من "بطل محبوب" إلى فاشل غير مرغوب.. زامير في مرمى نتنياهو والوزراء

05 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 22:54 (توقيت القدس)
زامير أمام حائط البراق في القدس المحتلة، 5 مارس 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التوتر بين إيال زامير والمستوى السياسي يتصاعد بسبب الخلافات حول استراتيجيات الحرب في غزة، حيث يفضل زامير خططًا بديلة لتجنب العواقب المحتملة على المحتجزين واستنزاف الجنود.
- شهدت الفترة الأخيرة مشادات بين زامير ووزراء الحكومة، مع انتقادات لعدم تحقيق "النصر المطلق" ورفضه لمقترحات مثل توزيع المساعدات الإنسانية، مما أدى إلى توتر العلاقات واتهامات بالتسريبات.
- يواجه زامير ضغوطًا متزايدة من المستوى السياسي الذي يروج لاحتلال غزة بالكامل، مما قد يدفعه للاستقالة وسط تزايد الانتقادات من وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش.

رغم إسهامه الكبير في حرب الإبادة على قطاع غزة، والثناء الكبير الذي استقبله به المستوى السياسي عند تعيينه خلفاً لرئيس أركان جيش الاحتلال السابق هرتسي هليفي، يجد إيال زامير نفسه في مرمى الانتقادات والإهانات، من قبل ذات المسؤولين، الذين اختاروه، حين كان بالأمس القريب محبوبهم، وبات اليوم منبوذهم. وليس الخلاف في جوهره حول الإبادة والتجويع والتهجير، بل حول بعض الأهداف في قطاع غزة وآلية تنفيذها. وفيما يبدو أن المستوى السياسي يدفع نحو توسيع الحرب واحتلال غزة، أو على الأقل يهدد بذلك، يحذّر زامير والعديد من المسؤولين في المستوى الأمني، من عواقب ذلك على المحتجزين الإسرائيليين في غزة، واستنزاف الجنود، وعلى المجتمع الإسرائيلي، ويقترح خططاً بديلة من قبيل احتلال مناطق محدودة في القطاع، وفرض طوق عليها، والمبادرة إلى عمليات دهم وهجمات عينية.

لكن المستوى السياسي لا يكتفي بهذا القدر، ويريد الإمعان في الإبادة والتهجير والاستيطان ودخول مخيمات المنطقة الوسطى، ويتطلع على ما يبدو إلى رئيس أركان يؤمن بتحقيق "النصر المطلق" الذي أطلقه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وردده من ورائه وزراء وشركاء في الحكومة. بل إن زامير نفسه هدد وتوعد مع توليه منصبه في مارس/ آذار الماضي بتكثيف القتال في غزة، وتماشت بعض تصريحاته مع تصريحات المستوى السياسي القائلة بخوض إسرائيل "حرباً وجودية"، و"سنواصل حربنا لإعادة مختطفينا (المحتجزين) ومن أجل الحسم".

ويبدو أنه على قدرِ التوقّعات، تكون خيبة الأمل، ما قد يفسر انقلاب المستوى السياسي عليه، وإشارة إلى ذلك إهانته من قبل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش في جلسة الأسبوع الماضي، الذي قال له موبخاً: "قدّمت خطة للحسم أمام حماس خلال ثلاثة أشهر، ولم تنجح في ذلك. أنا أعتذر لرئيس الأركان السابق هرتسي هليفي وأفتقده". وكان ذلك رداً على اعتبار زامير أن الأمور وصلت إلى مرحلة تتعارض فيها أهداف الحرب، وأن على المستوى السياسي اتخاذ قرارات.

وشتان ما بين اليوم والأمس. في بيان لنتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، عند تعيين زامير، ذكرا أن التصديق على تعيينه "حصل بعد عملية اختيار مهنية ودقيقة، وهي تعكس الثقة الكبيرة بخبرته الواسعة في قيادة الجيش الإسرائيلي في هذه المرحلة". وقال نتنياهو: "حتى عندما خدم بصفة سكرتيري العسكري، تأثرت بالتزام إيال زامير للدولة، وبالتزامه للجيش الإسرائيلي، وبنهجه الهجومي... أتوقع أنه خلال خدمته - وربما حتى في المستقبل القريب - سنحقق كل هذه الإنجازات العظيمة التي لا تغيّر فقط وضع إسرائيل، بل تغيّر أيضاً وجه الشرق الأوسط بأكمله". وقال كاتس إنه "مقتنع بقدرة زامير على قيادة الجيش نحو الحسم والانتصارات في جميع الجبهات. أنا واثق من أنه سيقود الجيش بحكمة ومسؤولية، وسيعمل على تطبيق الدروس المستفادة من أحداث 7 أكتوبر بهدف تعزيز الجيش الإسرائيلي".

