هكذا يعرقل النظام السوري عودة النازحين إلى دمشق وريفها

16 نوفمبر 2020
الصورة
دمرت آلة النظام العسكرية مناطق في دمشق (لؤي بشارة/فرانس برس)
+ الخط -

قبل أيام حاول النظام السوري، وحليفته روسيا، استغلال ورقة النازحين والمهجرين واللاجئين للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية، من خلال تنظيم مؤتمر حول اللاجئين، لم يعره المجتمع الدولي أي اهتمام، كون النظام لا يزال يضع العراقيل أمام الأمم المتحدة، التي تحاول، منذ منتصف 2012، إيجاد حلول سياسية للقضية السورية. لكن هذه المحاولة باءت بالفشل، في الوقت الذي تعرض فيه المؤتمر لسخرية واسعة. 
ولا تحتاج ادعاءات النظام برغبته بعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم للكثير من الجهد لدحضها، إذ يكفي تتبع كيف يعرقل عودة النازحين داخل سورية إلى منازلهم. وما تزال اللجان، واللقاءات والموافقات الأمنية، تعصف بحلم العودة لعشرات آلاف النازحين جراء العمليات العسكرية التي شهدتها مناطق في دمشق وريفها منذ 2011. وجرت خلال سيطرة قوات النظام على هذه المناطق، منذ أكثر من عامين، عملية نهب للمنازل والممتلكات العامة والخاصة من قبل مليشيات مدعومة من النظام.

النظام السوري يسمح للبعض بتركيب أبواب للمنازل لكن دون أي ضمانات بعدم تعفيشها من جديد

وداخل دمشق، دمّرت آلة النظام العسكرية العديد من المناطق، لعل أبرزها مخيم اليرموك جنوب العاصمة، وجوبر في شرقها، والقابون في شمالها الشرقي. كما مسحت بشكل شبه كامل مدينة داريا على الأطراف الجنوبية الغربية للعاصمة، ومدن وبلدات الغوطة الشرقية، وبعض المدن والبلدات في منطقة وادي بردى في ريف دمشق الشمالي الغربي، وهو ما أدى إلى مقتل وإصابة عشرات الآلاف وتهجير مثلهم داخل وخارج سورية.
تقول أم عمر أبو خليل، النازحة من مخيم فلسطين للاجئين الفلسطينيين جنوب دمشق، منذ بدء الأعمال العسكرية في العام 2012، في حديث مع "العربي الجديد": "قبل أن يقيموا مؤتمراً لعودة اللاجئين فليعيدونا إلى منازلنا، التي نهبوها هم وشبيحتهم". وتضيف "عندما سيطر النظام على جنوب دمشق، ودفع مقاتلين من فصائل المعارضة ومدنيين إلى إدلب عام 2018، وسمح لنا بزيارة منازلنا، اعتقدنا أن علينا حزم أمتعتنا للعودة إليها. فغالبية المنازل، على الأقل في المنطقة التي يقع بها بيتي قرب معمل البسكويت، كانت ما تزال قائمة". وتتابع "قد تكون بعض الجدران قد فتحت، وزجاج النوافذ والأبواب قد تحطم، إلا أنني شاهدت بعيني كيف أن أثاث المنازل والأبواب ما تزال في أماكنها. ومنها منزلي، الذي لم يُمس من قبل مقاتلي المعارضة، حيث بقي كما تركته قبل سنوات، ما خلا تبدل أماكن بعض الأثاث من مكانه. ولكن الحال تغيّر بعد دخول قوات النظام إلى الحي، حيث تشير أم عمر إلى أنها عندما زارت منزلها بعد ذلك "وجدته شبه فارغ من أثاثه". وقالت "كان هناك أشخاص يرتدون اللباس العسكري يجمعون كابلات الكهرباء والهاتف، بواسطة سيارات عسكرية، إضافة إلى جمع الأدوات الكهربائية الكبيرة، والألمنيوم من أبواب ونوافذ، ليتم جمعها في ساحة قريبة من دوار فلسطين في الحي. وعندما حاولت منعهم من نهب منزلي، أجابني أحدهم أنهم مأمورون، وهذه أوامر عسكرية. لقد حرقوا كابلات الكهرباء لاستخلاص النحاس".

