استمع إلى الملخص
- تتطلب المرحلة الانتقالية حوكمة رشيدة وشفافية، مع تعديل البنية التشريعية لتعزيز الاستثمار، وبناء مؤسسات أمنية تحترم حقوق الإنسان، وضمان استقلال القضاء لمحاربة الفساد.
- إلغاء "قانون قيصر" يعكس ثقة متزايدة من الولايات المتحدة، مما يفتح المجال أمام الشركات الغربية، مع استمرار آلية مراقبة لضمان التزام الحكومة السورية بمعايير مكافحة الإرهاب واحترام حقوق الأقليات.
مع إلغاء الكونغرس الأميركي، مساء الأربعاء، قانون العقوبات الأشد قسوة على سورية المعروف بـ"قانون قيصر"، وتوقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس الخميس عليه، أُزيلت العقبة الأكبر أمام دمشق اقتصادياً وسياسياً، وباتت الحكومة في مواجهة مسؤوليات داخلية جسام كانت مؤجلة بسبب العقوبات، التي لم تعد بعد اليوم ذريعة صالحة. ويُعَد تلاشي العقوبات على سورية الخطوة الأبرز ما بعد إسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، الذي كان وجوده سبب فرض تلك العقوبات التي كانت العائق الأكبر أمام انتعاش اقتصادي يستدعي انفراجات على المستويات كافة، ولا سيما السياسية منها. والمتجول في شوارع العاصمة دمشق صباح أمس الخميس يلحظ فرحة تعلو وجوه السوريين ورغبة في تجاوز المرحلة السوداء التي مرت بها بلادهم (2011 - 2024)، والتي زاد من وطأتها تلك العقوبات التي اتخذها النظام البائد ذريعة لممارسة المزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين.
مرحلة جديدة في سورية
"تدخل سورية مرحلة جديدة نتمنى أن يعم فيها الخير على الجميع"، يقول محمود الأسعد، وهو مدرس في إحدى مدارس العاصمة. ويضيف في حديث مع "العربي الجديد": إلغاء العقوبات التي كانت مفروضة بموجب قانون قيصر، يضع الحكومة السورية أمام الامتحان الأهم منذ عام. عليها اليوم أن تلتفت إلى الداخل أكثر وتبدأ بمقاربات مختلفة تماماً حيال كل الملفات، خصوصاً السياسية منها. ويشير إلى أن الشارع السوري: "ربما كان يعذر الحكومة لتقصيرها في عدة ملفات بسبب وجود العقوبات"، مضيفاً: سورية اليوم بلا عقوبات، ومن ثم لم تعد هناك تبريرات تقنع هذا الشارع إذا لم يتم التعاطي بجدية مع الملف الاقتصادي الصعب والملف السياسي الأصعب الذي يعاني اليوم من انسداد الآفاق. نتوقع انفراجات اقتصادية وسياسية في مدى متوسط.
محمود الأسعد: على الحكومة السورية الالتفات إلى الداخل أكثر
وبعد إلغاء قانون "قيصر"، ينتظر الشارع السوري مقاربات مختلفة من الحكومة السورية، تعبّد الطريق أمام عودة الحراك السياسي في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وتوسيع دائرة المشاركة من قبل القوى والتيارات السياسية في القرار. البلاد حتى اللحظة من دون مجلس تشريعي يقر العديد من القوانين الملحة (بما أن الرئيس أحمد الشرع
لم يعيّن بعد النواب الـ70 من أصل 210)، لعل أبرزها: قانون الأحزاب الذي تنتظره القوى السياسية السورية، لنقل الصراع من الشارع إلى أروقة السياسة، من أجل تجنيب البلاد دورات عنف جديدة لم يعد المجتمع السوري يتحمل تبعاتها. وخلال عام مضى، وُجّهت انتقادات وملاحظات على سلوك الإدارة السورية الجديدة حيال الكثير من الملفات المصيرية في البلاد، خصوصاً لجهة عدم الاهتمام الكافي بالحوار الوطني الذي يفضي إلى رسم سياسات الدولة خلال الفترة الانتقالية واستبعاد الكفاءات، وعدم إشراك مكونات البلاد السياسية والعرقية والمذهبية بشكل كاف بالقرار الوطني، والاعتماد فقط على القوى التي كانت تسيطر على شمال غربي سورية قبل الثامن من ديسمبر 2024.كما لم تحقق دمشق اختراقاً مهماً في ملف إنهاء الأوضاع في شمال شرقي سورية وهو الجانب الأغنى في الثروات من البلاد، فـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) لا تزال سلطة الأمر الواقع في تلك المنطقة، وسط تبادل اتهامات مع دمشق حول الأسباب التي تحول دون اندماجها في المؤسسة العسكرية وتسليم المنطقة للحكومة، بناء على اتفاق العاشر من مارس/ آذار الماضي، بين الرئيس أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي، ولم تنفذ مضامينه حتى اللحظة رغم الضغطين الأميركي والتركي. ويُتوقع أن يشهد هذا الملف تطورات خلال الفترة المقبلة باتجاه التوافق حول صيغة مناسبة للدمج، لا سيما أن الجانبين لا يميلان إلى صدام عسكري مفتوح على كل السيناريوهات.