قد تكون نيات نتنياهو حقيقية بشأن احتلال قطاع غزة كاملاً، قد يتلاعب بحلفائه في الائتلاف لإطالة عمر الحكومة، أو قد يبحث عن كبش فداء يحمّله مسؤولية ما لم ينجح في تحقيقه في غزة إن قرر إنهاء الحرب، على غرار "النصر المطلق"، والقضاء على حماس نهائياً ونزع سلاح القطاع وغيرها من الأهداف المعلنة القابلة للتحديث الدائم بما يخدم مصالحه. وقد يدفع نتنياهو زامير إلى الاستقالة، مثلما دفع سلفه هليفي ورئيس الشابك السابق رونين بار ومسؤولين آخرين، وحمّلهم مسؤولية الإخفاق الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وتنصّل هو من المسؤولية.

يعزز هذا التوجه مهاجمة يائير نتنياهو نجل رئيس الحكومة ومقربين من نتنياهو الأب، أمس الاثنين، رئيس الأركان ومحاولة نزع الشرعية عنه واتهامه بتسريبات لوسائل الإعلام، زاعمين أن كاتس هو من أصر عليه، بخلاف كيلهم المديح له لدى تعيينه. أكثر من ذلك، يروّج المقربون من نتنياهو أنه القائد الحقيقي، وفق ما نشرته وسائل إعلام عبرية مساء اليوم، الذي دفع باتجاه اتخاذ القرارات العسكرية المهمّة، خلافاً لموقف الجيش، بما في ذلك الهجوم على إيران. كذلك يروجون أن نتنياهو لم يرغب في زامير منذ البداية.

من جانبه، وجّه كاتس رسالة واضحة اليوم إلى زامير، من قلب قطاع غزة، بأنه "بعد أن يتخذ المستوى السياسي القرارات المطلوبة، فإن المستوى العسكري، وكما فعل في جميع جبهات الحرب حتى الآن، سينفذ السياسة التي تُحدَّد بمهنية. مهمتي وزيراً للأمن المسؤول عن الجيش الإسرائيلي هي التأكد من أن هذا ما سيحدث، وهذا ما سأفعله". وأضاف أن "الحسم ضد حماس في غزة، وخلق ظروف تُمكّننا من استعادة المختطفين، هما الهدفان الرئيسيان للحرب في غزة، ويجب علينا اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لتحقيقهما". وتحمل أقوال كاتس في طياتها تقليلاً من شأن زامير، ونسب فضل "الإنجازات" الإسرائيلية للمستوى السياسي، فيما يُنفذ رئيس الأركان القرارات فقط. وفي وضع طبيعي ما كانت هناك حاجة للتشديد على بديهيات، مفادها أن الجيش يخضع لقرارات المستوى السياسي.

سلسلة من المشادات والمواجهات

برزت أول مواجهة علنية بين رئيس الأركان ووزير الأمن في شهر مارس/ آذار الماضي، أي في الأيام الأولى لتولي زامير منصبه، حين أثار العميد في جيش الاحتلال الإسرائيلي أورن سولومون الجدل، بعد زعمه إقالته من منصبه، على خلفية دوره في التحقيق بإخفاق فرقة غزة وقيادة المنطقة الجنوبية، في مواجهة المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وزعم سولومون أنه أقيل من منصبه بسبب انتقاداته التي وجهها في التحقيقات ضد القيادة العليا للجيش الإسرائيلي. وعلّق الوزير كاتس بأنه "لا يجب أن يُخلق انطباع بأن تحقيقات الشرطة العسكرية هي أداة لإسكات النقد الداخلي" في جيش الاحتلال الإسرائيلي. وفي ردة فعل، أصدر زامير، بياناً استثنائياً قال فيه: "لا أتلقّى تعليمات عبر بيانات في وسائل الإعلام، والادعاء أن الضابط جرى التحقيق معه بسبب دوره في تحقيقات 7 أكتوبر كاذبة ومجردة من أي أساس". وأعلن كاتس أنه سيخاطب زامير عبر القنوات التي يراها مناسبة.

