نتنياهو في مواجهة خطة قطاع غزة: الانتخابات والعقيدة قبل مطالب ترامب
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
، في التاسع من أغسطس/آب الحالي، رفضه وثيقة "النقاط الـ15" للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة قطاع غزة التي طرحها "مجلس السلام". وشدّد على أن الجيش الإسرائيلي لن ينفذ أي انسحاب من القطاع قبل ما وصفه بـ"نزع حقيقي لسلاح حماس"، وأن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته لإحباط التهديدات التي تستهدف القوات الإسرائيلية والمواطنين الإسرائيليين. ويُعدّ هذا أول موقف رسمي وعلني يصدر عن الحكومة الإسرائيلية، منذ الإعلان عن التوصل إلى صيغة أولية للاتفاق بين "مجلس السلام" في غزة وحركة حماس والوسطاء، بدعم وموافقة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 30 يوليو/تموز الماضي.تمسّك بالوضع القائم في قطاع غزة
موقف نتنياهو ليس جديداً ولا مستغرباً؛ فعلى الرغم من أنه لم يرفض الاقتراح علناً فور الإعلان عنه، فإن إسرائيل كانت قد أوضحت سابقاً أنها لن تقبل بتغيير الوضع القائم في قطاع غزة، إلا أنها اعتمدت، في مراحل سابقة، سياسة المناورة والمراوغة والالتفاف على الاتفاقيات، بما أفرغها عملياً من مضمونها، ولم تلتزم بتنفيذها. وفي المقابل، واصلت العمل على الأرض وفق ما تصفه بـ"الاعتبارات الأمنية"، التي استخدمتها غطاءً لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية. نجح نتنياهو، إلى حدّ بعيد، خلال العامين الأخيرين في المناورة بين مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإنهاء الحرب على غزة والتقدم في تنفيذ بنود الاتفاق من جهة، وبين حاجته السياسية والوجودية إلى عدم إغضاب شركائه من اليمين المتطرف والحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي من جهة أخرى. لكن يبدو أن نتنياهو اختار هذه المرة الانحياز بصورة علنية إلى موقف اليمين الإسرائيلي المتطرف، والخروج صراحة ضد الخطة، حتى لو أدى ذلك إلى صدام علني مع ترامب، الذي يُعد أبرز حلفائه، إن لم يكن الوحيد تقريباً، في المشهد الدولي الراهن.
يبدو أن نتنياهو اختار هذه المرة الانحياز بصورة علنية إلى موقف اليمين الإسرائيلي المتطرف، والخروج صراحة ضد الخطة، حتى لو أدى ذلك إلى صدام علني مع ترامب
وعليه، فإن الجديد في موقف نتنياهو لا يكمن في مضمونه، بقدر ما يكمن في أسلوب التعبير عنه وإخراجه إلى العلن. وهو موقف يذكّر، إلى حدّ ما، بالطريقة التي تعامل بها نتنياهو سابقاً مع الرئيس الأميركي السابق جو بايدن. ويبدو أنه اختار هذه المرة تغليب الاعتبارات الانتخابية والأيديولوجية، والاستناد إلى حالة الإجماع الإسرائيلي حول القضايا المتعلقة بغزة، على مراعاة موقف ترامب ومطالبه. ومن الواضح أن الحسابات الانتخابية شكّلت عنصراً مركزياً في قرار نتنياهو، إلا أنه لا يمكن، بطبيعة الحال، إغفال الدوافع السياسية والأمنية والأيديولوجية الأخرى التي أسهمت في تهيئة الأرضية لهذا الموقف.
في السياق، تشير استطلاعات الرأي العام المتعلقة بالانتخابات البرلمانية المقبلة المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل إلى تراجع معسكر الائتلاف الحكومي مقابل تقدم معسكر المعارضة، رغم استمرار حزب الليكود في موقع الحزب الأكبر، بمعدل متوقع يتراوح بين 23 و24 مقعداً. وفي استطلاع لهيئة البث الإسرائيلية نُشر في الثامن من أغسطس الحالي، حصل حزب الليكود على 24 مقعداً، مقابل 23 مقعداً لحزب "يشار" برئاسة غادي آيزنكوت، الذي يبرز بوصفه أحد أبرز المنافسين لنتنياهو والليكود. غير أن نتائج الاستطلاع تشير، على مستوى المعسكرات، إلى حصول أحزاب الائتلاف الحكومي الحالي على 53 مقعداً، مقابل نحو 56 مقعداً لأحزاب المعارضة.
