مواجهات جيش الاحتلال ومستوطنيه في قصرة: أزمة أم استعراض؟

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 19:09 (توقيت القدس)
جنود الاحتلال والمستوطنون في قرية قصرة، جنوب نابلس، 12 أغسطس 2026 (Getty)

ما حدث في قصرة كان غريباً حيث هاجم المستوطنون الجنود

الهدف من حصار قصرة هو الاستيلاء على جبل عين عينا كله

أثارت المواجهات المفاجئة بين جنود الاحتلال والمستوطنين، صباح اليوم الأربعاء، في قرية قصرة، جنوب نابلس، تساؤلات بشأن ما إذا كانت تدل على أزمة حقيقية بين الطرفين، أم أنها ليست أكثر من عرض مسرحي للتسويق الإعلامي ولترويج المشهد دولياً باعتبار أن إسرائيل تكبح بذلك جماح مستوطنيها؟

خلفية التساؤلات أنه خلال السنوات الماضية كان جيش الاحتلال الداعم والحامي الأول للمستوطنين في اعتداءاتهم، والتي تبدأ من إحراق الممتلكات الفلسطينية والاعتداء على الفلسطيني وصولاً إلى قتله. أما صباح اليوم فبدا المشهد مختلفاً؛ إذ اشتبك جنود الاحتلال مع عشرات من المستوطنين الذين أقاموا خيمة على بعد أربعة أمتار من منزل عائلة أبو ريدة، الذي يحاصرونه منذ أربعة أيام بهدف الاستيلاء عليه.

وفي هذا الصدد، قال قصي عبد المنعم أبو ريدة لـ"العربي الجديد"، إن "جيش الاحتلال حضر نحو الساعة السابعة من صباح اليوم، محاولاً فك الخيمة التي نصبها عدد من المستوطنين أمام منزلنا بهدف الاستيلاء عليه، لكن ما حدث كان غريباً، حيث هاجم المستوطنون الجنود الذين ردوا عليهم بإطلاق قنابل الغاز والصوت". وأضاف أن "الجنود فككوا الخيمة، وصادروا سيارة وعربة جبلية من المستوطنين، لكن الأخيرين هاجموا الجيش وأخذوا السيارة وهربوا بها عبر الطرق الالتفافية التي تخدم المستوطنين".

وأوضح أبو ريدة أنه "من الصحيح أن الجيش غادر بعد ساعة ونصف الساعة من المواجهات، لكن عدد المستوطنين ظل يتزايد حتى وصلوا إلى أكثر من مئة مستوطن في مكان الخيمة نفسها التي صادرها الجنود". 

حصار منزل أبو ريدة في قصرة 

ومنذ أربعة أيام نصب عدد من المستوطنين خيمة على بعد أربعة أمتار من منزل أبو ريدة وحاصروه، ثم أخذوا يحفرون لتخريب شبكات المياه، قبل أن يخلعوا أعمدة الكهرباء ويُدمّروا الكابلات التي تغذي المنزل. كذلك كسروا كاميرات المراقبة، وقطعوا طريق المنزل لمنع أهالي قرية قصرة من الوصول إلى العائلة وإسنادها بالطعام والماء والدواء، في خطوة مماثلة لما فعله المستوطنون قبل نحو أسبوعين لعائلة الطوباسي في جالود؛ حيث استولوا على منزلها بهذه الطريقة، لكن بعدما تدخل الجيش وساعد المستوطنين لإخراج عائلة الطوباسي بالقوة.

تعليقاً على ما تقدّم، قال أبو ريدة إنهم "يريدون أن يكرروا ما فعلوه بمنازل عائلة الطوباسي في جالود، لذلك منذ أن وضع المستوطنون، منذ أربعة شهور، المزيد من الخيم في البؤرة التي أقاموها في بداية العام الجاري، انتقلت أنا وإخوتي وزوجاتهم وأبنائنا للإقامة في هذا المنزل الذي تعود ملكيته لشقيقي مراد، الذي يعمل ويعيش في الولايات المتحدة، ويزور القرية خلال الإجازات السنوية".

ولم يفهم أبو ريدة وغيره ما حصل اليوم من مواجهات بين جنود الاحتلال والمستوطنين، حيث منع الجنود قبل يومين المتضامنين الأجانب من الوصول إلى منزل عائلة أبو ريدة لتزويدهم بالطعام والماء، بحجة أن المنطقة عسكرية ومغلقة لمدة ستة أشهر، رغم أنها منطقة "ب" (بموجب اتفاقيات أوسلو). وأوضح أن "هذا ما أخبر به الجنود المتضامنين الأجانب، ولا نفهم كيف يمكن تحويل جبل عين عينيا حيث منزلنا، إلى منطقة عسكرية مغلقة بالكامل". وبحسبه، "يريد المستوطنون الاستيلاء على الجبل (عين عينا) كله، لذلك جعلوا حياتنا لا تطاق بسبب اعتداءاتهم وحصارهم لنا ليلاً ونهاراً".