كذلك لم يحب المستوى السياسي دعم زامير المبطّن لرئيس الشاباك السابق رونين بار، في الوقت الذي عملت فيه الحكومة على إطاحته. وبرز ذلك في بيانات عممها جيش الاحتلال في حينه، حول عمليات مشتركة مع الشاباك، مرفقة بصور لزامير وبار خلال المتابعة.

وظهرت لاحقاً مواجهة أخرى بين كاتس وزامير، حين رفض الأخير مقترح الوزير بأن يتولّى الجيش الإسرائيلي توزيع المساعدات حين تدخل إلى غزة. ورد سموتريتش في حينه بأن "الجيش لا يختار مهامه، نحن حددنا لكم أن عليكم الاستعداد لذلك. نحن نحدد ما عليكم فعله، وأنتم عليكم مهمة تنفيذه. وإذا كنت غير قادر على ذلك، سنجلب شخصاً يستطيع القيام به. وإن كنت لا تعرف فسنجد شخصاً يعرف".

بعد نحو أسبوع، سُجّل خلاف إضافي بين زامير والوزراء خلال جلسة المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت). في النقاش، طالب الوزراء الجيش بتكثيف العملية العسكرية في القطاع، وقرروا عدم إدخال مساعدات إنسانية إلى غزة في تلك الفترة. الوزيرة ميري ريغيف قالت في حينه: "لا يمكن الاستمرار بهذا الشكل. نحن نتلكأ في غزة"، معتبرة أن الجيش لا يبذل جهداً كافياً، ليردّ عليها زامير: "أنا لا أتفق معك أننا نراوح مكاننا. هناك حالياً آلاف الجنود يقاتلون في غزة".

وانضم الوزير ياريف ليفين إلى الانتقادات الموجهة لرئيس الأركان بسبب معارضته توزيع الجنود المساعدات الإنسانية. وقال ليفين، مخاطباً زامير: "ما قلته في الجلسة السابقة غير مقبول. يمكنك أن توصي وتعترض، لكنك لا تقرر بدلاً منّا. لا يمكن المطالبة باتخاذ قرارات ثم رفض تنفيذها".

وقبيل نهاية مايو/ أيار الماضي، سُجّل خلاف إضافي مع الوزير كاتس، الذي قرر منع المدّعية العسكرية العامة، يفعات تومر - يروشلمي، من المشاركة في مؤتمر نقابة المحامين. وردّ زامير بأنه وافق على مشاركتها، فيما أصدر كاتس بياناً إضافياً شدد فيه على أن القرار يعود له، في موضوع يقع ضمن مسؤوليته.

بعد أكثر من شهر بقليل، حذّر زامير خلال اجتماع الكابينت المصغّر من أن استمرار الحرب في قطاع غزة يعرّض حياة المحتجزين الإسرائيليين للخطر، وأشار إلى أن "وضعهم صعب جدًا". وأثار بذلك غضب الوزيرين سموتريتش وإيتمار بن غفير. واعتبر الأخير أن المزيد من الضغط العسكري هو ما سيساعد في استعادة المحتجزين، ولن يضرّ بهم. وعلّق سموتريتش من جهته: "نحن أيضاً نريد المختطفين، لكننا لسنا مستعدين للتخلي عن دولة كاملة. الجيش الإسرائيلي لا يوجّه المستوى السياسي لما يجب أن يقرّره".

خلال ذلك الأسبوع، وفي ظل انتظار ردّ حماس بشأن المفاوضات التي كانت لا تزال جارية آنذاك، اندلع خلاف حاد وصاخب في اجتماع "الكابينت" بين نتنياهو وزامير. وجّه أعضاء "الكابينت" انتقادات للجيش بزعم أنه "لم يمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى حماس". وكما في اجتماعات سابقة، وجّه الوزيران سموتريتش وبن غفير اتهامات للجيش، مدّعين أنه لم يلتزم وعوده. وردّ زامير مهاجماً: "نحن نقوم تماماً بما كلّفتمونا به، وأنصحكم بالحذر في كلامكما. لا حاجة للتذكير بأن جنودنا يسقطون في المعارك".

