نظرة على أوضاع الفلسطينيين التعليميّة داخل وخارج الوطن

31 يناير 2021
الصورة
احتجاج في غزة على تعديلات في المنهج التعليمي (محمد عابد/فرانس برس)
+ الخط -

الاتّحاد العام لطلبة فلسطين.. بنية تنظيميّة سبقت تأسيس منظّمة التحرير الفلسطينية، بل وكافة فصائل المقاومة ضدّ المشروع الصهيوني. هذا الاتّحاد كان له الدور الأساسي والجوهري في تشكيل ثقافة الكفاح، وصنع أدوات ومنظّمات وحركات التحرر الوطني الفلسطيني. الدلالة الحاسمة لهذه البنية التنظيميّة تتمثّل في جدليّة العلاقة بين التعليم والثورة.
طلبة فلسطين هم صنّاع أكثر ثورات العالم الحديث ديناميكيّة وفاعليّة.. شابّات وشبان في مقتبل العمر تمكّنوا من تحدّي أعتى القوى الإمبرياليّة التي تتحكّم في موارد وسياسات، بل ومصير هذا الكوكب الصغير. التعليم بوصفه تلبية حاسمة لشغف المعرفة، وإشباع لنزعة الفضول التي مكّنت البشريّة من سيادة الأرض، ليس غريباً أن يمكّن المسكونين بعشقه من صناعة الثورة الدائمة بهدف التغيير الجذريّ، الذي يستهدف بتر ذراع التوحّش الإمبرياليّ في الشرق الأوسط.
النكبة المستمرّة حتّى هذا اليوم، وضعت الشعب الفلسطيني أمام المعادلة التالية: ضياع الوطن يستوجب التزوّد بسلاح العلم، باعتباره الوسيلة الوحيدة المتاحة للبقاء المحض. لذا، كان من البديهي أن تحتلّ فلسطين المرتبة الأولى على مستوى العالم العربي فيما يتعلّق بنسبة المتعلّمين إلى عدد أفراد الشعب، وفقاً لموقع الموسوعة الحرّة.
ووفقا لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، في تقريره الاستراتيجي لعام 2019، بلغت نسبة المتعلّمين من الشعب الفلسطيني في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة 97%، فيما لم تتجاوز نسبة الأميّين 3%. الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء أفاد بأرقام مختلفة قليلاً، إذ أشار إلى أن نسبة الأميّة تبلغ تحديداً 2.6%، كما تشير أرقامه إلى أن الحاصلين على التعليم الابتدائي تبلغ نسبتهم في الضفة وغزة 99.1% من عموم السكّان، وتبلغ نسبة الحاصلين على الثانويّة الدنيا 92%، مقابل 61.2 من الحاصلين على الثانويّة العليا.
وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة كانت قد أصدرت تقريراً حول الواقع التعليمي للعقد الماضي، الذي شهد انتفاضات الربيع العربي. وفقاً لذلك التقرير بلغ عدد المدارس للعام الدراسي 2011-2012 في الأراضي الفلسطينية 2707 مدارس (2019 مدرسة في الضفة الغربية، و688 في قطاع غزة) حيث بلغ عدد المدارس الحكوميّة 2005، مقابل 343 مدرسة تشرف عليها وكالة الغوث الدولية "الأونروا"، و359 مدرسة يشرف عليها القطاع الخاص.
في القدس، والأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في عام 1948، يختلف الوضع بشكل يستوجب القلق. قوّات الاحتلال الإسرائيلي تقوم من فترة لأخرى بإغلاق المدارس المقدسيّة التي ترفض تعليم المناهج العبريّة للطلبة الفلسطينيّين فيها، فضلاً عن التدخّلات الصهيونيّة في المناهج، التي تستهدف اجتثاث كلّ ما له علاقة بالهويّة الوطنيّة الفلسطينيّة، والتاريخ الفلسطيني، وحقّ العودة، إضافة إلى محاولات الاحتلال المستمرّة لضمّ المدارس الفلسطينيّة الخاصّة في المدينة المقدّسة إلى ما يسمّى بوزارة المعارف الإسرائيليّة، وكذلك حجب الدعم المالي عن مدارس القدس لإجبارها على تطبيق المناهج الصهيونيّة.
