هايكو ماس لـ"العربي الجديد": السلام في ليبيا ممكن

04 أكتوبر 2020
الصورة
ماس: قضية نافالني ليست مسألة ثنائية بين ألمانيا وروسيا (أود أندرسون-بول/Getty)
+ الخط -

خصّ وزير الخارجية الألماني هايكو ماس "العربي الجديد" بمقابلة على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة رفيعة المستوى التي عُقدت في نيويورك الأسبوع الماضي، عن بُعد، بسبب جائحة كورونا. تطرقت المقابلة التي أجريت عبر البريد الإلكتروني، إلى عدد من الملفات الساخنة في الشرق الأوسط كالملف النووي الإيراني، وحظر بيع الأسلحة للسعودية، والقضية الفلسطينية وليبيا وسورية، إضافة إلى قضية المعارض الروسي ألكسي نافالني، والمناخ. وكانت ألمانيا قد تولّت في يناير/كانون الثاني 2019 عضويتها لمجلس الأمن الدولي في نيويورك لتشغل مقعداً غير دائم لسنتين تنتهي نهاية العام الحالي.

أميركا فقدت الحق في استئناف عملية تجديد العقوبات الأممية ضد إيران

* أعلنت الولايات المتحدة في أكثر من مناسبة إعادة تفعيل العقوبات الدولية على إيران (سناب باك) وقالت إن كل الدول والشركات ملزمة بها. ألمانيا، مع فرنسا وبريطانيا، كشركاء في الاتفاق النووي الإيراني، رفضتم ذلك وقلتم إنها غير ملزمة لأن الولايات المتحدة انسحبت من الاتفاق. ولكن حتى قبل تفعيل العقوبات، منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في مايو/أيار 2018، ادعت إيران أن الاتحاد الأوروبي لم يف بتعهداته، لا سيما في ما يتعلق بالنظام المالي والتجارة، ما تعليقكم؟ وهل تعتقدون أن إعادة تفعيل العقوبات، على الرغم من رفضكم لذلك، سيؤثر على تعامل المؤسسات الأوروبية والألمانية تحديداً مع إيران لتتحاشى انتقاماً من الولايات المتحدة؟
لا تزال كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة ملتزمة بالحفاظ على خطة العمل الشاملة المشتركة وتنفيذها تنفيذاً كاملاً. وتعد هذه الاتفاقية في الوقت الحالي الأداة الوحيدة المتاحة لنا للسيطرة على تطلعات إيران النووية على نحو يمكن التحقق منه تحت إشراف دولي صارم. ونحث إيران على الامتناع عن القيام بأي انتهاكات أخرى لخطة العمل الشاملة المشتركة. بل على العكس، ينبغي على إيران أن تتخذ خطوات عملية وملموسة نحو الامتثال الكامل لالتزاماتها النووية.
إن موقفنا إزاء شروع الولايات المتحدة في عملية تجديد عقوبات الأمم المتحدة ضد إيران واضح تماماً: فقط المشاركون في خطة العمل الشاملة المشتركة هم من يُسمح لهم بإخطار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بأي إخلال شديد من جانب إيران بالتزاماتها المنصوص عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة. إن الولايات المتحدة قد انسحبت من الاتفاقية في عام 2018، وبذلك فقدت الحق في المبادرة باستئناف عملية تجديد عقوبات الأمم المتحدة ضد إيران. وقد أُحطنا علماً بالعقوبات التي فرضتها الإدارة الأميركية مجدداً على إيران وأعربنا عن أسفنا إزاء ذلك. وقررنا عدم المشاركة في حملتها الرامية إلى ممارسة أقصى درجة من الضغط. وستظل عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد إيران مرفوعة بالقدر الذي تسمح به خطة العمل الشاملة المشتركة. وهذا بدوره يعني أيضاً أن حظر توريد الأسلحة الذي فرضه الاتحاد الأوروبي سيظل نافذاً حتى عام 2023.

* في أكتوبر/تشرين الأول 2018 وبعد مقتل الإعلامي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول، حظرت ألمانيا تصدير السلاح إلى السعودية. ومن بين الأسباب الإضافية كانت الحرب في اليمن. في مارس/آذار الماضي جددتم هذا الحظر حتى نهاية العام. أولاً الحظر غير شامل لجميع الأسلحة. لماذا؟ وهل تتوقعون تجديده مرة أخرى؟

أعتقد أنه من المهم شرح خلفية هذه المسألة: إن الحكومة الاتحادية قد اتخذت قراراً بعدم الموافقة على أي تصاريح جديدة تخص صادرات المواد العسكرية للسعودية لغاية 31 ديسمبر/كانون الأول 2020 كمسألة مبدأ. وسنقرر في حينه ما إذا كانت هذه السياسة ستستمر إلى ما بعد 2020. ولا يستثني هذا القرار أي نوع من السلع العسكرية، وإنما يأخذ في الاعتبار التزاماتنا الدولية في إطار برامج الإنتاج المشترك مع شركائنا الأوروبيين وحلفائنا. ولن يتم ترخيص التصدير لأي سلع عسكرية إلى المنطقة أو إلى أي مكان في العالم إن شكّل هذا التصدير تهديداً لحقوق الإنسان أو للسلم الدولي.

