نزاع تيغراي يتمدد: نيران في إثيوبيا ودول الجوار

16 نوفمبر 2020
الصورة
فرّ آلاف الإثيوبيين نحو السودان هرباً من المعارك (إبراهيم حامد/فرانس برس)
+ الخط -

تتواصل الحملة العسكرية للجيش الإثيوبي على إقليم تيغراي الشمالي الذي يقع على الحدود مع إريتريا والسودان، منذ الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، مخلّفةً وراءها تداعيات اجتماعية وأمنية في الإقليم، حيث تواصِل أفواج الهاربين من الحرب المستعرة عبور الحدود نحو السودان المجاور بحثاً عن ملاجئ آمنة. كما أنّ تهماً بارتكاب جرائم حرب بحق السكان في تيغراي توجّه من قبل منظمات إثيوبية حقوقية، لحكومة آبي أحمد. وفيما تتواصل المعارك في الإقليم، التي ترافقها دعوات دولية وأممية لوقف الحرب، فإنّ التطورات بدأت تنذر بحرب أهلية في إثيوبيا، لن تكون دول الجوار بمنأى عن تداعياتها. وليس تبني "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" قصف مطار أسمرة في إريتريا مساء السبت، إلّا تعزيزاً للمخاوف من اندلاع نزاع واسع النطاق في منطقة القرن الأفريقي.
وقال رئيس إقليم تيغراي دبرصيون جبراميكائيل، أمس الأحد، إن قواته أطلقت صواريخ على مطار العاصمة الإريترية أسمرة مساء أول من أمس السبت، مؤكداً بذلك تقارير دبلوماسيين عن تصعيد كبير في الصراع المستمر منذ نحو أسبوعين في إثيوبيا.
وكتب جبراميكائيل في رسالة نصية إلى وكالة "رويترز": "القتال لا يزال مستمراً على جبهات عدة". وبعد فترة وجيزة من الهجوم، تحدث خمسة دبلوماسيين إقليميين لـ"رويترز" عن إطلاق ثلاثة صواريخ على الأقل من إثيوبيا على العاصمة الإريترية مساء السبت، وقال ثلاثة من الدبلوماسيين إن اثنين على الأقل من تلك الصواريخ سقطا على مطار أسمرة. وفي تحذير أمني، قالت السفارة الأميركية في إريتريا إن "سلسلة من الأصوات العالية سمعت في أسمرة" مساء السبت.