واللافت، كما يقول أبو ريدة، أن "عدد المستوطنين الذين نصبوا الخيمة قرب المنزل لا يتجاوز عشرة مستوطنين، أعمارهم تراوح بين 17 و18 عاماً، وقبل يومين نظموا حفلة نار في ساعات الليل، وحضرها عشرات المستوطنين وهم يرتدون ملابس بيضاء وسوداء، وكانوا مسلحين".

موسى: معارضة نخب سياسية لانتشار المستوطنين نابع من خشيتها من أن ذلك سيقود إسرائيل إمّا إلى دولة ثنائية القومية، أو إلى التحول لدولة فصل عنصري

ضغوط دوليّة على إسرائيل بسبب المستوطنين

من جهته، رأى الباحث في الشؤون الإسرائيلية معاوية موسى، في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن إسرائيل تتعرض في الآونة الأخيرة ومع تصاعد الهجوم الاستيطاني - الذي تشرف عليه وتقوده علناً الحكومة وأجهزة الدولة ويوفر الجيش الغطاء الأمني اللازم له - لضغوطات متصاعدة، كان آخرها اجتماع مجلس الأمن، الليلة الماضية، بناءً على طلبٍ من فرنسا، بريطانيا، اليونان، الدنمارك ولاتفيا، والذي ناقش ما أطلقت عليه هذه الدول "تصاعد اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين بشكل كبير في الأشهر الأخيرة".

وتابع: "بدأت هذه الاحتجاجات الدولية تزعج الحكومة والجيش الإسرائيلي أخيراً، الأمر الذي يتطلب منهما خطوة تبدو أكثر جدية، خاصة بعد اتهامات وجهت للثاني بالتواطؤ مع هذه الاعتداءات، لذلك كانت هذه الحملة اليوم في قصرة بهدف إعطاء الانطباع بأن الجيش يطبق النظام والقانون".

وأوضح موسى أن "استخدامه درجة أعلى نسبياً في ممارسة العنف اليوم صباحاً قد يدل على حاجة مُلّحة لعرض تظاهري للجيش يقدم فيها نفسه باعتباره أكثر جدية من الأوقات السابقة، مع أهمية معرفة أن أهم مكوّن اجتماعي في الجيش الإسرائيلي هو من سكان المستوطنات خاصة والتيار الصهيوني الديني عامة، بالإضافة إلى وجود موجة تأييد جارفة للاستيطان في الضفة الغربية في أوساط المجتمع الإسرائيلي".

نفوذ المستوطنين يعرقل الصدام مع الجيش

ورداً على سؤال عما إذا كان المستوطنون قد خرجوا عن سيطرة الجيش الإسرائيلي؟ أجاب موسى بأنه "من المبكر قول ذلك، وإن كنا نأمل حدوثه". لكن المؤكد، بحسبه، أنه إذا أخذنا الأمور بمعزل عن السيطرة الأميركية الكاملة على القرار السياسي في إسرائيل على كل المستويات، من القرارات التكتيكية التي تتعلق ببناء هنا أو شارع هناك، إلى القرارات الاستراتيجية، فإن المستوطنين - وخاصة التيار القومي الديني الذي يقود الحملة الاستيطانية الراهنة - سنجد أنهم يتمتعون بنفوذ كبير جداً في كافة أجهزة الدولة وخاصة الجيش وأجهزة الأمن الأخرى. 

وفي ضوء ما سبق، يتابع الباحث في الشؤون الإسرائيلية موضحاً أنه "لو أخذنا الأمور بمعزل عن التأثير الأميركي، فإن فكرة الصدام معهم تبدو مستحيلة، لأنهم باتوا تقريباً أصحاب القرار بشكل مباشر أو غير مباشر، واتخاذ قرار بالصدام معهم ستكون له تداعيات بعيدة الأثر على دولة الاحتلال ومستقبلها". 

موسى: استخدام الجيش درجة أعلى نسبياً في ممارسة العنف اليوم صباحاً قد يدل على حاجته المُلّحة لعرض تظاهري

إلى ذلك، لفت موسى إلى أنه ربما تنبع أهم وجوه المعارضة في الجيش والنخب السياسية (من غير النخبة اليمينية) لتصرفات المستوطنين من خشيتهم من عمق الانتشار الاستيطاني ووصوله إلى مناطق "أ" و"ب" (بموجب اتفاقيات أوسلو)، لأن ذلك، بحسبه، قد يفضي إلى "رفع مستوى الاحتكاك والتداخل مع الفلسطينيين، الأمر الذي سيحرم إسرائيل من فرصة الانفصال عن الفلسطينيين حتى في الوظائف المدنية، ويقودها إمّا إلى دولة ثنائية القومية، أو إلى التحول لدولة فصل عنصري". 

وما سبق، بحسبه، "لا يعيره اليمين أي اهتمام ظنّاً منه أن الظروف مواتية لإحداث تغييرات ديموغرافية عميقة في الضفة الغربية تحت الضغط المستمر على الفلسطينيين". وختم بالقول إن "ثمة سباقاً مع الوقت قبل أن تقرر الولايات المتحدة ما هو المشهد النهائي الذي تريد رؤيته في الضفة الغربية".