تقارير عربية
التحديثات الحية

ولم يسمح النظام للنازحين بدخول المنطقة، في حين استمرت عمليات النهب المنظم، وهو ما بات يُعرف اصطلاحاً بـ"التعفيش" من قبل مليشيات مرتبطة مباشرة بكبار الضباط في قوات النظام، "حتى وصلت لمرحلة سحب أسلاك الكهرباء من جدران المنازل، ونزع سيراميك الأرضيات والجدران، وهدم السقوف والأسطح لسحب الحديد من داخلها، وفك طوب الجدران وبيعه"، بحسب ما أفاد به العديد من الأهالي لـ"العربي الجديد".
وتتكرر وعود النظام للنازحين بالعودة منذ العام 2018، إلا أنه سرعان ما يتبين لهم أنها "نوع من المراوغة وإضاعة الوقت"، بحسب عبد الله. ح (36 عاماً)، والذي فضّل عدم ذكر اسمه كاملاً لأسباب تتعلق بسلامته. ويبيّن، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه اضطر إلى ترك منزله في أحياء العاصمة الجنوبية بسبب العمليات العسكرية في 2013، مشيراً إلى أن استئجار منزل متواضع في دمشق استنزف كل مدخراته، مضيفاً: لقد فقدت كل شيء في ظل البطالة التي تعصف بالبلد. وأوضح أن النظام "يخلق العراقيل دائماً لتعطيل عودتنا إلى منازلنا، بدءا من الأوراق الثبوتية للملكية، لأوراق كاتب العدل، وفواتير الكهرباء والماء والهاتف، والمالية". 

النظام يتسلى بأوجاع السوريين ويعتبرهم ورقة مساومة لإعادة تأهيله وتعويمه من قبل المجتمع الدولي

ويضيف: يجب أن نسدد كل هذه الفواتير من يوم خروجنا من المنزل لليوم، وهو ما فتح أمامنا أبواب الفساد والابتزاز من قبل موظفي الدولة. ويوضح أن "المرحلة الثانية من رحلة العذاب للعودة إلى منازلنا هي مسألة الموافقة الأمنية، التي ربما تحرم الشخص من استلام منزله بسبب منشور كتبه على صفحته على موقع فيسبوك، أو تقرير كيدي. ومن يحالفه الحظ بتخطي كل تلك العراقيل، تبدأ معاناته في تنظيم المنزل ونقل المخلفات". ويشير إلى أن النظام "يسمح للبعض بتركيب أبواب للمنازل، لكن دون أي ضمانات بعدم تعفيشها من جديد، خلال فترة انتظار إعادة البنية التحتية من صرف صحي وشبكة كهرباء، والتي يتم العمل عليها بشكل بطيء جدا".
من جانبه، يوضح فراس. خ، الذي طلب عدم كشف اسم عائلته لأسباب أمنية، والنازح من منطقة القدم على أطراف دمشق الجنوبية، أنه وكثيرين غيره باتوا على قناعة أن النظام "غير جاد في تسهيل عودة النازحين إلى منازلهم، خصوصاً في أحياء جنوب دمشق". ويضيف، في حديث مع "العربي الجديد"، أن النظام بصدد تنفيذ مخططات جديدة، للإيرانيين يد فيها، موضحاً: "يريد النظام إقامة أحياء جديدة وهو ما دفعه إلى تدميرنا بكل صنوف الأسلحة. إيران تريد وضع يدها على أحياء دمشق الجنوبية وربطها مع منطقة السيدة زينب". ويشير إلى أن أغلب سكان أحياء دمشق الجنوبية الذين نزحوا إلى دمشق ولم يهاجروا إلى بلدان أوروبية "مستعدون لإعادة تأهيل منازلهم، ولكن النظام لا يسمح لنا". ويضيف: "المضحك أن النظام يعقد مؤتمراً من أجل اللاجئين السوريين في الخارج، وهو يعلم أنهم لا يفكرون بالعودة في حال استمراره في السلطة. النظام يتسلى بأوجاع السوريين ويعتبرهم ورقة مساومة لإعادة تأهيله وتعويمه من قبل المجتمع الدولي". 
ويعتقد فراس أن النظام يهدف من وراء عرقلة عودة النازحين إلى منازلهم في دمشق وريفها إلى دفع أكبر عدد من السوريين إلى الهجرة. ويضيف "النظام متهالك، ولم تعد لديه القدرة على تقديم الحد الأدنى من الخدمات للسكان في مناطق سيطرته. هو غير مكترث بشيء سوى البقاء في السلطة". ويؤكد أن أغلب السوريين الذين لم يغادروا بلادهم "نادمون على البقاء"، مضيفاً: "كما ترى، لم يبق شيء في مناطق النظام، لا خبز ولا محروقات. تعطلت الحياة تماماً، والأدهى من كل هذا لم يعد هناك أمل لدى الناس في انفراجة قريبة. نقف يوماً كاملاً للحصول على ربطة خبز".

المساهمون