من الفاشية إلى المحافظة المعتدلة: مسيرة جورجيا ميلوني للتكيف السياسي

02 يناير 2026   |  آخر تحديث: 11:45 (توقيت القدس)
جورجيا ميلوني في مهرجان سياسي لحزب "إخوة إيطاليا" في روما، 14 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الاستقرار السياسي والتحالفات اليمينية: حققت جورجيا ميلوني استقراراً سياسياً نادراً في إيطاليا عبر تحالفات يمينية متماسكة، وتوسيع قاعدة حزبها "إخوة إيطاليا" لتشمل المحافظين والطبقات الوسطى.

- التحول السياسي والاقتصادي: نجحت ميلوني في تحويل حزبها إلى قوة يمينية محافظة، وركزت على السيادة والقيم التقليدية، وخفضت العجز المالي بدعم أوروبي، مما أكسبها احترام قادة الاتحاد الأوروبي.

- العلاقات الدولية والتوجهات القومية: نسجت علاقات مع قادة اليمين العالمي، دعمت إسرائيل، وركزت على تعزيز النفوذ الإيطالي عبر الأطلسي، مما أثار انتقادات داخلية لابتعادها عن تقاليد السياسة الخارجية الإيطالية.

دخلت جورجيا ميلوني عامها الرابع في رئاسة الحكومة الإيطالية، وسط استقرار سياسي نادر لم تعرفه البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ لم يتجاوز متوسط عمر الحكومات عاماً واحداً منذ 1945. وقد فرضت ميلوني هذا الاستقرار عبر تحالفات يمينية متماسكة، خاصة مع الراحل سيلفيو برلسكوني وكتلة "الرابطة" بقيادة ماتيو سالفيني، إلى جانب توسيع قاعدة حزبها "إخوة إيطاليا" لتشمل المحافظين والطبقات الوسطى الباحثة عن النظام.

من طفولة صعبة وتهم بالفاشية إلى وسطية محافظة

نشأت جورجيا ميلوني في ضواحي روما بعد تخلي والدها عنها، وتربّت على يد والدتها اليمينية الكاتبة، وعانت التنمر بسبب وزنها، وذكرت في سيرتها الذاتية أن ذلك شكّل دافعاً لتغيير حياتها، قبل أن تعبّر لاحقاً عن امتنانها لتلك التجربة. بدأت مسيرتها السياسية في سن الخامسة عشرة بانضمامها إلى الحركة الاجتماعية الإيطالية MSI، الحزب اليميني الذي ورث تقاليد فاشية بعد سقوط موسوليني. ومع الوقت، أعادت صياغة هذا الإرث بتحويل "إخوة إيطاليا" إلى قوة يمينية محافظة ووطنية، نأت بنفسها عن الاتهامات بالفاشية ووصفتها بـ"الدعاية اليسارية".

في المعارضة، هاجمت الاتحاد الأوروبي وسياسات الهجرة والعولمة، ووصفت ما سمّته "مؤامرات نسوية ونشطاء مجتمع الميم" بمحاولة "إخضاع إيطاليا". في الحكم، قدمت نفسها كقائدة محافظة وأم مسيحية، تركز على السيادة والأسرة والقيم التقليدية، مع تشدد في ملف الهجرة، وبالحفاظ على صورة معتدلة داخلياً وخارجياً. ورغم ذلك، ضمّت حكومتها شخصيات يمينية مثيرة للجدل، أبرزهم إغنازيو لا روسّا رئيساً لمجلس الشيوخ، وهو الذي يتفاخر بامتلاكه تماثيل لموسوليني في بيته، ولورنزو فونتانا رئيساً لمجلس النواب، المعروف بمواقفه الكاثوليكية المتشددة وميله للسياسات القومية، واتهامات له بتقاربه مع روسيا.

تحالفات مفيدة وتغير في الخطاب المناهض لبروكسل

لعب دعم برلسكوني دوراً حاسماً في تعزيز موقع ميلوني، إذ مكنها التحالف مع حزبه و"الرابطة" من تشكيل ائتلاف ثلاثي مستقر يوفر أغلبية برلمانية قوية، ويوازن بين مصالح اليمين التقليدي والمتطرف. في الانتخابات البرلمانية 2022، حصل حزبها على نحو 26% من الأصوات، وارتفع التأييد لاحقاً إلى نحو 30%، مدفوعاً برغبة الإيطاليين في استقرار نادر، والفخر بمكانتها الدولية والدفاع عن القيم المحافظة. كما ساعد خطابها المعتدل في جذب قاعدة واسعة تبحث عن قيادة قوية وموثوقة.

نجحت حكومة جورجيا ميلوني في خفض العجز من 8.6% إلى 3.4% من الناتج المحلي، بدعم صندوق التعافي الأوروبي، رغم تحديات بنيوية مثل الدين العام المرتفع (137%) وضعف النمو (0.5%). قبل السلطة، كانت تنتقد قواعد الميزانية الأوروبية، لكنها ضبطت الإنفاق لإرضاء الأسواق وبروكسل، ما عكس قدرتها على إدارة الاقتصاد قصير المدى، بينما يبقى النمو ضعيفاً والأجور منخفضة، ما يثير التساؤل عن استقرار الاقتصاد بعد توقف دعم الاتحاد الأوروبي.

