب لقاءات جديدة في سويسرا لبدء إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وتشكيل حكومة وحدة وطنية، ما جعل المشهد الليبي يدخل حالة من الغموض والارتباك.

ولم تصدر أي مواقف جديدة من جانب قادة ليبيا بشأن الخطوات اللاحقة، بعد إعلان ممثلي مجلسي النواب والدولة عن توصلهما لاتفاق حول معايير اختيار شاغلي المناصب السياسية وتوزيعها جغرافيا على الأقاليم الليبية الثلاثة، في العاشر من الشهر الجاري، والتي تزامنت من مشاورات ليبية استضافها مركز الحوار الإنساني في سويسرا، ورحبت بها البعثة الأممية، والتي انتهت إلى الاتفاق على إعادة تشكيل المجلس الرئاسي وضرورة مضي البلاد إلى مرحلة انتخابات رئاسية وبرلمانية وفق إطار دستوري متفق عليه، وسط تراجع كبير عن الحديث عن حل منزوع السلاح في سرت والجفرة، وترتيبات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5) لذلك.

لم تصدر أي مواقف جديدة من جانب قادة ليبيا بشأن الخطوات اللاحقة، بعد إعلان ممثلي مجلسي النواب والدولة عن توصلهما لاتفاق حول معايير اختيار شاغلي المناصب السياسية وتوزيعها جغرافيا على الأقاليم الليبية الثلاثة، في العاشر من الشهر الجاري

ولا يزال إعلان رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج عزمه التنحي عن منصبه نهاية الشهر المقبل يلقي بظلاله على المشهد، خصوصا مع غياب السراج الإعلامي وتوقف قراراته بشكل مفاجئ لمعالجة الأزمة المعيشية بعد مظاهرات شعبية، ما دفع بالكثير من المراقبين إلى التساؤل عن تأثير استقالته إقليمياً، وخصوصاً على الاتفاقات الموقعة بين حكومة الوفاق والحكومة التركية.

وغير بعيد عن مشهد العراقيل، سعى حفتر لخلط الأوراق واختراق المجلس الرئاسي من خلال عقده اتفاقاً بشأن النفط مع أحمد معيتيق، أحد أعضاء المجلس. ورغم فشل الخطوة حتى الآن، إلا أنها زادت من شكل التعقيد الذي يعيشه الملف الليبي، خصوصاً وسط صمت دولي وأممي حيال الخطوة المقبلة من جهود البحث عن تسوية للأزمة في البلاد.

وفي الوقت الذي أكدت مصادر ليبية متطابقة لـ"العربي الجديد" عزم ممثلي مجلسي النواب والدولة استئناف لقاءاتهما بشكل موسع، نهاية الشهر الحالي في سويسرا، قالت إن المجلسين في انتظار اعتماد البعثة الأممية لممثلي الطرفين في لجنة الحوار الليبية المشتركة.

وفي انتظار قرار الأمم المتحدة لتعيين مبعوثها الجديد إلى ليبيا للإشراف على ما تبقى من خطوات باتجاه طاولة حوار ليبية مشتركة، تبدو الأوضاع في شرق ليبيا تتجه إلى التأزيم بعد تمكن مليشيات حفتر من إجهاض مظاهرة شعبية مساء أمس الاثنين.

وبعد سلسلة من الاعتقالات التي شنتها مليشيات حفتر، ووسط انتشار أمني واسع في بنغازي، تسرب العشرات من أنصار حفتر داخل مظاهرة شعبية، مساء أمس الاثنين، وسط متظاهرين خرجوا للمطالبة بمحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين في مفاصل الدولة، وحولوا المظاهرة إلى مسار ينادي بتفويض حفتر لحكم البلاد.

وبحسب الناشط المدني عبد السلام البرغثي، أحد منظمي المظاهرات، فإن أنصار حفتر دخلوا مبكرا وسط المتظاهرين بلباس مدني للحد من تزايد أعداد المتظاهرين، ورفعوا لافتات عليها صور حفتر يطالبون بتفويضه، مؤكدا أن من استضافته بعض الفضائيات للحديث عن المظاهرة كونها "تطالب بتفويض المشير (اللواء المتقاعد خليفة حفتر) لا علاقة لهم بالمظاهرة وتنظيمها والدعوة لها".

