مها كركبي: كورونا دهم مجتمعاتنا المهمّشة

مها كركبي: كورونا دهم مجتمعاتنا المهمّشة

27 ديسمبر 2020
الصورة
فلسطينيو الداخل ليسوا من أولويات الحكومة الإسرائيلية (العربي الجديد)
+ الخط -

قضت سنوات النكبة والحكم العسكري على الاقتصاد الفلسطيني داخل الخطّ الأخضر، ولم يتمكّن العرب من إنشاء اقتصادهم الخاصّ والمنفصل عن الاقتصاد الإسرائيلي، ليس لأسباب اقتصاديّة فقط، إنما بالأساس لأسباب سياسيّة، وهي إصرار المؤسّسة الإسرائيليّة على أن يبقى الاقتصاد العربي مرتبطًا فيها وغير قادر على الاستقلال بنفسه والاستغناء عن الاقتصاد الإسرائيلي، حتّى في المتطلّبات الأساسيّة، مثل مشتقّات الأجبان والألبان، وكيف بالحريّ الوصول إلى اقتصاد مستقلّ كامل.

عند هذا الارتباط الشديد جاءت جائحة كورونا، فما هي تأثيراتها المحتملة على شرائح المجتمع العربي داخل إسرائيل؟ للبحث عن إجابة عن هذا السؤال كان هذا الحوار مع المحاضرة في قسم العلوم الاجتماعية بجامعة بن غوريون في النقب، ومديرة وحدة الأبحاث في "المنتدى الاقتصادي العربي"، الدكتورة مها كركبي – صبّاح. 


أين ضبطتنا جائحة كورونا؟

بشكل عام، واستنادًا إلى دراسات علميّة، الشرائح الأكثر تضرّرًا عند حدوث أزمات عميقة، هي الشرائح الأكثر تهميشًا. كلّما زاد التهميش زاد التضرّر من الأزمات. وبعد انتهاء الأزمات المباشرة، هذه الفئات هي من يستمرّ في تحمّل أعباء هذه الأزمة على المدى البعيد. 

عند الحديث عن إسرائيل، فالمتوقع أن يعاني المجتمع العربي الفلسطيني فيها من الآثار الاقتصاديّة لجائحة كورونا، حتى بعد انتهائها صحيًّا، ذلك بسبّب أن الجائحة دهمت المجتمع العربيّ وهو مهمّش أساسًا اقتصاديًا واجتماعيًا أكثر من غيره في إسرائيل، ويدفع يوميًا أثمانًا باهظة لسياسات التهميش الاقتصاديّة الرسمية التي لا تأخذ بالحسبان التطوّر الاقتصادي للمجتمع العربي. وإن كانت هناك خطط اقتصاديّة تساهم في تطوير المجتمع العربي، فهذه الخطط سطحيّة جاءت لإغلاق بعض الثغرات هنا أو هناك، وليست خططًا لشفاء عمق الضرر الاقتصادي الذي أصاب المجتمع العربي منذ النكبة إلى اليوم.
وبالمعطيات، 47% من العائلات العربيّة تصنّف تحت خطّ الفقر، بينما نسبة تشغيل النساء العربيّات هي 37%، وهي من الأكثر انخفاضًا في إسرائيل وأشبه بنسب تشغيل النساء في دول العالم الثالث.

أيّة شرائح عربية ستدفع ثمن الجائحة؟

الاقتصاد العربي في الداخل هو اقتصاد تقليدي، في مقابل الاقتصادي الإسرائيلي الحديث والمتطوّر والمبني على العلم والتكنولوجيا والانفتاح، وهو ما يبتعد عنه الاقتصاد العربي كلّ البعد. هذا الوضع يعني أن أيّ هزة اقتصاديّة – فكيف بالحري هزّة اقتصاديّة مستمرّة مثل كورونا؟ - سيدفع ثمنها اقتصاد ركائزه هشّة وغير متينة.
وإن تعمّقنا في الشرائح الاقتصاديّة أكثر، من خلال الدراسات التي تعمّقنا فيها في "المنتدى الاقتصادي العربي"، فإنّ حالات الفقر في المجتمع العربي تتّجه إلى التعميق أكثر. في الأعوام الأخيرة انخفضت نسبة الفقر إلى أقلّ من 47% واليوم بدأت تقترب من الـ50%. ومن كل ارتفاع بهذه الحدّة هو جدًّا جدًّا مقلق.  في السنوات الأخيرة كانت هناك محاولة لتخفيض نسبة الفقر في المجتمع العربي لم تنجح بشكل كبير نظرًا للسياسات الرسميّة الموجودة، لكنّ جائحة كورونا قضت على القليل جدًا الذي أُنجز خلال سنوات ما قبل وقوعها.
لكن الارتفاع في نسبة الفقر ليس وحده المشكلة، إنّما عمّق الفقر (تحت خطّ الفقر الحكومي)، وما يميّز الأسر العربيّة أنها عميقة جدًا تحت خطّ الفقر هذا، ومن المتوقّع أن تعمّق جائحة كورونا وضع الأسر العربيّة أكثر فأكثر.
والمجتمع العربي ليس متجانسًا، في مواصفاته الاقتصاديّة، والفئات الأكثر تهميشًا فيه هي من ستدفع الثمن مثل البدو في النقب، الذي يعاني أصلا من التهميش على كافة الأصعدة الممكنة، مثل فرص العمل الضئيلة ونسب الفقر المرتفعة تضاف إليها نسبة ولادة مرتفعة، ما يعني أن تأثيرات جائحة كورونا ستكون معقّدة هناك أكثر، وستؤدّي إلى تعميق التهميش أكثر.

