Skip to main content
نيكولاس مادورو... نهاية قسرية لمسيرة وريث تشافيز
مادورو في كاراكاس، 10 ديسمبر 2025 (جيزوس فيرغاس/Getty)

لم يسقط نيكولاس مادورو كما توقع كثيرون، بـ"انقلاب قصر"، وكان ذلك ممكناً أن يحصل، منذ مدة طويلة، وربما منذ وفاة الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز، في عام 2013، بعد أربع ولايات رئاسية وصراع مع المرض، فيما عانى خليفته "البوليفاري"، أو "الديكتاتور" كما يصفه الغرب، كلّ يوم، في حمل إرثه، حتى تاريخ إعلان الولايات المتحدة، اليوم السبت، اعتقاله وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى خارج فنزويلا.

وقد يشكّل اعتقال مادورو، المطلوب أميركياً منذ سنوات، نهايةً لحكمه الذي دخل في عام 2024، ولاية ثالثة مشكوكاً مرة أخرى في نزاهتها، وظلّ منذ 2013، أسير مثلث التشافية والمعارضة الفنزويلية والولايات المتحدة، رغم التحالفات الدولية الواسعة والصداقات الشخصية التي بناها مادورو مع حلفاء لاتينيين وخارج القارة، قائداً لدولة تملك إحدى أكبر احتياطات النفط المؤكدة في العالم، والغارقة رغم ذلك، في أزمة سياسية - اقتصادية مركبة، وصلت حدّ الجوع، وتضخم تخطت نسبته المليون في المئة في 2018، دون أن تتمكّن من إسقاط الرئيس حتى بانقلاب داخلي، ورغم كل ما بقي يُحكى عن استياء التشافيين من مادورو، وعدم إعجابهم به، بل حتى إجراء ورثة التشافية، مراجعة عميقة لحقبة تشافيز، الذي يُتهم بتسليم البلاد ومرافقها لمن أصبحوا لاحقاً "الأغنياء الجدد"، ومن بينهم مادورو وحاشيته.

وصلت مكافأة واشنطن المتعلّقة بمادورو إلى 50 مليون دولار

لكن استعادة قراءة المرحلة التشافية، ليس بنجاحاتها فحسب، بل بإخفاقاتها الاقتصادية الاجتماعية، التي ورثها نظام نيكولاس مادورو من دون أن يُخضعها للإصلاحات، قد تكون خارج السياق اليوم، أو غير كافية أبداً، لفهم اعتقال قوات خاصة أميركية، ليل الجمعة – السبت، الرئيس الفنزويلي، سائق الباص وابن النقابي (نيكولاس مادورو غارسيا) من أصول يهودية، الذي صعد العمل السياسي من بوابة اليسار والاشتراكية، ليصبح نائب تشافيز، ثم خليفته. فالأمر لا يتعلّق حصراً كما يصور الإعلام الغربي، بإخفاقات قيادة داخلية، وسؤال عن شرعية مادورو أو النظام الفنزويلي، في الداخل وأمام المجتمع الدولي، بقدر ما تحوم الأسئلة حول النهم الأميركي الدائم للسيطرة على الموارد العالمية وعلى رأسها النفط، والعبث الأميركي الذي لا يتوقف في أميركا اللاتينية، وملاحقة كل من تشتم الولايات المتحدة رائحة اليسار عليه، وحقبة "الثوار". علماً أن مادورو كان بالنسبة لكثيرين، يستدعي نوستالجيا تلك الحقبة، أكثر مما يمثّلها، وقد خرجت فضائح تروي فصولاً من بذخه على حساب الفنزويليين الجائعين. كما أنّ أمر الاعتقال يرتبط بمروحة واسعة من الأهداف الأميركية، تصل إلى الصين والمحور الإيراني، وفرض الهيمنة واستعراض القوة، بعيداً عن شخص مادورو، المكروه رغم ذلك تاريخياً من صقور الإدارة الأميركية كثيراً.