وملف محافظة السويداء في جنوب سورية يتجه كل يوم نحو التعقيد، في ظل غياب رؤى سياسية وخطوات جادة من شأنها إعادة بناء الثقة مع دمشق التي كما يبدو فضّلت تأجيل التعاطي مع هذا الملف بسبب ارتباطه بعموم ملف الجنوب السوري، الذي بات اليوم مسرح تدخل إسرائيلي كبير. ويُعتقد أن خطوات الحكومة الداخلية ستكون أكثر سرعة في المرحلة المقبلة، بعدما تخففت من عبء العقوبات الأميركية التي كانت تحول دون إعادة الإعمار أو تدفق استثمارات كبيرة إلى البلاد.
ويقول الباحث في مركز الحوار للدراسات أحمد القربي، لـ"العربي الجديد"، إنه "بعد إلغاء قانون قيصر لا بد من حوكمة رشيدة وشفافية ورؤية استراتيجية أو على الأقل رؤية متوسطة المدى تتناسب مع المرحلة الانتقالية". ويتابع: "لم تعد هناك عوامل خارجية تعيق سورية. اليوم بات من الملحّ تعديل البنية التشريعية والقانونية، خصوصاً ما يتعلق بالاستثمار وتشجيع المشروعات الصغيرة وحوكمة المؤسسات الاقتصادية". وبرأيه، فإن الاقتصاد السوري "بحاجة إلى دعم خارجي وليس رفع العقوبات فحسب، فالمعطيات الاقتصادية اليوم مرعبة"، مضيفاً: أكبر عدو في المراحل الانتقالية هو الفساد، وهذا يتطلب إعادة تأهيل المؤسسات وضمان استقلال القضاء ليشعر المستثمر بالأمان وأن أمواله محمية بالقانون.
أدهم مسعود القاق: إذا لم تكن هناك وحدة وطنية لن يكون هناك مستقبل زاهر لسورية
من جهته، يرى الناشط السياسي المتحدر من محافظة السويداء أدهم مسعود القاق، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المطلوب من الحكومة "بناء الجبهة الداخلية بشكل مختلف"، مضيفاً: "إذا لم تكن هناك وحدة وطنية بين كل المكونات، وإذا لم تكن الحكومة على مسافة واحدة منها، لن يكون هناك مستقبل زاهر لسورية". وبرأيه، فإن "الوحدة والاستقرار يدفعان الشركات للدخول إلى سورية"، معتبراً أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار قضايا النازحين والمهجرين في البلاد، ومعالجة القضايا الخدمية والمعيشية. فالفقر يدفع إلى احتجاجات جديدة.
أما القانوني محمد صبرا، فيعتبر في حديث مع "العربي الجديد"، أن المسألة الملحة في الوقت الراهن هي "خلق البيئة التشريعية والحوكمة وتثبيت الأمن، وهذه شروط تحسين الأوضاع الاقتصادية". ويتابع أنه يجب إعادة توطين فكرة الدولة وسيادة القانون والاحتكام للمؤسسات، لتجاوز المرحلة الانتقالية بسلام. ويشير إلى أن من الخطوات المطلوبة "بناء مؤسسات أمنية تراعي حقوق الإنسان وبعيدة عن التطييف والانحيازات الأيديولوجية"، مضيفاً: هذه كلها شروط أساسية لتحفظ الاستقرار والسلم الأهلي وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وهي شرط أساسي لعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. وهذه العودة تعني موارد بشرية يمكن الاستفادة منها في بناء الجيش وإعادة تثبيت المجتمع السوري، بحيث يمكن أن تنطلق مجموعة من الميكانزمات على كل المستويات. هذه كلها عناصر مرتبطة بعضها ببعض تبدأ من الاقتصاد، ولا تنتهي عند الحوكمة الرشيدة والمعايير التي يجب أن تكون الناظم لكل مؤسسات الدولة.