مع ذلك، أثارت سياساتها جدلاً داخلياً وأوروبياً، إذ قلّصت حقوق النساء في الإجهاض وحقوق مجتمع الميم، واتُهمت بمحاولة تقويض سيادة القانون وزيادة السيطرة على القضاء، فيما وصفت نفسها بأنها "تحمي الدولة من القضاة الشيوعيين"، كما واجهت انتقادات لهجماتها على الإعلام ورفع دعاوى تشهير ضد الصحافيين.

قبل توليها الحكومة، انتقدت ميلوني سياسات الاتحاد الأوروبي في الميزانية والهجرة، لكنها بتوليها السلطة عملت من بروكسل وستراسبورغ لتعزيز مصالح إيطاليا عبر التركيز على الهجرة، واتفاقيات مع دول شمال أفريقيا، وحماية الصناعة والاقتصاد المحلي، ما منحها قدرة على التأثير في السياسات الأوروبية وأكسبها احترام قادة الاتحاد، مثل المحافظة الألمانية أورسولا فون ديرلاين، والاجتماعية الديمقراطية الدنماركية ميتا فريدركسن.

العلاقات الدولية والتحالف مع ترامب

عالمياً، نسجت ميلوني علاقات وثيقة مع قادة اليمين، خصوصاً دونالد ترامب الذي أشاد بها علناً، وتقاربت مع المجري فيكتور أوربان. تتجنب انتقاد واشنطن، معتبرة مطالبة أوروبا بالاختيار بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي "أمراً طفولياً"، رغم توترها مع ماكرون بسبب سياسات الهجرة واللجوء. وتسعى لتعزيز النفوذ الإيطالي عبر الأطلسي، مدافعة عن واشنطن حتى في خلافاتها مع أوروبا، رغم أن أي تصعيد أميركي - أوروبي قد يضعها أمام اختبار صعب بين التزامات الاتحاد وأجندتها القومية.

قبل وصولها إلى الحكم، أثارت جورجيا ميلوني جدلاً بتصريحات داعمة لصعود اليمين القومي المحافظ، وتقليل نفوذ الاتحاد الأوروبي، وتعزيز سيادة الدول، وانتقاد سياسات ماكرون في أفريقيا والهجرة، والتحذير من "تدفقات غير مرغوبة" للمهاجرين، مع الدعوة إلى تمكين الدول الأفريقية اقتصادياً. كما اعتمدت خطاباً شعبوياً ضد النخب واليسار الأوروبي، مؤكدة أن "الشعب الإيطالي مصدر الشرعية"، وهاجمت ما سمّته "محاولات نسوية ونشطاء مجتمع الميم لإخضاع إيطاليا"، كما جرى تداول خطاب لها عن "أسلمة أوروبا"، ما أثار جدلاً واسعا قبل وصولها إلى السلطة.

العلاقة بإسرائيل وخطاب "الدفاع عن الغرب"

تندرج علاقة جورجيا ميلوني الوثيقة بإسرائيل، حتى خلال حرب الإبادة على غزة منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ضمن خطابها الأوسع في "الدفاع عن الغرب" وحماية ما تسميه "القيم الحضارية الغربية". وقدّمت دعمها لإسرائيل باعتباره جزءاً من مواجهة مشتركة مع "التطرف" و"التهديدات الأمنية" التي ترى أنها تستهدف أوروبا كما إسرائيل، في انسجام مع رؤيتها القومية المحافظة ومقاربتها للهجرة والإسلام السياسي. غير أن هذا الربط وسردية الصدام الحضاري أثار انتقادات داخل إيطاليا، حيث اتهمتها قوى يسارية ومنظمات حقوقية بتبسيط الصراع وتجاهل أبعاده الاستعمارية والإنسانية، وبالانحراف عن تقاليد السياسة الخارجية الإيطالية القائمة على التوازن والدبلوماسية، لصالح تموضع أيديولوجي داخل المعسكر الغربي المتشدد.

جورجيا ميلوني وقابلية للتكيف

ركّزت ميلوني على ضبط المؤسسات، بما في ذلك القضاء والإعلام، مستغلةً ذلك لتوحيد الحكم داخل اليمين مع الحفاظ على صورتها كقائدة محافظة معتدلة، إذ بعد ثلاث سنوات، حولت حزبها من هامش اليمين المتطرف إلى قوة محورية في السياسة الإيطالية، وفرضت استقراراً نادراً في بلد عرف تقلبات مستمرة. اليوم، تمثل رمزاً لليمين الأوروبي القابل للتكيف، محافظة على شعبيتها الداخلية وتعزيز نفوذها الأوروبي، مع قاعدة انتخابية راسخة تحميها من أي تقلبات، بينما تحوّل جذورها الفاشية السابقة إلى قوة سياسية عملية ومستقرة في الداخل.