* في ما يخص سورية، صرحتم في أكثر من مناسبة أنه من دون محاسبة لن يكون هناك إعادة إعمار ولن يتم التوصل إلى حل دائم وشامل في سورية. ولكن كيف تريدون تحقيق هذه المحاسبة إذا لم تتمكنوا من الضغط على روسيا والصين لكي يتم فتح معبرين بدلاً من معبر واحد في ما يخص قرار مجلس الأمن الدولي المتعلق بالآلية العابرة للحدود وتقديم المساعدات؟

أعتقد أن المسألتين منفصلتان. كنا دائماً واضحين تماماً في محادثاتنا مع الحكومة السورية: لن يكون هناك إعادة إعمار من دون البدء الفعلي في عملية سياسية صادقة تحت مظلة الأمم المتحدة. ونحن نعتقد اعتقاداً راسخاً أن العملية السياسية ذات المصداقية هي السبيل الوحيد للسلام المستدام والشرط الأساسي لتطبيع العلاقات مع سورية. منح دمشق شرعية دولية في هذه المرحلة المبكرة سوف يجعل النظام السوري أقل استعداداً للمشاركة البناءة في العملية السياسية.
أما عن المساعدات عبر الحدود، فليس سراً أن القرار الذي أجزناه لم يكن تلك النتيجة التي تمنيناها. لقد هالني استخفاف بعض أعضاء مجلس الأمن، والذي جعلهم يمنعون وصول المساعدات لإنقاذ حياة مئات الاَلاف من المدنيين. ومع ذلك يظل قرار المساعدات عبر الحدود أداة مهمة لدعم السكان في شمال شرق سورية وغربها.

الحل القائم على وجود دولتين هو ما سيفي بالحقوق والطموحات المشروعة للفلسطينيين والإسرائيليين

* تدعم ألمانيا والاتحاد الأوروبي حل الدولتين، بما يتماشى مع الاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة. لكن، على أرض الواقع، إسرائيل مستمرة في سياسة الاستيطان، وعدم إعطاء تراخيص بناء للفلسطينيين، خصوصاً في القدس الشرقية، وحصار غزة وغيرها. على الرغم من كل ذلك فإن لإسرائيل أفضلية في ما يخص التعامل الاقتصادي والعسكري. كيف لإسرائيل أن تغيّر من نهجها وسياسة الاحتلال إذا كانت لا تواجه أي عواقب (لخرقها قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن) ولا يتم الضغط عليها من قبل ألمانيا والاتحاد الأوروبي، بل على العكس تماماً؟"
لقد أثبتت الأشهر الماضية إمكانية وجود علاقات أكثر سلمية في الشرق الأوسط. ومن وجهة نظرنا فإن هذا ينطبق أيضاً على الإسرائيليين والفلسطينيين. وفي الأسبوع الماضي، التقيت مع زملائي من كل من فرنسا والأردن ومصر لمناقشة كيفية اغتنام فرصة التطورات الدينامية الجديدة لصالح عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. واتفقنا على أن كلا الطرفين يجب أن يجددا التزامهما بالاتفاقات التي وقّعاها في الماضي وأن يستمرا في التعاون على هذا الأساس. هناك حاجة ملحّة إلى استعادة الثقة. قد تزيد الاتفاقات الموقّعة بين إسرائيل والدول العربية في الآونة الأخيرة من الثقة بالمسار السياسي نحو السلام. يظل موقفنا واضحاً تماماً: فقط الحل القائم على وجود دولتين هو ما سيفي بالحقوق والطموحات المشروعة للطرفين. وهناك خطورة تتمثل في أن يفقد سكان المنطقة الأمل، ومن اليأس قد تنجم العدوانية.

السلام في ليبيا ممكن وحظر توريد الأسلحة أساسي في حل النزاع

* منذ الاتفاق على مخرجات مؤتمر برلين الخاص بليبيا، زاد عدد الدول المستمرة في خرق تصدير السلاح والمقاتلين. هل ترون أنه يمكن التوصل فعلاً إلى تسوية سياسية مستدامة توقف الحرب؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك في ظل تضارب المصالح بين القوى الليبية من جهة، والفاعلين الإقليميين والدوليين في هذه الأزمة من جهة ثانية؟

سيظل حظر توريد الأسلحة المفروض على ليبيا مسألة أساسية في حل النزاع. إن لم نضع حداً للتدفق المستمر للأسلحة والمعدات والأفراد العسكريين فلن يكون هناك حافز لأطراف النزاع للكف عن سلوكهم الذي يؤدي إلى الدمار. لقد شهدنا أخيراً أن التطورات الإيجابية ممكنة من خلال المفاوضات. فلنأخذ على سبيل المثال محادثات مونترو بين الممثلين عن جميع الأطراف والجماعات الليبية والتي يسّرتها الأمم المتحدة. إن السلام في ليبيا ممكن، وليس لدينا أدنى شك أن الليبيين قد سئموا النزاع ويرغبون في إعادة إعمار بلدهم. ولكن من أجل تعزيز العملية التي تقودها الأمم المتحدة، يلزم على المجتمع الدولي بأسره أن يتّحد في مساندة هذه الجهود. وهذا أمر نسعى إلى دعمه من خلال مسار برلين، ومن دواعي سروري أن أكون رئيساً مشاركاً مع الأمين العام للأمم المتحدة في فعالية بشأن ليبيا حول هذا الموضوع والتي ستُعقد على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة (غداً الاثنين).

