هل بات التصعيد طريقاً إجبارياً لتسوية تفاوضية لحرب أوكرانيا؟
وسط ترقب لاستئناف جهود الوساطة الأميركية لإنهاء الحرب الروسية على أوكرانيا، تصاعدت الضربات بالصواريخ والمسيّرات على الأهداف اللوجستية والاقتصادية والمدنيين في روسيا وأوكرانيا. وفي حين ظهرت معالم تغيرات في المقاربة الأميركية لإنهاء الحرب تتناقض مع تسريبات قمة أنكوريج في ولاية ألاسكا بين الرئيسين دونالد ترامب
وفلاديمير بوتين في 15 أغسطس/آب 2025، بدا أن "الانقلاب" ليس كافياً لإشعال غضب روسيا بالكامل، ولا لطمأنة أوكرانيا أو تزويدها بصواريخ اعتراضية، باتت في أمسّ الحاجة إلبها لمواجهة "حملة إكراه" روسية لإجبار كييف على الرضوخ لمطالبها. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مساء الثلاثاء، إن استخبارات بلاده وصلت إلى وثائق تؤكد استعداد روسيا لحملة تعبئة جديدة بعد انتخابات مجلس الدوما (البرلمان) الروسي المقررة بين 18 و20 سبتمبر/أيلول المقبل. والاثنين الماضي، لوّح زيلينسكي أن أوكرانيا ستنفذ المزيد من الضربات ضد أهداف في عمق الأراضي الروسية، ليتبين لموسكو أنّ السلام ضروري. كما حذر مجدداً من الدعم العسكري الذي تقدّمه كوريا الشمالية لروسيا. وأضاف أن موسكو تسلمت دفعة إضافية من الصواريخ الباليستية من بيونغ يانغ، وتستعد لوصول دفعة أخرى من الجنود الكوريين الشماليين إلى روسيا، تصل إلى نحو 50 ألف جندي.لا حلول لحرب أوكرانيا
والاثنين الماضي أيضاً، شدد ميخائيل غالوزين، نائب وزير الخارجية الروسي، على أن بلاده لن توافق على "تجميد" حربها ضد أوكرانيا من دون معالجة "الأسباب الجذرية" للصراع. كما اتهم غالوزين زيلينسكي بأنه "فقد تماماً صلته بالواقع" و"يحاول تصعيد الصراع"، وحض المجتمع الدولي على انتقاد الضربات الأوكرانية على البنى التحتية للطاقة في روسيا، ومن ضمنها خط أنابيب نقل النفط المحاذي لبحر قزوين. كما انتقد غالوزين استمرار الدعم العسكري والاستخباراتي الأميركي لأوكرانيا، واصفاً نهج واشنطن بأنه "متناقض". وفي انتقاد للولايات المتحدة، قال غالوزين إن "استمرار تزويد نظام كييف بالأسلحة الأميركية، وتقديم المعلومات الاستخباراتية وغيرها من أشكال المساعدة، أمور تتحدث عن نفسها"، مشدّداً على أن هذا الدعم لا يتماشى مع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام.
فشلت رهانات روسيا على الفوز بحرب الاستنزاف والمعتمدة أساساً على فارق القوة العسكرية والاقتصادية والديمغرافية
ورغم رفضها لفكرة التجميد، تواصل موسكو التأكيد على انفتاحها على الدبلوماسية. وذكر غالوزين أن روسيا مستعدة للسعي نحو تحقيق أهدافها مع مراعاة "تفاهمات أنكوريج"، معتبراً أن التوصل إلى تسوية دبلوماسية يظل ممكناً إذا توفرت الإرادة السياسية الكافية. وفي مؤشر إلى توقعات روسيا المتدنية من جولة قد يقوم بها المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترامب إلى موسكو وكييف، قال المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الروسية روديون ميروشنيك، أخيراً، إن على روسيا الاستعداد لاستمرار الحرب لفترة طويلة، معتبراً أن إنهاء القتال أمر مستبعد في المستقبل القريب.