مكافأة للقبض على نيكولاس مادورو

ورفعت الولايات المتحدة، في أغسطس/آب الماضي، المكافأة لمن يدلي بمعلومات للقبض على مادورو، من 15 مليون دولار للمرة الأولى، في عام 2020، ثم 25، إلى 50 مليون دولار، ووصفته الإدارة الأميركية بأنه أحد أكبر تجّار المخدرات في العالم، و"إرهابي" على نطاق دولي. ويعدّ رأس مادورو، الأعلى في تاريخ مكافآت الملاحقات الأميركية لرؤساء أو زعماء دول، علماً أن واشنطن رصدت مكافآتها للمرة الأولى المرتبطة بمادورو في 2020، في إطار قضية تهريب مخدرات مرفوعة ضده، وألقت القبض عليه في قضية مخدرات، إذ ظلّت هذه التهمة هي المعلنة رسمياً لتبرير كل التدخلات الأميركية في فنزويلا، ومن بينها العقوبات، التي ساهمت لسنوات طويلة، في المزيد من إفقار هذا البلد، وإغراقه في أزمة اقتصادية خانقة، وتسعير الانقسام الداخلي، الذي أصبح مع الوقت حاداً، ودفع النظام إلى ملاحقة المعارضين، الذين منهم من اختبأ ومنهم من هرب إلى الخارج.

وفي كلّ الأحوال، كان يمكن لفنزويلا أن تأخذ منذ وفاة تشافيز، مساراً آخر، وكان يمكن منذ عام 2013، أن يصل المعارضون الذين يتحاورون مع واشنطن، إلى قصر ميرافلوريس (قصر الرئاسة في كاراكاس)، وأن يحصل تناوب على السلطة، مبني على انتخابات حرّة ونزيهة، على غرار الكثير من دول أميركا اللاتينية التي يتناوب فيها اليمين واليسار منذ عقود. هذا الأمر، الذي لم يحصل، كرّس صورة نمطية عن مادورو، روّج لها خصومه والغرب، زعيماً "سلطوياً" أو "استبدادياً"، منذ اللحظة الأولى، في بلد منقسم جداً منذ أيام سلفه، وكرّس كذلك كل انتخابات منذ ذلك العام، كانتخابات دارت حولها علامات الاستفهام، سواء تلك التي أجريت في 2013، بعد إكماله ولاية تشافيز رئيساً انتقالياً، أو في 2018 أو في 2024.

وسط كلّ ذلك، ظلّ نيكولاس مادورو يقارع الولايات المتحدة، سواء عبر طرد دبلوماسيين أميركيين، أو اعتقال أميركيين، أو الإعلان عبر منبر الأمم المتحدة، من نيويورك، أن الأزمة المعيشية في بلاده مجرد "اختراع" أميركي، وأن الولايات المتحدة طامعةٌ في وضع يدها على فنزويلا، والسيطرة على ثوراتها. هذه السردية، وإن كانت في جزئية منها، قريبة من الواقع، إلّا أنها لا تجسّد وحدها مسار سقوط الرجل، الذي فشل سواء في لبرلة الاقتصاد، أو في إطباق الخناق عليه، أو اختراع وصفات اقتصادية شعبوية، لم تتمكن من كبح المحتجين الغاضبين والمعارضين ومنعهم من النزول إلى الشارع في محطات كثيرة منذ 2013، خصوصاً بسبب أزمات البلاد المعيشية المتلاحقة، ومن بينها فصول انقطاع الكهرباء المتكرّرة، التي عزاها مادورو إلى "حرب كهربائية" على بلاده.

في العموم، يبقى غامضاً مسار المرحلة المقبلة في فنزويلا، ومستقبل التشافية الذي يدخل نقطة مفصلية بعد سقوط مادورو، الذي كان تنقل، خلال العقود الماضية، من "حركة الجمهورية الخامسة" (أم في آر)، إلى "الرابطة الاشتراكية" إلى "الحزب الاشتراكي الموحد"، الذي أصبح المظلّة الجامعة للعديد من الأحزاب اليسارية والاشتراكية في البلاد، ومن بينها "حركة الجمهورية الخامسة" بزعامة تشافيز، والرابطة الاشتراكية التي كان يتزعمها مادورو، حين كان الرئيس الفنزويلي المعتقل اليوم، في رحلة الصعود من نائب للمرة الأولى في البرلمان الفنزويلي، في عام 1999، إلى رئيس للبرلمان (2005 – 2006)، ثم نائب للرئيس (2012 – 2013)، قبل أن يصبح رئيساً انتقالياً بعد موت تشافيز، ثم يفوز في أول انتخابات رئاسية يترشح لها، بفارق بسيط جداً عن مرشح المعارضة آنذاك، إنريكه كابريليس.