لاحقاً، طلب نتنياهو من زامير إعداد خطة واسعة لإخلاء السكان في غزة نحو جنوب القطاع، فيما أضاف سموتريتش بأنه "يجب فرض حصار على الشمال. هكذا سنُسقط حماس". ورد زامير: "أنتم تريدون حكماً عسكرياً. الجيش الإسرائيلي لا يستطيع السيطرة على مليوني إنسان. من سيدير غزة؟"، عندها رفع نتنياهو صوته بغضب: "الجيش والدولة. أنا لا أريد حكماً عسكرياً، لكنني أريد نقلهم إلى منطقة مدنية واسعة. أنا غير مستعد لأن تبقى حماس بأي شكل في القطاع. البديل لخطة الإخلاء نحو الجنوب، دعس القطاع واحتلال غزة، لكن هذا يعني قتل المختطفين"، زاعماً أن "هذا ما لا أريده ولا أستطيع فعله". ردّ رئيس الأركان قائلاً: "لم نتفق على شيء كهذا. إدارة هؤلاء الناس وهم جائعون وغاضبون قد تؤدي إلى فقدان السيطرة وهجوم على قواتنا. لا نريد أن نصل إلى هذه المرحلة"، فقال له نتنياهو: "حضّروا خطة إخلاء. أريد أن أراها". فأجابه زامير: "إذن وجّهني".

بعد أقل من يومين، اندلع مجدداً خلاف حاد بين نتنياهو وزامير حول وتيرة تنفيذ إقامة ما يُسمى "المدينة الإنسانية" في القطاع. كذلك نشب خلاف بين سموتريتش وزامير وصل إلى حدّ الصراخ. واتهم سموتريتش الجيش الإسرائيلي بعدم تنفيذ تعليمات المستوى السياسي بشأن الفصل الإنساني. وتدخّل نتنياهو خلال النقاش، وضرب على الطاولة في محاولة لتهدئة الأجواء. في ذلك الخلاف، اتّهم سموتريتش زامير، وقال: "الجيش غير مستعد لإدارة المساعدات الإنسانية. لقد فشلتم فشلاً ذريعاً في هذا الأمر. الجيش يجب أن يوزّع المساعدات الإنسانية"، فردّ عليه رئيس الأركان: "إنك تنتقد كل شيء. أنت تضعف جنود الاحتياط وتضعف روح الجنود. أنت ضد الجيش الإسرائيلي. تعارض كل شيء وتقول إننا لا نفعل شيئاً".

أجاب سموتريتش: "أنت تقول هذا، ثم أراه لاحقاً في الصحف. مشكلتك أنك لا تعرف كيف تتقبل النقد. أنا أُثني على النجاحات، لكن في موضوع توزيع المساعدات الإنسانية، فشلتم فشلاً ذريعاً. كان عليكم أن توزّعوا عندما قلت لكم". ضرب نتنياهو على الطاولة وقال: "أنتما تتحدثان بطريقة غير لائقة. أطلب منكما التهدئة". فأضاف سموتريتش: "أنا أعلم أنه سيُسرّب ضدي". وردّ عليه زامير: "أنا لا أُسرّب شيئاً. أنت من يُسرّب من الجلسات".

في الأسبوع الماضي، تصاعد التوتر مجدداً بين سموتريتش وزامير إلى خلاف حاد خلال اجتماع "الكابينت" المصغّر، بعد أن حذّر زامير من أن احتلال غزة بالكامل قد يستغرق سنوات، وأنه في الوقت الحالي يجب الاستمرار في الهجمات وعمليات الدهم المركّزة والعينية. وأثارت هذه التصريحات غضب سموتريتش، الذي انفجر في وجه رئيس الأركان، وقال: "نحن بالفعل نشتاق لهرتسي هليفي. عليك أن تعتذر له. أنت هاجمته على الأمور نفسها بالضبط".

أما أمس، وفي ظل تقارير تفيد بأن تفاقم الخلافات مع المستوى السياسي قد يدفع رئيس الأركان إلى الاستقالة، خرجت تسريبات من مكتب نتنياهو تفيد بأنه "تقرر أن نتجه نحو احتلال كامل (للقطاع). وإذا لم يناسب ذلك رئيس الأركان، فليستقِل".