من موسكو إلى أفغانستان: بايدن يراجع حساباته ويتراجع

من موسكو إلى أفغانستان: بايدن يراجع حساباته ويتراجع

14 ابريل 2021
الصورة
تغيب المقاربة المتماسكة لدى بايدن بالتعامل مع القضايا الدولية(براندن سميالوفسكي/فرانس برس)
+ الخط -

كشف الرئيس الأميركي، جو بايدن، الثلاثاء، عن مفاجأتين في السياسة الخارجية: قراره بالانسحاب من أفغانستان في الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول المقبل، ودعوته إلى قمة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. الأولى كانت غير متوقعة في توقيتها، والثانية كانت كلياً من خارج الاحتمالات. ويبدو من المعلومات والإشارات الأولية، أن كلتيهما كانت في النهاية ترجمة لخياراته في الموضوعين. وبالتحديد، في موضوع الانسحاب الذي حسم هو بشأنه خلافاً لتوصيات العسكريين التي لم تكن سرية في واشنطن، والتي شددت على ضرورة ترحيل الموعد المتفق عليه مع الإدارة السابقة، أي الأول من مايو/ أيار المقبل، إلى أجل غير مسمّى. لكنه غلّب حساباته الداخلية ووعده "بإنهاء الحروب" على الاعتبارات الأخرى، الأمنية والجيو - سياسية، وهو أصلاً من أنصار الانسحاب من حروب المنطقة، ولعب دوراً هاماً كنائب رئيس، في حمل الرئيس السابق باراك أوباما على مغادرة العراق في 2011.

صحيح أنه كان قد سبق له أن أعطى إشارات إلى ميله لتمديد البقاء في أفغانستان خوفاً من تداعيات الخروج "قبل الأوان"، لكنه ترك المسألة معلّقة. في النهاية، حمله ضغط الوقت على التراجع والحسم وفقاً لحساباته السياسية. فهو من الذين يعملون وفق المقولة الشهيرة لرئيس مجلس النواب الأسبق تيب أونيل بأن "كل السياسات محلية"، وأن أولويتها تتحكم بخيارات الرئيس وقراراته  في معظم، إن لم يكن في كلّ الأحيان. والمعروف أن الانسحاب من أفغانستان يحظى بتأييد عارم لدى الرأي العام الأميركي. ومن هذه الزاوية، الانسحاب مكسب مضمون له.

الادارة بدأت بالتصعيد والتلويح بالتشدد في الملفين، لكن عند الاستحقاق، سارعت إلى تليين الخطاب لاحتواء الموقف

والتراجع الذي لا يقل أهمية، كان في مبادرته لعقد قمة مع الرئيس بوتين في مكان محايد خلال الأشهر المقبلة. وتأتي هذه الدعوة على خلفية تأزم غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة بن موسكو وواشنطن، وصل إلى حدّ وصف بايدن أخيراً للرئيس بوتين بأنه رجل "قاتل". ثم تفاقم هذا التوتر في ضوء ما تردّد في الأيام الأخيرة عن حشود عسكرية روسية (حوالى 80 ألف جندي بكامل المعدات) على مسافة قريبة بين 6 و25 ميلاً من الحدود مع أوكرانيا، وكذلك في شبه جزيرة القرم، الأمر الذي اقتضى استدراك التدهور مع الكرملين، عبر طرح القمة لتنفيس الاحتقان الذي يهدّد بأزمة مفتوحة على التورط في مواجهة قد تؤدي إلى تغيير الخرائط في أوكرانيا، فضلاً عن تغيير الأولويات الصينية للإدارة. وقد لُمِّح إلى الرغبة الأميركية في التنفيس، خلال لقاء صحافي مع مسؤول في الخارجية الأميركية في وقت متأخر الثلاثاء، بعد انتهاء اجتماع "لجنة أوكرانيا - حلف الناتو" في بروكسل، بحضور ومشاركة وزير خارجية أوكرانيا ووزيري الخارجية والدفاع الأميركيين.

المتحدث حرص على استبعاد فكرة انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو". قال: "لم نأتِ على بحث موضوع عضوية أوكرانيا في الحلف خلال الاجتماع". ويبدو أنه كلام موجّه إلى موسكو التي تتوجس من مثل هذا الاحتمال، والتي يُعتقد أنها حشدت قواتها على الحدود كإنذار لمنع حصول مثل هذا الضم. كذلك نأى المسؤول عن لغة التهديد بالردّ العسكري من جانب الحلف، حتى لو أقدمت موسكو على عمل عسكري ضد أوكرانيا. اكتفى بتحذير الكرملين وتدفيعه الثمن، من دون تحديد هذا الثمن، لو قام بعمليات من هذا النوع. الكلام نفسه ردّده الوزير بلينكن قبل يومين.

الإدارة بدأت بالتصعيد والتلويح بالتشدد في الملفين. لكن عند الاستحقاق، سارعت إلى تليين الخطاب لاحتواء الموقف. الانتقال السريع من سياسة العصا إلى السياسة البراغماتية، يؤشر على غياب المقاربة السديدة والمتماسكة في التعامل مع القضايا الدولية. التذبذب مأخذ مزمن على بايدن على الرغم من تجربته الطويلة، سواء في مجلس الشيوخ أو كنائب رئيس. في أحيان كثيرة، يتسرّع في اتخاذ الموقف ليتراجع عنه لاحقاً، كما تبدّى في موقفه من حرب العراق وفي دعوته السابقة إلى تقسيمه، وأخيراً في موقفه الخاطئ الذي كاد أن يسبّب أزمة إنسانية على الحدود مع المكسيك. في كتابه عن حربي العراق وأفغانستان، يقول وزير الدفاع السابق روبرت غيتس، الذي عمل في إدارتي بوش وأوباما، إن "بايدن كان على خطأ تقريباً في كلّ قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي طوال الأربعين سنة" التي قضاها في الحقل العام. هل ما زال بايدن الرئيس مثل بايدن السابق؟

المساهمون