بدوره، يرى الباحث السياسي مؤيد غزلان، في حديث مع "العربي الجديد"، أن إلغاء "قانون قيصر" يشكل "نقلة نوعية سيكون لها أثرها الكبير في الاقتصاد السوري"، مشيراً إلى أن هذا الاقتصاد "ربما يحتاج إلى سنوات ليصل إلى تعاف كامل". كما يعتبر إلغاء القانون "دليل ثقة سياسية متزايدة من قبل الولايات المتحدة بسياسة الحكومة السورية الحالية"، مشيراً إلى أن "كل الشروط المسبقة لم تعد موجودة". ويضيف: سورية اليوم لديها هامش كبير من السيادة، وهذا يؤكد إيمان واشنطن بالخيار السوري ـ السوري لنسج السياسات الداخلية، سواء مع المكونات أو في ما يخص السلطة التشريعية. وبرأيه، فإن إلغاء القانون المذكور "يعطي الثقة المتزايدة للشركات الأميركية والغربية للدخول للسوق السورية"، مشيراً إلى أن "الثقة الأميركية بالقيادة السورية تجلت في الموقف من اعتداءات إسرائيل على سورية"، مضيفاً أنّ المبعوث الأميركي إلى سورية توم براك عبّر عن امتعاضه من هذه الاعتداءات أخيراً، ما أدى إلى صدور تصريحات إيجابية من تل أبيب حول اتفاق أمني مع سورية. ويتابع: الثقة الأميركية منحت الحكومة هامشاً كبيراً من الثقة والمناورة الداخلية بما يحفظ سيادتها ووحدة أراضيها، وهذا هو البعد الذي أراه مهماً ويكاد يكون أهم من قضية البعد الاقتصادي لأنه أسرع وأكثر محورية وتأثيراً في المشهد السياسي السوري. ويأمل غزلان أن "تكون السياسات الداخلية في سورية مواكبة تماماً لهذه الثقة"، مضيفاً: يجب أن ينعكس ذلك على ملف الاتفاق مع قوات "قسد"، وأن يدفع بملف السويداء إلى المصالحة النهائية.
أحمد القربي: بعد إلغاء قانون قيصر لا بد من حوكمة رشيدة وشفافية ورؤية استراتيجية
آلية مراقبة أميركية
يُذكر أنه بإلغاء "قانون قيصر" فإن لا إمكانية لعودة العقوبات على سورية وفقه، لكن هناك آلية مراقبة للحكومة الأميركية تنص على إمكان فرض عقوبات بطريقة أخرى على سورية، وتنص على تقديم رئيس الولايات المتحدة خلال 90 يوماً تقريراً إلى الكونغرس ولجانه يُثبت ما إذا كانت حكومة سورية "تتخذ إجراءات ملموسة وحقيقية للقضاء على التهديد الذي يشكّله تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى، بما فيها تنظيم القاعدة وفروعه، بالشراكة مع الولايات المتحدة، ومنع عودة ظهور داعش"، وأن الحكومة "قد أزالت، أو تتخذ خطوات لإزالة، المقاتلين الأجانب من المناصب القيادية فيها، بما في ذلك في مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية". كما يتضمن التقرير إشارة إلى ما إذا كانت الحكومة السورية "تحترم حقوق الأقليات الدينية والإثنية في سورية، بما في ذلك حرية العبادة والمعتقد، وتضمن تمثيلاً عادلاً ومتوازناً في مؤسسات الحكم، بما في ذلك الوزارات والبرلمان"، و"لا تقوم بأعمال عسكرية أحادية الجانب وغير مبررة ضد الدول المجاورة، بما في ذلك دولة إسرائيل، وتواصل إحراز تقدم نحو اتفاقيات الأمن الدولي عندما يكون ذلك مناسباً".
كما "تتخذ خطوات حقيقية وموثوقة لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس/ آذار 2025، بما في ذلك إجراءات دمج القوات الأمنية وتحقيق التمثيل السياسي"، وتتخذ "إجراءات فعّالة لمكافحة: غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، بما يتوافق مع المعايير الدولية، وألا تكون على علم بتمويل أو مساعدة (مالياً أو من خلال نقل الأسلحة) أو إيواء أفراد أو جماعات خاضعين للعقوبات". كما يثبت التقرير ما إذا كانت الحكومة السورية "تقوم بملاحقة قضائية نشطة للمسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المعترف بها دولياً منذ الثامن من ديسمبر 2024، بما في ذلك المسؤولين عن المجازر بحق الأقليات الدينية"، و"تتخذ خطوات قابلة للتحقق لمكافحة الإنتاج غير المشروع والانتشار الدولي غير المشروع للمخدرات، بما في ذلك الكبتاغون". وبحسب هذه الآلية: "إذا عجز الرئيس عن تقديم شهادة إيجابية لمدة فترتين متتاليتين من فترات إعداد التقارير، يجوز له النظر في فرض عقوبات موجهة على أفراد بموجب الصلاحيات القائمة إلى أن يقدم شهادة إيجابية لاحقاً".