جبراميكائيل: نخوض معارك ضد 16 فرقة تابعة للجيش الإريتري

ولم يذكر جبراميكائيل، عدد الصواريخ التي أطلقت على أسمرة يوم السبت، لكنه قال إنها المدينة الوحيدة في إريتريا التي تم استهدافها. وقال: "ما دامت القوات تقاتل هنا، فإننا سنأخذ أي هدف عسكري مشروع وسنطلق النار"، نافياً في حديث مع وكالة "أسوشييتد برس" الأنباء عن دخول قوات تيغراي إلى إريتريا.
وأوضح جبراميكائيل لوكالة "فرانس برس"، أنّ "القوات الإثيوبية تستخدم كذلك مطار أسمرة" في عمليتها العسكرية ضد منطقته، ما يجعل المطار "هدفاً مشروعاً" على حد تعبيره للضربات التي وقعت ليل السبت. وأضاف أن قواته تخوض معارك ضد "16 فرقة" تابعة للجيش الإريتري منذ أيام "على جبهات عدة". وأشار إلى أنّ قوات إريترية عبرت الحدود إلى داخل إثيوبيا عند بلدات بادمي وراما وزالامبيسا الحدودية التي تقع في الإقليم الشمالي المضطرب. وأضاف: "تهاجمنا بلادنا بالاستعانة بدولة أجنبية هي إريتريا. (إنها) خيانة!".
ولم يذكر جبراميكائيل عدد الصواريخ المتبقية تحت تصرف قواته، لكنه قال لـ"أسوشييتد برس": "لدينا العديد منها. يمكننا استخدامها بشكل انتقائي في أي مكان". وعندما سُئل عن احتمال استهداف العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، أجاب: "لا أريد أن أخبرك، لكن الصواريخ بعيدة المدى أيضاً". وحول وقف إطلاق النار، قال جبراميكائيل إنّ الاتحاد الأفريقي يضغط من أجل وقف إطلاق النار، "لكن رئيس الوزراء (آبي أحمد) غير مستعد للاستماع. إنه يؤمن بما لديه من قوة". ووصف ذلك بأنه "وضع فوضوي حقاً يتطلب تدخلاً دولياً".
وكان جبراميكائيل قد قال يوم الثلاثاء الماضي إنّ إريتريا أرسلت قوات عبر الحدود لدعم حكومة آبي أحمد. غير أنّ وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح محمد، نفى صحة ذلك، وقال لـ"رويترز": "لسنا طرفاً في الصراع".
وأكد مسؤول كبير آخر في "جبهة تحرير تيغراي"، وهو غيتاتشو رضا، في بيان نُشر على وسائل التواصل الاجتماعي، أنّ رئيس وزراء إثيوبيا "يجند الآن دعم طائرات بدون طيار إماراتية متمركزة في (مدينة) عصب الإريترية في حربه المدمرة ضد شعب تيغراي"، من دون أن يقدم أي دليل يدعم إدعائه، بحسب وكالة "أسوشييتد برس".

من جهته، قال آبي أحمد في تغريدة على "تويتر"، أمس الأحد، إن بلاده قادرة على تحقيق أهداف عمليتها العسكرية في تيغراي "بنفسها"، وذلك بعد ساعات من قول جبراميكائيل إن قواته تقاتل قوات من إريتريا المجاورة بالإضافة إلى القوات الإثيوبية.
وهيمنت "جبهة تحرير تيغراي" على الحياة السياسية في إثيوبيا على مدى نحو ثلاثة عقود وخاضت حرباً حدودية مدمرة مع إريتريا بين عامي 1998 و2000، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف. ووقع البلدان اتفاق سلام قبل عامين، إلا أنّ حكومة الرئيس الإريتري إسياس أفورقي لا تزال معادية لقيادة تيغراي بسبب دورها في تلك الحرب.
وبعد أسبوع من الحرب العسكرية بين الجيش الإثيوبي و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، أعلن الجيش الإثيوبي تحقيق مكاسب عسكرية وميدانية، بما فيها السيطرة على مطار الإقليم، واتخذ إجراءات عسكرية ترافقت لاحقاً مع تعيين رئيس جديد لحكومة الإقليم. إذ قال آبي أحمد، يوم الجمعة الماضي، إن البرلمان عيّن رئيساً جديداً لإقليم تيغراي هو مولو نيغا، فيما تشن القوات الاتحادية هجوماً على زعماء المنطقة الواقعة في شمال البلاد الذين تتهمهم الحكومة بالخيانة والإرهاب. وجاء هذا الإعلان بعد يوم من تجريد البرلمان رئيس تيغراي دبرصيون جبراميكائيل من الحصانة من الملاحقة القضائية. وكان انتُخب جبراميكائيل في سبتمبر/أيلول الماضي ويترأس "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي".