وبالنسبة لواقع الفلسطينيّين التعليميّ في الأراضي المحتلّة عام 1948، يشير تقرير "أدفا" الصادر قبل سنتين إلى أن 44.4% من خرّيجي المدارس حاصلون على شهادة الـ "بجروت" (الثانويّة العامّة)، وإلى أن 32.4% فقط من الطلبة يتّجهون إلى الجامعات وكليّات المجتمع!
أمّا في ما يتعلّق بالوضع التعليمي للفلسطينيّين خارج الأراضي المحتلّة، فهو لا يختلف إطلاقا عن واقع أشقّائهم العرب في الدول الموجودين فيها، حيث تفتقر الوسائل التعليميّة إلى أسس النقد العلمي، والتفكير البنّاء، وتركّز على مقاربة التلقين، وحشو أدمغة الطلبة بمعلومات لا تلبث أن تلفظها الذاكرة فور انتهاء الاختبارات "التقييميّة".
أضف إلى هذا أن المناهج العربيّة بشكل عام تفضي إلى تكوين أفراد خاضعين للسلطة، بدءاً من سلطة المعلّم والمدير، وصولاً إلى سلطة "القائد الأوحد" أو الطبقة الحاكمة. هذه المناهج تعمد باختصار إلى زرع الخوف في قلب كل طفل، بحيث يكون هذا الخوف، قبل أيّ شيء آخر، هو الموجّه الأساسي لسلوكه، بل ولمنهجيّة تفكيره.
سوء المناهج التعليميّة لم يقف عند هذا الحدّ، ففي بعض الدول التي أبرمت معاهدات واتّفاقيّات "سلام" مع الاحتلال الصهيوني، كالأردن مثلاً (الذي حذفت مادّتا الفلسفة والقضيّة الفلسطينيّة من مناهجه)، قامت السلطات بتغيير المناهج بما يتوافق مع رغبات هذا الاحتلال التوسّعي، فميّعت القضيّة الفلسطينيّة، وأسقطت حقّ العودة من نصوصها، بل وحذفت كلّ ما يتّصل بالحثّ على المقاومة.
حتّى في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، لم تنج مناهج السلطة الفلسطينيّة التي اعتمدت منذ بد العام الدراسي 2000-2001 من إملاءات الجهات المانحة التي فرضت حذف كل ما "يحرّض" على الاحتلال، سواء أكان آيات قرآنيّة، أو نصوصاً شعريّة. كما أن الطلبة في فلسطين المحتلّة لا يواجهون تمييع المناهج فحسب، بل حتّى تلقّي التعليم في المدارس يعدّ مهمّة نضاليّة يوميّة، تستوجب النجاة من خطر الموت المتربّص عند كلّ حاجز عسكريّ، فضلاً عن لعنة جدار الفصل العنصري.
أمّا بالنسبة للجامعات في بعض بلدان اللجوء، فقد تحوّلت إلى شركات استثماريّة ربحيّة، تمضي بتسارع جنونيّ إلى جعل التعليم العالي حكراً على الأثرياء. وفوق كلّ هذا يحرم طلبة الجامعات من ممارسة العمل السياسي في كثير من الدول العربيّة، حتّى إن كثيراً من الحاصلين على المنح الدراسيّة يجبرون على توقيع تعهدات بعدم ممارسة أيّ نشاط سياسيّ خلال فترة الدراسة.
ولا ننسى أن انهيار المعسكر الاشتراكي حرم الطلبة الفلسطينيّين من "منجم التعليم"، الذي كانت توفّره الدول الداعمة للقضيّة الفلسطينيّة عبر المنح الدراسيّة، حيث كان كثير من الطلبة يتلقّون تعليمهم العالي في أعرق الجامعات حول العالم، وهو ما لا يتوافر اليوم كما كان عليه الوضع في سبعينيّات وثمانينيّات القرن الماضي، حين كانت الجامعات تخرّج أجيالاً من القادة والمفكّرين، الذين انخرطوا بوعي في النضال الوطني التحرّري.
وبالمقابل فإن واقع المدارس والجامعات في الدول العربيّة اليوم يتدهور بشكل عنيف، وتحكمه أبجديّة الترويض والتدجين، إلى جانب رداءة المخرجات التعليميّة. ولكن الكارثة الكبرى فيما يتعلّق بوضع الفلسطينيّين التعليمي تتجسّد في لبنان بشكل خاصّ.