أما استطلاع القناة 12 الإسرائيلية في الثالث من أغسطس الحالي، فيشير إلى تعادل حزبَي الليكود و"يشار" بواقع 23 مقعداً لكل منهما، في حين تحصل أحزاب الائتلاف الحكومي الحالي على 50 مقعداً، في مقابل 60 مقعداً لأحزاب المعارضة، من دون احتساب الأحزاب العربية. بهذا المعنى، يسعى نتنياهو إلى ضمان بقاء الليكود الحزب الأكبر بعد الانتخابات المقبلة، ولذلك فهو بحاجة إلى الاقتراب من حاجز 25 مقعداً، بالتوازي مع الحفاظ على قوة أحزاب اليمين المتطرف ومنع انتقال أصوات من معسكره إلى حزب "يشار". ومن هنا، يحرص على تبني مواقف يمينية متشددة بهدف رفع حصة الليكود من جهة، وعدم إحراج أحزاب اليمين المتطرف أو التسبب في خسارتها مقاعد إضافية من جهة أخرى، خصوصاً أنه يدرك أن فرصه في تشكيل ائتلاف حكومي جديد ستكون محدودة جداً من دون دعم هذه الأحزاب. ولهذا، لا يرغب في الدخول في خلاف جدي وعلني معها في هذه المرحلة. وعليه، فإن موقف نتنياهو يعكس هذه الاعتبارات الانتخابية بوضوح، لكنه يعكس أيضاً حالة واسعة من التوافق داخل المجتمع الإسرائيلي الرافض لأي انسحاب من قطاع غزة. كما ينسجم مع توجهات المؤسستين الأمنية والعسكرية، الرافضة لتغيير الوضع القائم حالياً في القطاع والمؤيدة لاستمرار السيطرة الإسرائيلية عليه.
بدورها، أبدت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، خلال الأيام الأخيرة، معارضة غير مباشرة لخطة "مجلس السلام" ولانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة. وفي جولة أجراها رئيس هيئة الأركان، إيال زامير، في قطاع غزة في الخامس من أغسطس الحالي، أوضح أن الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل ضد حركة حماس وملاحقة كل من شارك في التخطيط لهجوم السابع من أكتوبر 2023 وتنفيذه. وقال زامير: "في قطاع غزة ضربنا حماس، وأضعفناها بشكل كبير، وغيّرنا صورة الوضع الأمني. سيواصل الجيش الإسرائيلي العمل بمبادرة منه، ووفق المبدأ الذي حددناه، والمتمثل في إزالة التهديدات، وحماية البلدات والسكان والحفاظ على أمنهم في جميع الظروف". وأضاف أن الجيش الإسرائيلي لن يسمح بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر، وتشكّل تهديد على حدودنا.
كما تطرق رئيس شعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية "أمان"، أوفير مزراحي-روزين، خلال جلسة المجلس الوزاري المصغّر "الكابينت" في السادس من أغسطس الحالي، إلى ما وصفه بـ"الخداع الذي تمارسه حركة حماس"، قائلاً: "وافقت حماس على وثيقة النقاط الـ15، لكنها لم تتخلَّ عن رؤيتها المتمثلة في تدمير إسرائيل. ومن الواضح أن هناك جهداً من جانب حماس لإلقاء الكرة في ملعبنا".
من جانبه، حذّر رئيس جهاز الأمن العام "الشاباك"، دافيد زيني، من أن توقيع حماس على الاتفاق يشكّل، بحسب وصفه، جزءاً من "عملية خداع استراتيجي"، تهدف إلى كسب الوقت وضمان عدم استئناف إسرائيل عملياتها العسكرية في قطاع غزة حتى موعد الانتخابات. وقال زيني: "هناك كمين استراتيجي تنصبه حماس". وأضاف أن حماس تنظر إلى خريطة الطريق باعتبارها انتصاراً سياسياً كبيراً على إسرائيل.