كما صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف
في يونيو/حزيران الماضي، أن موسكو لن توافق على وقف القتال عند خط المواجهة الحالي في شرط مسبق لمفاوضات السلام مع أوكرانيا، مشيراً إلى أن روسيا سبق أن "خدعت" مرة واحدة خلال محادثات فاشلة جرت عام 2022. ومن المعروف أن كييف اقترحت مراراً تجميد الصراع عند خطوط المواجهة الحالية، في إطار أي اتفاق لوقف الحرب. في المقابل، تصر روسيا على أن أي تسوية ستتطلب من أوكرانيا التنازل عن منطقة دونيتسك بأكملها، بما في ذلك المناطق التي فشلت القوات الروسية في السيطرة عليها منذ عام 2014. ومنذ أشهر يسعى الطرفان الروسي والأوكراني إلى تحقيق "نقطة تحول جذرية في الحرب"، لفرض الشروط المناسبة لإنهاء الحرب كل وفق شروطه الخاصة.وبعد فشل روسيا في حسم الحرب سريعاً في فبراير/شباط 2022، تحولت الحرب إلى نوع من الاستنزاف منذ 2023. ومنذ مطلع العام الحالي بدا فشل رهانات روسيا على الفوز بحرب الاستنزاف والمعتمدة أساساً على فارق القوة العسكرية والاقتصادية والديمغرافية، إضافة إلى قناعة أن الدعم الأوروبي لن يدوم طويلاً. وعلى خلفية الهجمات الأوكرانية المؤلمة في العمق الروسي، وتباطؤ التقدم في دونيتسك رغم الكلفة البشرية المرتفعة، بات الكرملين أمام خيارين: الأول، التراجع عن الأهداف الأساسية المعلنة للحرب والاكتفاء بالمكاسب التي تحققت بالفعل، مما يعني عملياً إعلان هدنة غير رسمية للصراع على مبدأ "لا سلم ولا حرب". وأما الخيار الثاني فهو الانتقال إلى شنّ حملة أقوى لإجبار أوكرانيا على الاستسلام، والرضوخ للشروط الروسية في أي مفاوضات مقبلة. وتكشف تصريحات المسؤولين الروس أن خيار التصعيد هو الأرجح. ومن المتوقع أن يتضمن هذا السيناريو حملة تعبئة جديدة لزيادة عدد الجنود على خطوط القتال الرئيسة لتحقيق تقدم على الأرض.
وبالتزامن، من المرجح أن تتصاعد الضربات بالمسيرات والصواريخ الباليستية لكامل البنى التحتية العسكرية واللوجستية والاقتصادية ومرافق الطاقة في كامل الأراضي الأوكرانية، وانتهاز فرصة النقص الكبير في صواريخ الاعتراض والتي أدت في الخامس من أغسطس/ آب الحالي إلى عجز أوكرانيا عن إسقاط أي صاروخ من أصل 28 أطلقتها روسيا يومها. ولضمان نجاح "الحسم" قبل نهاية العام الحالي، من المؤكد أن الكرملين سيبذل كل الجهود الدبلوماسية وإجراءات أخرى، مثل الحرب الهجينة لإجبار حلفاء أوكرانيا على تقليص المساعدات العسكرية والتقنية والاقتصادية، أو إيقافها لخفض قدرات الجيش الأوكراني وزيادة الضغوط من المدنيين الأوكرانيين على زيلينسكي وحكومته للتنازل عن بعض الشروط في أي مفاوضات مستقبلية.