وفقاً لكتاب "أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان"، الصادر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، فإن 87 مدرسة فقط متاحة للاجئين الفلسطينيّين في لبنان، يدرس فيها نحو 39 ألف طالب وطالبة وفق الإحصائيات الصادرة عن الأونروا، مقارنة بـ118 مدرسة في سورية. كما أشار إلى تردّي خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التعليميّة، بدءاً بالعجز المالي وسياسة التوظيف، والأبنية المدرسيّة ونظام الدفعتين، ولوازم التعليم والضغوط والإهمال، وصولاً إلى انعكاسات السياسة التعليميّة "للأونروا" على نسب الرسوب والتسرب المدرسي والأميّة.
وبذكر وكالة الغوث تجدر الإشارة إلى المحاولات الصهيونيّة المستمرّة لتصفيتها باعتبارها رمزاً سياسيّاً يعبّر عن قضيّة اللاجئين، واتّهامات الاحتلال لهذه الوكالة بـ "التحريض على العنف"، فضلاً بموقف الولايات المتّحدة التي امتنعت عن تقديم دعمها المالي لـ "الأونروا" خلال عهد ترمب. لكن الكارثة الكبرى تتمثّل في موقف بعض الدول التي تسمّى بـ "الشقيقة". صحيفة "اللوموند" الفرنسية كشفت مؤخّراً وجود مخطّط إماراتي - صهيوني لتصفية "الأونروا"، إذ أكّدت الصحيفة في عددها الصادر بتاريخ 23 كانون الأول الماضي أنّ الخطّة التي تدرسها الإمارات، والتي قدّمت من خلال معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ومركز الإمارات للسياسات، تهدف إلى تصفية نهائيّة لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
النضال ضدّ محاولات تصفية "الأونروا" يفرض نفسه اليوم بوصفه مهمّة حاسمة لا تحتمل التراخي. ولا ينبغي أن يقف هذا النضال عند حدود الحفاظ على وكالة الغوث بوصفها رمزاً سياسيّاً لقضيّة اللاجئين، بل يجب أن يستمرّ للارتقاء بواقعها الآخذ بالتدهور أكثر فأكثر، بدءاً من الاكتظاظ المرعب في الصفوف المدرسيّة، وانتهاء بسياسات إداراتها الحاليّة.
وفي الداخل الفلسطيني تتحمّل كافّة الفصائل مسؤوليّة تاريخيّة، تفرض عليها النضال من أجل مواجهة المحاولات الصهيونيّة لتصفية المدارس العربيّة في القدس المحتلّة، بالتوازي مع الارتقاء بواقع المناهج التعليميّة في غزّة والضفّة الغربيّة، إلى ما يمكّن من خلق جيل يمتلك أدوات المعرفة والنقد البنّاء، وقادر على الانخراط بوعي في النضال الوطني الفلسطيني.
وفيما يتعلّق بالتعليم العالي، سواء في الداخل الفلسطيني أو البلدان العربيّة، فلا بد من مواصلة النضال إلى جانب الطلبة العرب من أجل إتاحته للجميع، بحيث يكون مجّانيّاً أو برسوم رمزيّة، وتحديداً في البلدان التي تتجه نحو الخصخصة بشكل جنونيّ، مثل الأردن ومصر.
كما تجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الدول ما زالت تقدّم منحاً دراسيّة للطلبة المتفوّقين في كافّة أنحاء العالم، كلّ ما يتطلّبه الأمر جعل هذه المنح متاحة لطلبة فلسطين هو الارتقاء بالسياسة الفلسطينيّة الخارجيّة إلى مستوى يليق بحجم القضيّة المركزيّة لهذه الأمّة المنكوبة بساستها وجلاوزة أنظمتها الحاكمة.
وفي النهاية بجب ألا يغيب عن الذهن أن ارتفاع نسبة المتعلّمين بين أبناء الشعب الفلسطيني لا تكفي لدعم المشروع النضالي التحرّري، إذ إن العامل الحاسم فيما يتعلّق بجدليّة التعليم والثورة، هو مخرجات العمليّة التعليميّة. جودة التعليم وليس عدد المتعلّمين فحسب هي ما تستوجب النضال من أجلها.

المساهمون