بما أنّنا نتحدّث عن الأسر العربيّة والاقتصاد المحلّي، ولكي نفهم أكثر أسباب الفقر وأسباب تأثير الجائحة إلى هذا الحد، ما هي مصادر دخل الأسر العربيّة؟ 
يعتمد حوالي 70% من الأسر العربيّة على معيل واحد، وداخل الأسرة عدد الأفراد مرتفع مقارنة بالمجتمعات الأخرى. أي تقع على عاتق معيل واحد إعالة عدد غير قليل من الأفراد، وهذا المعيل أصلا يواجه خطر الخروج من سوق العمل (إلى عطلة غير مدفوعة الأجر)، بسبب تأثيرات الجائحة الاقتصاديّة. وللمقارنة، فإنّ أكثر من 70% من الأسر اليهوديّة هي بمعيلين، ما يعني أن الأسرة لن تجد نفسها دون دخل إن أُخرج أحد المعيلين إلى عطلة غير مدفوعة الأجر، مثل الأسر العربيّة. وداخل الأسر، أيضًا، هناك تأثير متفاوت على الأفراد، حسب قاعدة "الأكثر تهميشًا هو الأكثر تضرّرًا".

النساء العربيّات: دفعٌ إلى التخلّي عن إنجازات مهمّة
بما أنّ النساء مهمّشات اقتصاديًا واجتماعيًا، فهنّ المتضرّرات الأوائل من الجائحة، وكافة المعطيات تشير إلى أنّ صحّة هذا الادّعاء حتى في المجتمعات المتقدّمة، حيث تدفع النساء أثمانًا اقتصاديّة باهظة جرّاء الجائحة أكثر من الرّجال. نسبة أكثر من النساء تضطرّ إلى الخروج من سوق العمل، إمّا لأنّ طبيعة أعمالهنّ خرجت من سوق العمل (نتيجة إغلاق العديد من المصالح) وإمّا لأنّ النساء خرجن من تلقاء أنفسهنّ من العمل، نتيجة لأسباب اجتماعيّة.
وللإيضاح أكثر، تدخل المجتمعات إلى حالات إغلاق مستمرّ (في إسرائيل وصلت إلى 3 إغلاقات) والمدارس شبه مغلقة طوال المدّة من آذار/مارس وحتّى الآن، ما أعاد النساء إلى دورهنّ التقليدي الذي عملن على سنوات طويلة للخروج منه. فاضطرت النساء مثلا للخروج من سوق العمل من أجل البقاء مع الأطفال في المنزل في كل ساعات النهار (بدلا من أن يتواجدوا في المدرسة) كي يتمكّن الرجل من العمل.
هناك أسباب عديدة لتعزيز خروج المرأة من سوق العمل، أبرزها النظر إلى المرأة كمعيل ثانوي في المنزل، ما سهّل من خيار إخراجها من العمل؛ كما أن النساء (وخصوصًا النساء العربيّات في إسرائيل) يعملن بوظائف جزئيّة لا كاملة، وعادةً ما تستغني الشركات عن الوظائف الجزئيّة في مثل هذه الحالات.
هناك عامل آخر، أيضًا، هو عدم المساواة في الأجر بين النساء والرجال، وعادةً ما تفكّر الأسر في أن يترك صاحب الأجر الأقلّ عمله، وفي هذه الحالة تترك المرأة عملها.
هذه المعطيات تلائم كلّ النساء من مختلف السياقات الاجتماعيّة، لكن لنضع المرأة العربيّة في سياقها الاجتماعي: نسبة العاملات منهنّ في الوظائف الجزئيّة أكبر من كافة المجتمعات الأخرى، بسبب ضيق الفرص وشحّ الإمكانات في سوق العمل المحلّي؛ بالإضافة إلى الصورة العامّة في مجتمعنا وهي أن وظيفة المرأة الاهتمام بالأسرة ورعاية الأطفال، وعليها أن تحافظ على التوازن بين عالمين – عالم العمل وعالم الأسرة؛ وبالتالي من الأفضل لها أن تعمل في دوام جزئي.
وإذا جمّعنا مبنى العمل الضيّق والمعايير الاجتماعيّة حول النساء، سيتولّد واقع سهّل دفع النساء إلى الخروج من العمل.