قال آبي أحمد إن بلاده قادرة على تحقيق أهداف العملية

ويرجح محللون وصحافيون تحدثوا مع "العربي الجديد" من أديس أبابا، أنّ الحملة العسكرية الحكومية ضد "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، سيكون لها تبعات محلية وتداعيات إنسانية على أمن وسياسة إثيوبيا الجديدة، مؤكدين أنّ عدم الحسم عسكرياً لتمرد الجبهة سيفاقم الوضع الأمني في إثيوبيا ويفتح شهية أقاليم أخرى للتمرد ضدّ الحكومة.
وفي السياق، يقول الصحافي السوداني المقيم في إثيوبيا، عباس محمد صالح، في حديث مع "العربي الجديد" عبر الهاتف، إنّ "النزاع العسكري في إقليم تيغراي ستكون له تداعيات محلية وخارجية؛ فالتبعات المحلية ستظهر في حال عدم الحسم السريع للوضع المتفجر، لأن ذلك قد يساعد على انتقال النزاع إلى مرحلة أخرى أو يجرّ مناطق أخرى من البلاد، فضلاً عن وقوع نزاعات عرقية هناك وهناك. أمّا التبعات الخارجية، فأهمها ما يتعلق بالقلق من التداعيات الإقليمية والإنسانية التي سيتركها الصراع، في منطقة تراها الدول الكبرى هشة وعبئاً إنسانياً كبيراً".
ويضيف صالح أنه "لا يوجد خيار أمام آبي أحمد سوى الحسم السريع في هذه المعركة، بغض النظر عن التعقيدات والتداعيات، لأنّ ثمن عدم السيطرة على هذا الإقليم على نحو سريع، سيكون التأثير عليه شخصياً، إذ سيدفع نظامه فاتورة باهظة وعلى أكثر من صعيد". ويرى صالح أنّ "بإمكان الجيش الإثيوبي سحق الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والسيطرة على الإقليم ومن ثم فرض إرادة الحكومة الفيدرالية عليه"، لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن ذلك "لن يتحقق من دون دفع ثمن باهظ، وستكون حرباً تستنزف الدولة ولا تتوقف عند حدود إقليم تيغراي، وإنما ستنتقل إلى أقاليم أخرى أو البلدان المجاورة".
وبحسب مراقبين فإنّ النزاع العسكري في إثيوبيا ستكون له أبعاد وخيمة على منطقة القرن الأفريقي، التي عاشت ردحاً من الزمن تحت نار الصراعات العسكرية، وفي أزمات إنسانية نتيجة الفقر والجفاف والحروب والأمراض المعدية. ويقول صالح "إنّ الحملة العسكرية المستعرة في إقليم تيغراي ستفاقم مجدداً ظواهر النزوح واللجوء وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتحديداً شبكات الهجرة غير الشرعية، وستؤثر كذلك على الجانب الأمني، ولا سيما مسألة الإرهاب، في ظلّ ضعف دول المنطقة أمام التحديات الأمنية". ويشير إلى أنّ "هذا النزاع مدمر اقتصادياً لكلا الطرفين، ومُكلف إنسانياً على صعيد الاحتياجات الطارئة للضحايا، فضلاً عن تبديد القدرات التسليحية والموارد في نزاع داخلي كان يمكن تجنبه قبل أن يشتعل".

