نجمة داود تشعل معركة الليبرالية سيمونا محمدسون.. إسرائيل وغزة في قلب الانتخابات السويدية
قبل أسابيع من الانتخابات العامة السويدية المقررة في 13 سبتمبر/أيلول، وجدت زعيمة الحزب الليبرالي ووزيرة التعليم والاندماج في حكومة يمين الوسط، سيمونا محمدسون (Simona Mohamsson)، نفسها في جدل يتجاوز المنافسة الانتخابية. ومحمدسون سياسية سويدية من أصول فلسطينية ولبنانية، وُلدت في هامبورغ عام 1994 وانتقلت إلى السويد في طفولتها. صعدت سريعاً داخل الحزب الليبرالي، وتولت رئاسته في يونيو/حزيران 2025، لتصبح أول شخصية من أصول عربية تتولى قيادة حزب سويدي، كما تشغل منصبي وزيرة التعليم والاندماج في حكومة أولف كريسترسون.
وقد أصبحت مواقفها من الاحتلال الإسرائيلي والحرب على غزة، إلى جانب دفاعها عن اليهود ومناهضة معاداة السامية، موضع اهتمام خاص، خصوصاً في ظل خلفيتها الفلسطينية. وفي هذا السياق، ظهرت الاثنين الماضي في مناظرة لرؤساء الأحزاب مرتدية قلادة على شكل نجمة داود، لتصبح محور نقاش حول "معاداة السامية"، وحرب الإبادة في غزة، وعلاقة السويد بإسرائيل، وحدود توظيف الرموز الدينية في السياسة.
وكان والدها قد غيّر اسم العائلة من "محمد" إلى "محمدسون" بعد انتقال الأسرة، تعبيراً عن الاندماج والامتنان للبلد الذي استقرت فيه.
نجمة للتضامن أم رمز سياسي؟
قالت محمدسون إن ارتداء نجمة داود رسالة تضامن مع اليهود السويديين واحتجاج على تصاعد معاداة السامية منذ اندلاع حرب غزة، مؤكدة حق اليهود في ارتداء رمزهم الديني علناً من دون خوف.
لكن الخطوة أثارت انتقادات من أصوات يسارية ومؤيدة للفلسطينيين، رأت أن الرمز، في سياق الحرب، قد يُفهم بوصفه إشارة إلى إسرائيل أو الصهيونية، خصوصاً مع مواقف محمدسون المؤيدة لبعض السياسات الإسرائيلية، كما ذهب تقرير لصحيفة "أفتونبلاديت" السويدية، أمس الثلاثاء.
ويطرح ذلك سؤالاً حساساً: هل يمكن الفصل بين نجمة داود كرمز ديني يهودي ودلالاتها السياسية في خضم الحروب الإسرائيلية على الفلسطينيين وغيرهم؟
محمدسون تجيب بالإيجاب، مؤكدة أن الدفاع عن اليهود السويديين لا يعني تأييد كل سياسات إسرائيل. وتدافع عن حل الدولتين، لكنها تشترط لأي اعتراف سويدي بدولة فلسطينية إبعاد حماس عن الحكم وإصلاح السلطة الفلسطينية، فيما تنتقد عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.
ولم يمنع ذلك من موجة من الانتقادات السويدية بحقها، وخصوصاً على مواقع الصحف نفسها التي تناولت الجدل القائم، مثل صحيفة "إكسبرسن" على موقع "إكس". وطرح بعض المعلقين أسئلة مستنكرة، من بينها: كيف يمكن أن يُطلق على ذلك "دعم من يحتل فلسطين ويشرد شعبها"، كما علق بنيامين، فيما ذكّرها آخرون بأنها "ترتدي نجمة من يدمرون بيوت شعبها في لبنان".
من غزة إلى صراع الأحزاب
يرى خصومها أن مواقفها من نجمة داود لا يمكن فصلها عن خطابها السياسي منذ اندلاع الحرب.
فمحمدسون أصبحت من أبرز الأصوات السويدية المدافعة عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، في وقت اتخذ فيه حزب اليسار السويدي موقفاً أكثر حدة تجاه العمليات الإسرائيلية في غزة.
وفي مناظرات برلمانية، هاجمت محمدسون حزب اليسار المؤيد للقضية الفلسطينية، بسبب مواقف اعتبرتها متسامحة مع حماس ومعاداة السامية، وطالبت الحزب بدعم حل الدولتين وفلسطين من دون حماس. وردت زعيمة اليسار نوشي دادغوستار، من أصول إيرانية، بانتقاد تعاون الليبراليين مع ديمقراطيي السويد، الحزب القومي اليميني المتشدد والداعم لدولة الاحتلال بقوة، معتبرة أن هذا التعاون يمثل مشكلة أكبر.
لكن خلف هذا السجال قضية أوسع تتعلق بموقع الليبراليين أنفسهم.