لم يقتصر رفض وثيقة "مجلس السلام" على المؤسستين العسكرية والأمنية، أو على أحزاب اليمين المتطرف، بل امتد أيضاً إلى "أقطاب" المعارضة الإسرائيلية، الذين هاجموا الاقتراح واعتبروا أنه يعكس فشلاً استراتيجياً لسياسات الحكومة الإسرائيلية في قطاع غزة. في السياق، هاجم رئيس حزب "معاً"، رئيس الحكومة السابق نفتالي بينت، خلال جولة في غلاف غزة في الرابع من أغسطس الحالي، بشدة مخطط "مجلس السلام" ووثيقة النقاط الـ15 الخاصة بقطاع غزة. وأضاف بينت أن "لدى حماس اليوم عدداً من المسلحين يفوق ما كان لديها قبل السابع من أكتوبر 2023. كما طالب بالاحتفاظ بالأرض، وعدم التراجع عن الخط الأصفر، ورفض تنفيذ أي انسحاب إلى حين نزع سلاح حماس بشكل كامل وحقيقي.
اتهم آيزنكوت رئيس الحكومة بالدفع نحو انسحاب إسرائيلي قبل تفكيك "حماس"، مؤكداً أن أي صيغة أو مخطط يجب أن يُقاس بمدى قدرته على القضاء على القوة العسكرية والسلطوية للحركة
كذلك هاجم رئيس حزب "يشار"، غادي آيزنكوت، وثيقة النقاط الـ15، مدعياً أنها فُرضت على إسرائيل من دون مشاركتها، وأنها تتيح لـ"حماس" فرصة استعادة قوتها. واتهم آيزنكوت رئيس الحكومة بالدفع نحو انسحاب إسرائيلي قبل تفكيك "حماس"، وبإخفاء تفاصيل الاتفاق عن الجمهور، مؤكداً أن أي صيغة أو مخطط يجب أن يُقاس بمدى قدرته على القضاء على القوة العسكرية والسلطوية للحركة. كما حذّر من أن الاتفاق قد يقود إلى انسحاب إسرائيلي قبل تدمير قدرات حماس، وشدّد على أن أي مخطط يجب أن ينتهي إلى تفكيك الحركة بالكامل، لا إلى تسوية جزئية معها.
صورة نتنياهو تتضرّر؟
في المجمل، يعكس فضّ نتنياهو الخطة مزيجاً من الدوافع الأيديولوجية والسياسية والاعتبارات الانتخابية. منذ عودته إلى الحكم عام 2009، قدّم نتنياهو نفسه وسوّق صورته بوصفه "رجل الأمن"، والقائد القادر على حماية إسرائيل من الخطر النووي الإيراني، ومنع إقامة دولة فلسطينية، وتجاوز القضية الفلسطينية عبر توسيع مسار التطبيع مع الدول العربية من دون إنهاء الاحتلال. إلا أن نتنياهو يجد نفسه اليوم في وضع سياسي حرج، إذ توقفت الحرب على إيران بقرار من ترامب من دون القضاء على مشروع إيران النووي، وتوقفت الحرب في لبنان بتدخل وقرار من ترامب من دون القضاء على قدرات حزب الله العسكرية، فيما يواجه الآن مطلباً أميركياً بالمضي قدماً في تنفيذ مقترح "النقاط الـ15" بشأن قطاع غزة. وبذلك، يواجه نتنياهو احتمال خسارة أبرز الادعاءات التي بنى عليها صورته السياسية أمام المجتمع الإسرائيلي، وفي مقدمتها قدرته على إدارة الملفات الأمنية والاستراتيجية بصورة مستقلة وفرض رؤيته على حلفائه وخصومه على حد سواء.
ويزداد هذا المأزق في ظل تحذيرات صادرة عن قيادات في المؤسستين العسكرية والأمنية من مخاطر قبول الاتفاق بصيغته الحالية، بالتوازي مع تبني قيادات بارزة في المعارضة، المنافسة لنتنياهو في الانتخابات المقبلة، مواقف أكثر تشدداً منه تجاه مستقبل قطاع غزة ونزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي. وقد دفعت هذه الظروف مجتمعة نتنياهو إلى الخروج بموقف علني ورسمي وواضح ضد المخطط، حتى وإن كان ذلك يفتح الباب أمام مواجهة سياسية مع ترامب. وفي حين راهن نتنياهو سابقاً على أن علاقته الخاصة بترامب قد تشكّل رصيداً سياسياً يساعده في حسم الانتخابات المقبلة، فإن هذه العلاقة قد تتحول، في حال تعمّقت الخلافات بينهما، من مصدر قوة انتخابية إلى عامل ضغط وربما عبء سياسي عليه.