إرث نضالي

من دون شكّ، فإنّ مادورو يملك إرثاً "نضالياً" إلى جانب الكارهين للنظام الأميركي، وهو تمكّن من الصعود والبقاء في الحكم بسبب خطابه المعادي للإمبريالية الأميركية وولائه المطلق لهوغو تشافيز. في بداية شبابه، انتقل إلى كوبا، حيث انضم إلى "الاتحاد الشبابي الشيوعي" وتلقى تعليمه هناك، قبل عودته إلى بلاده، حيث نشط نقابياً وعمّالياً، وبنى علاقة مع تشافيز في التسعينيات. قاد حراكاً لتحرير تشافيز، الذي كان أدخل السجن في 1992، بتهمة قيادة تمرد عسكري ضد الإجراءات الاقتصادية التي أطلقتها آنذاك، حكومة كارلوس أندريه بيريز (أطلق سراح تشافيز في 1994). في عام 1997، ساهم في تأسيس "حركة الجمهورية الخامسة" إلى جانب تشافيز، وفي صياغة الدستور البوليفاري في 1999، حين دخل البرلمان نائباً، ثم رئيساً له. اختاره تشافيز وزيراً للخارجية في عام 2006، ثم نائباً للرئيس في 2012، قبل أن يزكيه لخلافته قبل وفاته (كان يسمى في الداخل بولي العهد). خلال الفترة الأخيرة من حكم تشافيز، غاب الأخير كثيراً في مشوار العلاج، وأدار مادورو الكثير من المهمات الإدارية واتخذ قرارات اقتصادية.

تخطت نسبة التضخم في عهد مادورو المليون في المئة

دعم مادورو العديد من الأنظمة العربية، من بينها حكم بشار الأسد في سورية، ونظام معمر القذافي، وبنى علاقات تقارب مع إيران وتركيا وتحالف مع روسيا والصين (قناة روسيا اليوم ذكرت أن المبعوث الصيني الخاص كوي تشاوكي، التقى مادورو يوم الجمعة). أممياً، كانت لجنة تقصي حقائق مستقلة توصلت في 2024، إلى أنّ العنف المستخدم ضد معارضي السلطات الفنزويلية وصل إلى مستويات غير مسبوقة، مشيرة إلى الاعتقالات والاعتداء الجنسي والتعذيب باعتبارها بعض الأساليب التي استخدمتها حكومة مادورو للبقاء في السلطة. ووفقاً لتقرير البعثة، فقد أشارت شهادات الضحايا إلى "واحدة من أكثر أزمات حقوق الإنسان حدة في التاريخ الحديث"، بعد انتخابات 2018 الرئاسية، لافتاً إلى أنه بعد الانتخابات "لم تكن هناك أي تحسينات فحسب، بل إن الانتهاكات اشتدت، ووصلت إلى مستويات غير مسبوقة من العنف". علماً أن مادورو لم يكن معترفاً به من العديد من دول الغرب، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بعد انتخابات 2018 و2024. أعلن مادورو عن محاولات فاشلة لاغتياله، أبرزها حين أعلنت السلطات في أغسطس 2018، القبض على بعض المتورطين بمحاولة اغتياله بمسيّرتين مرّتا من أمامه أثناء إلقائه خطاباً في استعراض عسكري بكاراكاس، التي اتهمت حينها كولومبيا بالعملية.

على الصعيد الخاص، تزوج مادورو مرتين، الأولى في عام 1988، من أدريانا غيرا أنغولو، وله منها ابنه الوحيد، نيكولاس مادورو غيرا، والثانية زوجته التي اعتقلت معه، سيليا فلوريس، وهي محامية تشافيز السابقة، وعضو في الحزب الاشتراكي الموحد، وكانت مشمولة بالعقوبات الأميركية.

رحلة مادورو، المولود في عام 1962 في كاراكاس، من سائق باص إلى معتقل على يد الأميركيين، قد تكون سيرة مكرّرة في أميركا اللاتينية، وليست الأولى، لجهة ملاحقة الولايات المتحدة، لرموزٍ في النصف الجنوبي من القارة، من الخصوم السياسيين، أو لدول تبقى خاضعة منذ عقود، من دون مسوّغ قانوني دولي، للعقوبات، مثل كوبا. هناك ما يقال عن "بلطجة" أميركية لا تتوقف في هذا الصراع، لكن سيرة نيكولاس مادورو على رأس نظام متهالك، ساهمت في تغذيتها.

(العربي الجديد)