محمدسون هاجمت حزب اليسار المؤيد للقضية الفلسطينية، بسبب مواقف اعتبرتها متسامحة مع حماس ومعاداة السامية، وطالبت الحزب بدعم حل الدولتين وفلسطين من دون حماس
ليبراليون بين اليمين والوسط
فالحزب الليبرالي، الذي كان تقليدياً قوة وسطية في السياسة السويدية، أصبح جزءاً من حكومة المحافظين بقيادة أولف كريسترسون، ويعتمد في البرلمان على تعاون ديمقراطيي السويد المتشدد.
وفي مارس/آذار الماضي، أيدت محمدسون التخلي عن الخط الأحمر السابق الذي كان يمنع مشاركة ديمقراطيي السويد في حكومة مستقبلية، في خطوة أثارت انقساماً داخل حزبها. وأقرت لاحقاً بأن التعاون مع الحزب القومي لم يكن خيارها الأول، لكنها اعتبرته ضرورياً لضمان بقاء الليبراليين وتأثيرهم السياسي.
وهكذا أصبحت قضية إسرائيل واليهود جزءاً من معركة أكبر حول هوية الحزب: هل يستطيع الليبراليون الجمع بين الدفاع عن حقوق الأقليات والحريات الفردية من جهة، وسياسة أكثر تشدداً تجاه الهجرة والأمن والاندماج من جهة أخرى؟
وترى محمدسون أن الأمر ليس متناقضاً. فبالنسبة إليها، حماية الديمقراطية تعني أيضاً مواجهة التطرف ومعاداة السامية وحماية الأقليات.
حين يتحول الرمز إلى ساحة صراع
ولم يكن دفاعها عن نجمة داود حادثة منفصلة عن هذا الخطاب. فقد تحدثت في البرلمان عن طلاب يهود قالوا إنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان في المدارس، وإن بعضهم بات يخشى ارتداء النجمة أو الذهاب إلى المعابد.
لكن ظهورها بالنجمة أدى أيضاً إلى موجة من الإهانات والتهديدات على وسائل التواصل الاجتماعي، ما كشف حجم الاستقطاب حول القضية. وأصبحت القلادة نفسها موضوعاً لصراع بين روايتين: واحدة ترى فيها رمزاً لحماية اليهود ومواجهة "معاداة السامية"، وخصوصاً في معسكر مؤيدي الاحتلال الإسرائيلي، وأخرى تراها إشارة سياسية إلى إسرائيل في وقت تواجه فيه حكومتها اتهامات واسعة بسبب حرب غزة، وهو ما يتبناه اليسار ومؤيدو فلسطين في البلاد.
وهنا تكمن المفارقة: الرمز الذي أرادت محمدسون أن تستخدمه للدفاع عن أقلية دينية أصبح هو نفسه جزءاً من المعركة السياسية حول إسرائيل وفلسطين.
انتخابات على حافة 4%
ولا يمكن تجاهل الحساب الانتخابي. فالحزب الليبرالي يواجه خطر عدم تجاوز عتبة 4% اللازمة لدخول البرلمان، ولذلك، كما يعتقد خصومها، تحاول سيمونا محمدسون إعادة تعريف موقعه وجذب الناخبين من الوسط واليمين الليبرالي، مع الإبقاء على صورته حزبا للحريات والديمقراطية.
وتجري الانتخابات في بيئة سياسية شديدة الاستقطاب: اليمين يركز على الهجرة والأمن، واليسار على غزة وعدم المساواة وحقوق الإنسان، بينما يحاول الليبراليون تقديم صيغة تجمع بين الحريات والتشدد تجاه ما يعتبرونه تطرفاً.
في هذا السياق، لم تعد نجمة داود مجرد قطعة مجوهرات ظهرت في مناظرة انتخابية، بل أصبحت اختباراً لهوية محمدسون السياسية.
هل تستطيع زعيمة ذات أصول فلسطينية ولبنانية أن تدافع عن اليهود السويديين، وتتبنى موقفاً مؤيداً لإسرائيل، وتنتقد معاداة السامية، من دون أن يُنظر إليها باعتبارها توظف قضية الأقلية اليهودية في معركة سياسية؟
قبل أسابيع من الاقتراع، تبدو محمدسون مصممة على جعل مكافحة معاداة السامية والدفاع عن إسرائيل جزءاً من هويتها السياسية، بينما يخوض حزبها معركة حاسمة لتجاوز عتبة البرلمان.
لكن معركة نجمة داود تخفي سؤالاً أعمق: أي ليبرالية ستختارها السويد؟ ليبرالية تقترب أكثر من اليمين المتشدد في قضايا الأمن والهجرة وإسرائيل، أم ليبرالية تحاول الحفاظ على مسافة أوضح من اليمين وسياسات حكومة الاحتلال الإسرائيلي؟
الإجابة قد لا تحدد مستقبل محمدسون السياسي فحسب، بل مصير الحزب الليبرالي نفسه داخل البرلمان السويدي.