هل وضع النساء العربيّات واحد؟
لا. تعمل النساء العربيّات عادةً في 3 قطاعات كبيرة، التدريس والتعليم؛ المواضيع العلاجيّة والخدمات (للنساء غير المتعلّمات خصوصًا). النساء في المهن التدريسيّة والعلاجيّة يحظين بأمان اقتصادي ووظيفيّ. لكنّ النساء الأخريات في المجالات الخدماتيّة والنساء المستقلّات (صاحبات المصالح التجارية مثلا) لا يزلن يواجهن خطر ترك العمل والخروج إلى عطل غير مدفوعة الأجر. وللمقارنة، فالنساء اليهوديات يتوزّعن على مجالات أوسع من مجالات عمل النساء العربيّات.
هذه الأزمة ليست طارئة للعام الحالي، ستستمرّ للعام المقبل وغالبًا للأعوام المقبلة، مع التوقّعات بارتفاع نسبة النساء العاطلات من العمل.

الطلاب العرب... فترة صعبة تمهّد لفترة أصعب!
مع افتتاح العام الدراسي في تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، بيّن استطلاع للرأي أجراه "اتحاد الطلاب الجامعيين في إسرائيل" أن 52% من الجامعيّين العرب يفكّرون في ترك التعليم إثر الأزمة الاقتصادية التي تبعت تفشّي فيروس كورونا وإغلاق أماكن العمل وغياب منح مالية، في مقابل نسبة 24% عن عموم الطلاب.

من أين يأتي هذا الفارق بين الجامعيين العرب الراغبين في الخروج من الجامعات وبين الجامعيين اليهود؟
هناك سببان: اقتصادي وأكاديمي. السبب الاقتصادي هو أن الطالب العربي قادم من عائلات مهمّشة اقتصاديًا أكثر من الطالب اليهودي. أي أنّ شبكة الأمان الاقتصادي التي يستند إليها الطالب العربي أضعف من تلك التي عند الطالب اليهودي. وبينما يعمل الطلاب العرب واليهود على السواء في المواضيع المهنيّة أثناء الدراسة مثل المطاعم وصالات الأفراح والفنادق ومتاجر البيع (معظمها أغلق بسبب إغلاقات الجائحة)، ينضاف عامل آخر مهمّ لصالح الطالب اليهودي، هو المنح الدراسية المقدمّة له والتي تبلغ أضعاف المنح المقدّمة للطالب العربي.
لا يزال مجتمعنا بعيدًا عن التنظيم الاجتماعي التي يساهم في أن يتخطّى الطالب العربي هذه الأزمات الاقتصادية وتوفير أمان له حتى إنهاء دراسته.
هناك أيضًا صعوبات تعليميّة، أساسًا، المؤسّسة الأكاديميّة الإسرائيليّة تبعد عن الطالب العربي اجتماعيًا وسياسًا، والانتقال إلى الجامعة حيث التعليم بالعبريّة (بمستوى عالٍ موجّه للطلاب اليهود - المحرّر) من المدرسة الثانوية يعتبر قفزة كبيرة، هذا عمومًا، وفي هذه الحالة خصوصًا، فإنّ التعليم عن بعد له أثمان، والابتعاد عن الجهاز الأكاديمي له أثمان أيضًا كما الابتعاد عن الأطر الفاعلة داخل الحرم الجامعي التي من شأنها أن تساهم في أن يتخطّى الطالب العربي الصعوبات.
في البلدات العربيّة الوضع يختلف عن الجامعات: لا تتوفّر بنى تحتيّة ملائمة للتعلّم عن بعد، مثل الأدوات التقنيّة، ونحن لا نتحدّث هنا عن "الأرياف" أو المناطق المهملة فقط، إنما أيضًا عن مدن مركزيّة كذلك، لا تتوفّر فيها مسهّلات التعلّم عن بعد.
وداخل المنازل هناك اكتظاظ في أفراد الأسرة، عدم توفّر القدرة على شراء آليات لتعلّم كل فرد عن بعد، وصولا إلى الأجواء العامّة، سواءً داخل المنزل أو داخل البلدة ككلّ.