روبيو: أصبح الجانب الأوكراني قادراً على توجيه ضربات في عمق الأراضي الروسية وجعل الروس يشعرون بتبعات هذه الحرب
شكل الاجتماع الذي عُقد بين وزيري الخارجية، الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف، في مايو/ أيار الماضي في مانيلا "لحظة فارقة" في جهود الوساطة الأميركية لإنهاء الحرب. وعلى عكس رغبة روسيا في استمرار العمل على تنفيذ "روح أنكوريج"، أشار روبيو إلى وجود حاجة للسعي نحو "مقترحات وأفكار جديدة"، مضيفاً أن واشنطن مستعدة لطرح "بعض منها في السياق والصيغة المناسبين". وفي مقابلة لاحقة مع شبكة "فوكس نيوز" في مطلع الشهر الحالي، أعلن روبيو أن واشنطن مستعدة مجدداً للعمل مع كل من موسكو وكييف لتحقيق السلام، رغم وجود "خطوط حمراء صارمة" لدى البلدين. وأوضح روبيو أن لدى موسكو وكييف "خطوطاً حمراء قوية للغاية، وما لم نتمكن من تقريب وجهات النظر بشأن هذه الخطوط، فلن نحقق هدفنا. لكننا مستعدون للتحرك". وفي مؤشر إضافي إلى إمكانية تبني مقاربات جديدة، تطرق روبيو إلى رؤية واشنطن للهدف الرئيسي لدبلوماسيتها في هذه المرحلة الجديدة، وقال: "لقد تغيرت ديناميكيات الصراع نوعاً ما في الأشهر الأخيرة، حيث أصبح الجانب الأوكراني قادراً الآن على توجيه ضربات في عمق الأراضي الروسية وجعل الروس يشعرون بتبعات هذه الحرب. ولذا، فإننا نريد استكشاف ما إذا كان من الممكن أن تؤدي هذه الديناميكية الجديدة إلى نوع من التسوية التفاوضية".
الانقلاب الأميركي لم يكتمل
في المقابل، من الواضح أن "الانقلاب" في الموقف الأميركي ليس كاملاً، فقد تراجع ترامب عن عرض سابق قدم خلال قمة حلف حلف شمال الأطلسي "ناتو"، التي عُقدت في تركيا يومي السابع والثامن من يوليو/تموز الماضي، الذي كان يقضي بالسماح لأوكرانيا بتصنيع صواريخ "باتريوت". كما أخفق في الاستجابة لطلب زيلينسكي الحصول على "حزمة شتوية عاجلة" تشمل 300 صاروخ "باتريوت" من دون انتظار بدء الإنتاج المرخص. وفي مؤشر إلى عدم موافقة واشنطن على خطة زيلينسكي
لتوسيع الضربات ضد الأهداف العسكرية في العمق الروسي، تبنى كل من البيت الأبيض وشركة "سبيس إكس" موقفاً غير حاسم تجاه مقترح زيلينسكي لترامب في 28 يوليو الماضي لرفع القيود الجغرافية المفروضة على خدمة "ستارلينك" فوق الأراضي الروسية، والذي يتيح لأوكرانيا استخدام الاتصال الفوري للخدمة لتوجيه طائرات مسيرة بعيدة المدى ضد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الروسية المتحركة المتمركزة في عمق الأراضي الروسية.وفي سياق متصل، بدا أن الخطة الجديدة التي وضعها الحلفاء الأوروبيون للولايات المتحدة بشأن إمداد أوكرانيا بالأسلحة في إطار برنامج "قائمة المتطلبات الأوكرانية ذات الأولوية" تواجه تعثراً، فرغم تدفق 4.5 مليارات دولار إلى الخزانة الأميركية بموجب هذا البرنامج منذ شهر مارس/آذار الماضي، لم يتم توقيع أي عقود حتى الآن. ورغم تصاعد ضربات الطرفين الروسي والأوكراني بالمسيرات والصواريخ، ورغبتها في كسر حالة الاستنزاف التي لن تفضي إلى رابح حسب جميع المؤشرات، فإن فرص نجاح الوساطة الأميركية ما زالت ضعيفة، أوكرانيا لن تسلم أراضي عجزت روسيا عن احتلالها، وروسيا ضد تجميد النزاع، ما ينذر بتصاعد حملات الضغط العسكري من الطرفين لتليين موقف الآخر. ومن الصعب تصور طبيعة أي مقاربات بديلة ترضى بها موسكو وكييف لكسر حالة الجمود التفاوضي.