رجح الناشط السياسي الليبي عقيلة الأطرش إمكانية توسع رقعة الاحتجاجات في بنغازي في ظل تعامل حفتر ومليشياته معها بهذا الأسلوب، الذي يتبنى قمعاً غير معلن

وبينما أقرّ البرغثي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، بأن مليشيات حفتر اعتقلت عددا من النشطاء المدنيين وجعلتهم يوقعون على تعهدات بعدم الدعوة للتظاهر قبل إطلاق سراحهم، حذر وزير خارجية ليبيا في عهد نظام القذافي، عبد الرحمن شلقم، من مغبة "انفجار فوضى مسلحة"، موضحا، في مقال صحافي له اليوم الثلاثاء، أن "تغوّل الفساد رفع درجة الاحتقان الاجتماعي، ما يهدد بانفجار فوضى مسلحة واسعة".

ورجح الناشط السياسي الليبي عقيلة الأطرش إمكانية توسع رقعة الاحتجاجات في بنغازي في ظل تعامل حفتر ومليشياته معها بهذا الأسلوب، الذي يتبنى قمعا غير معلن، لافتا إلى أن سوء الأوضاع المعيشية وصل، في المدن الليبية، إلى حد سيشجع المواطن على كسر حاجز الخوف والمجاهرة بصوته.

وعبر الأطرش، في حديثه لـ"العربي الجديد"، عن قلقه من غياب مواقف قادة البلاد، وعلى رأسهم السراج وعقيلة صالح، في وقت أعلن المجلس الأعلى للدولة عزمه المضي في اتجاه البحث عن حلول سياسية بناء على نتائج لقاءات المغرب وسويسرا مؤخرا.

واعتبر الناشط السياسي الليبي حالة الغموض والصمت الحالية، وسط بروز خطوات تتجه للعرقلة من جانب حفتر وشخصيات سياسية أخرى كمعيتيق، عوامل ستساهم في إرباك مسار البحث عن تسويات مناسبة ما دامت الأوضاع في تغير مستمر.

لكن الباحث الليبي في العلاقات الدولية مصطفى البرق لا يرى تأثيرا كبيرا لاستقالة السراج على الاتفاقات الموقعة بين حكومة الوفاق والحكومة التركية، ولا سيما الاتفاق البحري المتصل بالأحداث الجارية في شرق المتوسط، مشيرا إلى أن "الاتفاقات موقعة بين حكومات، ولن تتأثر بغياب قادة تلك الحكومات عن المشهد".

ولفت البرق، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الاتفاق بين ليبيا وتركيا "ليس جديدا، وأنه تمت المصادقة عليه في عهد السراج"، مشيرا إلى أن هناك اتفاقات ترجع إلى عام 2007 بين البلدين ولا تخدم مصالح تركيا الاقتصادية فقط، بل ليبيا أيضا.

وبشأن الغموض الحالي في مواقف قادة الأطراف الليبيين، يرى البرق أن تلك المواقف دوما ما كانت انعكاسا لتوافقات وتفاهمات الأطراف المتنفذة في ليبيا، مشيرا إلى أن التفاهمات التركية الروسية تحاول باريس اختراقها والتشويش عليها، ما جعلها تتأخر بعض الشيء.

وأضاف: "هناك أيضا تراجع لنشاط الدبلوماسية الأميركية، لكنه طفيف، وربما سببه انشغالات بملفات أخرى، لكن واشنطن دفعت بالأمم المتحدة والأطراف الليبية لاتخاذ خطوات فعلية قبل بدء الانتخابات الأميركية"، معتبرا أن "خطوات حفتر ومعيتيق، والخلافات في كواليس المدن الليبية الكبرى، يؤكد قرب إنتاج مجلس رئاسي جديد وحكومة موحدة".

وذكر أن رفع الاتحاد الأوروبي العقوبات عن رئيس مجلس النواب طبرق عقيلة صالح، وإعلان عقوبات على محمود الورفلي، المقرب من حفتر، أمس الاثنين، رسالة دولية أخرى تتضمن تهديدا لحفتر إذا لم يقبل بالحلول السياسية التي يمثلها عقيلة صالح في شرق ليبيا.

وفيما يرى البرق أن الخلافات الداخلية الحالية مردها سعي أشخاص إلى الحفاظ على مناصبهم في المشهد الجديد، إلا أنه يعبر عن تخوفه من إمكانية عرقلة بعض الأطراف الدولية للتوصل إلى تفاهمات ليبية تنتج تسوية، كما تفعل روسيا حاليا من خلال حليفها حفتر باستثمار ورقة النفط المهمة بالنسبة للكثير من الدول المتنفذة في ليبيا.​