الصحافي عباس صالح: لا يوجد خيار أمام آبي أحمد سوى الحسم السريع في هذه المعركة

وبعد مرور قرابة أسبوعين من الهجمات العسكرية في إقليم تيغراي، بدأت قبل أيام دعوات دولية وأممية لوقف النزاع وتجنب ارتكاب مجازر حرب ضدّ السكان. ويرى صالح أنّ "ردود الأفعال الدولية جاءت متأخرة جداً، على الرغم من الدعوات لتحرك وقائي ينزع فتيل الصراع، ويمنع تفاقمه لمستويات أخطر. فالمجتمع الدولي لم تعد لديه فرصة للتأثير على الطرفين في هذه المرحلة بعد انزلاقهما إلى مواجهات مسلحة مباشرة. وبالنظر إلى أن هذه المواجهة تعد معركة مصيرية لكلا الطرفين، فلن يكون المجتمع الدولي قادراً على القيام بأي تحرك فعّال سوى تجاه التداعيات الإنسانية لهذا النزاع".
أما رئيس "المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية" ياسين أحمد، فيقول في حديث مع "العربي الجديد"، عبر الهاتف: "إذا حسمت المعركة سريعاً، فإنّ المنطقة ستشهد استقراراً، فحكومة إقليم تيغراي لم تقبل التحولات الجارية في إثيوبيا وتعمل دوماً على إحداث قلاقل في البلاد". لكن أحمد لا يستبعد "حلّ الخلافات بين الإقليم والحكومة الإثيوبية عبر المفاوضات، إذا أعطيت الفرصة للحوار من كلا الطرفين المتنازعين". ويشير إلى أنّ حكومة آبي أحمد "كانت تدعو قيادات الإقليم للحوار والجلوس إلى طاولة المفاوضات منذ عام 2018، لحل الخلافات السياسية العالقة بين الإقليم والحكومة، إلا أنّ محاولاتها باءت بالفشل، وانتهت إلى خيار عسكري فُرض عليها، نتيجة إقدام الجبهة الشعبية في إقليم تيغراي على إجراء انتخابات رئاسية مطلع سبتمبر/أيلول الماضي. وهو ما مثّل تحدياً للسلطة المركزية في إثيوبيا والدستور المعمول به، بعد أن ضربت الجبهة عرض الحائط قرارات البرلمان واللجنة الفيدرالية للانتخابات، والتي أجلت تنظيم الانتخابات في الأقاليم الإثيوبية عموماً".
ويضيف ياسين أحمد أنّ قادة إقليم تيغراي "فقدوا حلفاءهم من القوميات والأحزاب الأخرى، نتيجة سعيهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، الأمر الذي فرض عزلة سياسية على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي منذ عامين، ولا سيما بعد خلافات قياداتها السياسية مع السلطة المركزية وبعد أن فقدوا مناصبهم ونفوذهم داخل النظام الإثيوبي".
وبحسب أحمد، فإنّ "حسم الصراع في الإقليم لا يتوقف إلا بتقديم قيادات ومسؤولي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى العدالة، بسبب تعدياتهم العسكرية ضدّ مؤسسات الحكومة الإثيوبية".
وعن احتمال حصول تدخلات خارجية لوقف النزاع بين الجانبين، يقول ياسين أحمد إن "التدخلات الخارجية لن تجد آذانا صاغية في إثيوبيا، بسبب الرفض المتكرر من قبل رئيس الوزراء آبي أحمد لها، وقوله مراراً وتكراراً في أكثر من ميدان، إن هذه أزمة داخلية ولا نريد لأحد التدخل في شؤوننا الداخلية".
من جهته، يقول الصحافي الصومالي أنور بشير المنحدر من الإقليم الصومالي في إثيوبيا (يقع في المنطقة بين غرب الصومال وشرق إثيوبيا)، لـ"العربي الجديد"، إن "الحرب الجارية إذا لم تحسم لصالح الحكومة الإثيوبية، فإن هذا النزاع العسكري سينتقل حتماً إلى أقاليم أخرى، ويفتح جبهات جديدة، وهو ما قد يجعل إثيوبيا كلها بمثابة بركان حرب مشتعل هنا وهناك".
ويضيف بشير أنّ "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ستواجه مصيراً غامضاً، ومن المتوقع أن تحصل جرائم حرب وإبادة بحق السكان في هذا الإقليم، نتيجة دخول قوميات أخرى على خط النزاع مثل قومية الأمهرة ذات الكثافة السكانية في إثيوبيا بعد الأورومو". وأشار إلى أنّ "قيادات تيغراي هي التي ابتكرت النظام الفيدرالي من أجل تقاسم السلطة وثروات البلاد مع القوميات الأخرى التي تفوقها عدداً من الناحية السكانية، وخصوصاً قوميتا الأمهرة والأورومو".
أما الصحافي الصومالي أنور عبد الفتاح، فيقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "التبعات الإنسانية للحرب العسكرية الإثيوبية بدأت تظهر جلياً في المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا، حيث فرّ الآلاف من منازلهم في إقليم تيغراي نحو البلدات والمدن السودانية الحدودية، وقد وصل بعضهم وهم يشكون من تبعات حرب نفسية مريرة".

المساهمون