* هناك انتقادات شديدة بخصوص سياسات الاتحاد الأوروبي، وألمانيا جزء أساسي من الدول الصانعة لسياساته، المتعلقة بالهجرة وليبيا وخروقات حقوق الإنسان هناك والتعامل مع المهاجرين واللاجئين. هل تعتقدون أن دول الاتحاد الأوروبي بسبب سياساتها المتعلقة بالهجرة ودعمها خفر السواحل الليبي وإرجاعها المهاجرين، على الرغم من معرفتها بسوء المعاملة الذي يلقونه، تتحمّل إن لم يكن كل المسؤولية فعلى الأقل جزءاً كبيراً منها، عما يحدث للاجئين الأفارقة في ليبيا؟

في مناقشاتنا الجارية مع الأطراف الليبية نحن مستمرون في التعبير عن مطالبنا بإغلاق كل مراكز الاحتجاز مع إيجاد بدائل مستدامة للمهاجرين واللاجئين. إن إنقاذ الأرواح في البحر واجب قانونياً وإنسانياً. ولذلك فإننا نؤيد تدابير الاتحاد الأوروبي الجارية والتي تهدف إلى تمكين خفر السواحل الليبي من أداء عمليات البحث والإنقاذ في البحر المتوسط بموجب القانون الدولي. هناك جانب آخر مهم من هذه التدابير هو بالطبع مكافحة شبكات المتاجرين بالبشر التي تعرّض حياة اللاجئين الضعفاء والمهاجرين للخطر.

* لقد أعلنتم أنكم ستتخذون موقفاً حازماً بخصوص إمكانية استخدام عقوبات ضد روسيا في حال لم تحصلوا على أجوبة في ما يخص المعارض الروسي ألكسي نافالني. ما هي آخر المستجدات؟ وهل تشمل هذه العقوبات مشروع أنبوب الغاز "نورد ستريم تو"؟

هذه ليست مسألة ثنائية بين ألمانيا وروسيا. ألمانيا هي فقط من نقل الخبر السيئ. وعلى روسيا أن تفسر للمجتمع الدولي كيف كان من الممكن استخدام العامل الكيميائي المؤثر على الأعصاب والمحظور داخل أراضيها في المقام الأول. حتى الآن، اكتشفت ثلاثة مختبرات في ثلاثة بلدان بشكل قاطع العامل الكيميائي المؤثر على الأعصاب ـ كلها بشكل مستقل عن الآخر. وهذا يعزز من موقفنا. سنناقش بالطبع خطواتنا التالية مع شركائنا الأوروبيين مع أخذ أي ردة فعل روسية إزاء الحدث في الاعتبار. وتظل الدول السبع والعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ملتزمة باستجابة دولية مشتركة ومحتفظة بحقها في اتخاذ التدابير المناسبة.

* أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من اتفاقية باريس للمناخ. أغلب الدول، بما فيها دول أوروبية، ما زالت بعيدة عن تحقيق أهدافها التي تعهدت بها. المناخ واحد من الملفات الرئيسية التي عملتم عليها خلال عضويتكم في مجلس الأمن وعموماً. ما هو أكبر تحدٍ يواجه العالم برأيكم في هذه القضية؟ كيف يمكن الانتقال من مرحلة الوعود إلى التنفيذ، إذا كان أقوى بلد في العالم (الولايات المتحدة) خارج الاتفاقية؟

وضعت ألمانيا موضوع المناخ والأمن على جدول أعمال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، إذ نشهد أدلة متزايدة على أن تغير المناخ يؤجج الصراعات ويهدد الاستقرار في أجزاء كثيرة من العالم. لقد ترأست مناقشة رفيعة المستوى لمجلس الأمن في يوليو/تموز والتي أظهرت دعم غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لجدول أعمالنا. نجح الاتحاد الأوروبي بالفعل في فصل النمو الاقتصادي عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. نما الاقتصاد بنسبة 50 في المائة منذ عام 1990. خلال الفترة نفسها قمنا بخفض انبعاثاتنا بنسبة 25 في المائة، وتجاوزنا بذلك أهداف الخفض بمراحل. يحرز تنفيذ اتفاق باريس تقدماً فعلياً. في الأسبوع الماضي أعلنت الصين هدفها لتحييد أثر انبعاثات الكربون قبل حلول عام 2060، وهو خبر سار للغاية. في الولايات المتحدة، تدأب العديد من الولايات والمدن والشركات الخاصة على اتخاذ التدابير الجريئة لحماية المناخ. أملنا هو أن تقوم الولايات المتحدة قريباً بدعم هذه الجهود على المستوى الفيدرالي وأن تعاود الانضمام إلى اتفاق باريس.

المساهمون