ليست هاتان الشريحتان فقط
إذا خرجنا من هاتين الشريحتين إلى الصورة الأعمّ، ما الذي ينتظرنا خلال السنوات المقبلة، على الأقلّ بناءً على المعطيات الأوليّة المتوفّرة في "المنتدى الاقتصادي العربي"؟

نتحدّث عن أزمة جديّة سترافقنا خلال السنوات المقبلة. وهذه ملامحها: ارتفاع في نسبة العائلات تحت خطّ الفقر؛ ارتفاع في عمق الفقر للعائلات الفقيرة؛ نسبة مرتفعة من النساء اللواتي خرجن من سوق العمل ولن يعدن إليه ستكون نسبة مرتفعة، ما يعني انخفاض نسبة النساء العاملات عمومًا مقارنةً بالنسبة ما قبل كورونا؛ ارتفاع نسبة البطالة عن الرجال في بعض المناطق؛ الدخل عن الفئات المتمكّنة في عملها سيتراجع، ما يؤدّي إلى تغيير في نسبة الاستهلاك في عمليّة دائريّة ستؤثّر على المجتمع كلّه، ما عدا مجالات معيّنة، استفادت من كورونا في جميع دول العالم، مثل شركات الأغذية.

هذا يتأثر طبعًا بالأجواء العامّة في إسرائيل.
في إسرائيل الآن هناك حالتا شلل وتوتّر سياسيّين. في هاتين الحالتين لا يتمّ التعامل مع الوباء ومع الأزمات بشكل سليم، إنما بشكل ارتجاليّ وعيني. ما يعني وجود ضرر عام في إسرائيل تزداد شدّته عند المجتمعات التي هي بحاجة إلى دعم خارجي (من الدولة) للنهوض باقتصادها مثل المجتمع العربي. عندما تكون الدولة مشلولة فإن الفئات المستضعفة هي أوّل من سيدفع ثمن هذا الشلل.
أنا أذهل أحيانًا من الانشغال الموجود في مجتمعنا من أحداث مثل استمرار القائمة المشتركة أو تفكّكها، مقارنةً بالانشغال العام بأنّنا كمجتمع سنكون الأكثر تضرّرًا في إسرائيل من آثار جائحة كورونا، اقتصاديًا واجتماعيًا، وبالتأكيد من آثار الشلل السياسي العام فيها.

إسرائيل أمام أولويّاتها

في السنوات الماضية أصدرت الحكومة الإسرائيليّة برامج وسياسات لدفع الاقتصاد العربي، ذكرتِ في بداية اللقاء أنها لم تهدف إلى سدّ الفجوات الحقيقيّة، برأيك هل سنشهد خططًا مشابهة في المستقبل، بغضّ النظر إن كانت أكثر شمولا أو لا؟

مورست ضغوطات كبيرة على الحكومة في السنوات الأخيرة لإصدار برامج وسياسات داعمة لإيجاد حلول اقتصاديّة للمجتمع العربي. وبرأيي اليوم، الحالة السياسية وعمق المشاكل الاقتصاديّة على مستوى الدولة ستجعلنا كمن يصرخ في وادٍ أو في قعر بئر، ولن نلقى آذانًا مصغية. فهناك أولويّات للحكومة الإسرائيليّة ليس من ضمنها المجتمع العربي. 
نحن، كشريحة، إن نجحنا – إلى حدّ ما – في أن نرفع من مستوى المطالبة بحقوقنا ووضع بعض الأجندات على الخارطة السياسيّة لوضع حلول للتهميش الاقتصادي، فإنّ الأزمة التي تواجهها إسرائيل جرّاء كورونا ستؤدّي إلى القضاء على هذه الإنجازات القليلة إلى حدّ ما. لن يكون لنا مكان في هذه المطالبات، لأن الدولة ستكون مشغولة في عمق فشلها الاقتصادي، ولهذا لن يكون عندها أي استعداد لمطالب العرب فيها ولا النوايا ولا حتّى الإمكانات.
أيّ أننا حتى على مستوى السياسات والمطالبات سنعود أعوامًا إلى الوراء، وهذا مرتبط بفشل الدولة كدولة سياسيا واقتصاديًا سندفع نحن أثمانها كمجموعة صوتها بالأساس غير مسموع.
نحن أمام أزمة اقتصادية كبيرة جدًا، سترافقنا تأثيراتها لسنوات طويلة، ولا حلول أمامنا إلا التنظيم الداخلي. بدون حلول داخلية وبدون تجنيد داخلي وبدون إنشاء برامج داخلية سندخل إلى أزمة داخلية قد لا نتمكّن من الخروج منها.
ومع ذلك، نجحنا في السنوات الأخيرة في بلورة طبقة وسطى لم يكن وجودها واضحًا منذ النكبة، لكنَّ قسمًا منها مهدّد بفعل أزمة كورونا. ويجب أن تكون فئة الشباب هي المستهدفة لتطويرها. هناك مبادرات هنا وهناك، لكنها لم تصل إلى مستوى المبادرات المتينة والقادرة على تحقيق تغيير مجتمعي واسع.
 

المساهمون