مناورات إيرانية في مضيق هرمز… رسائل عسكرية في توقيت حساس
استمع إلى الملخص
- استعدادات عسكرية شاملة: تهدف المناورات إلى تقييم جاهزية الوحدات البحرية واختبار سيناريوهات الرد العسكري باستخدام ذخيرة حية ومشاركة وحدات جو-بحر، بما في ذلك اختبارات صاروخية ومنظومات دفاع جوي متطورة.
- رسائل استراتيجية وتحالفات دولية: تسعى إيران لإرسال رسالة قوية للولايات المتحدة وحلفائها حول تكلفة أي هجوم، مع تعزيز قدراتها الدفاعية بشحنات عسكرية صينية، مما يعكس سياسة أكثر حزمًا لمواجهة الضغوط الدولية.
المناورات تقام بالذخيرة الحية وفي إطار سيناريو "حرب شاملة"
تمثل مؤشراً على ترجيح خيار الحرب لدى صُنّاع القرار في إيران
عشية الجولة الثانية من المفاوضات المرتقبة في جنيف، وبعد أيام من إدراج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني على قائمة "التنظيمات الإرهابية"، أطلقت بحرية الحرس، اليوم الاثنين، ومن دون إعلان مسبق، مناورات بحرية تحت عنوان "التحكم الذكي" في مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي اليومي من النفط.
وتأتي هذه المناورات في ظل تصاعد احتمالات اندلاع مواجهة عسكرية جديدة ضد إيران، على وقع التحشيد الأميركي المتزايد في المنطقة، وبالتوازي مع تهديدات طهران خلال الأسابيع الأخيرة بإمكانية إغلاق المضيق في حال تعرضها لأي هجوم، وتحذيرها من أن استهدافها سيشكل شرارة حرب شاملة قد تمتد إلى عموم المنطقة. كما تتقاطع هذه الخطوة مع سلسلة اختبارات صاروخية ومناورات عسكرية أجرتها القوات المسلحة الإيرانية في الفترة الأخيرة داخل البلاد، وفق ما كشف عنه خبير عسكري إيراني لـ"العربي الجديد".
وأفادت وكالة "فارس" المحافظة بأن مناورات الحرس الثوري الإيراني تهدف إلى تقييم جاهزية الوحدات البحرية، ومراجعة خطط التأمين، واختبار سيناريوهات الرد العسكري المحتمل في مواجهة التهديدات الأمنية والعسكرية في مضيق هرمز، إلى جانب الاستفادة من الموقع الجيوسياسي لإيران في الخليج وبحر عُمان. وأوضحت أن محور المناورات يتركز على سرعة وحسم وشمولية ردّ القوات البحرية للحرس الثوري على أي مخططات تهدد الأمن البحري.
حيثيات المناورة
من جهته، قال الخبير العسكري الإيراني مرتضى الموسوي لـ"العربي الجديد" إن المناورة العسكرية في مضيق هرمز تجرى باستخدام ذخيرة حية، وبمشاركة واسعة لوحدات جوــ بحر تابعة للقوات البحرية في الحرس الثوري الإيراني، تشمل المروحيات، ووحدات الطائرات المسيّرة، والوحدات الصاروخية، ووحدات الدفاع الجوي، إلى جانب القطع البحرية السطحية وتحت السطحية. وأوضح الموسوي أن المناورة ستجرى وفق سيناريوهات متعددة، من بينها تأمين أمن مضيق هرمز، وإغلاقه أمام سفن الدول المعادية، والدفاع عن أمنه في مواجهة القطع الحربية المعادية، إضافة إلى استخدام إنجازات عسكرية جديدة في المجال البحري. وأكد أن التدريبات تقام في إطار سيناريو "حرب شاملة".
وأكد الموسوي في حديثه مع "العربي الجديد" أن الهدف الأساسي من المناورة هو إيصال رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة، بوصفها الطرف الذي يقود هذه التحركات، مفادها أن "وهم" شن هجوم على إيران أو فرض حصار بحري عليها، مع الإفلات من التداعيات، "هو تصور خاطئ"، محذراً من تكرار سيناريوهات مشابهة لما جرى في دول أخرى، مثل فنزويلا، سواء في الحصار البحري أو محاولات زعزعة الأنظمة السياسية، مشدداً على أن الإقدام على مثل هذه الخطوات سيقابل بتبعات "بالغة الخطورة". وأكد الخبير الإيراني أن المناورات في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمثل شريان الطاقة في العالم تعكس "إرادة وجهوزية إيرانيتين" لجعل أي هجوم على البلاد "مكلفاً جداً" على الطرف الأميركي وتدفيعه الثمن في اقتصاده والاقتصاد الدولي وعتاده العسكري ومصالحه في المنطقة.
استعدادات حربية
وعمّا إذا كانت مناورات مضيق هرمز تشكّل مؤشراً على ترجيح خيار الحرب لدى صُنّاع القرار في إيران، قال الموسوي إن السلطات الإيرانية تقدّر احتمال اندلاع الحرب بنسبة خمسين في المئة، غير أنها على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، تتعامل مع الوضع على أساس أن الحرب حتمية، وقد بُنيت الخطط على مختلف الأصعدة وفق هذا الافتراض. وأوضح أن الاستعدادات الأمنية والعسكرية جرى التخطيط لها مسبقاً، وأن إيران باتت في حالة جاهزية منذ عدة أشهر بعد حرب يونيو (حزيران) الماضي على أساس أنها ستتجدد، مضيفاً أن التقديرات الإيرانية ترى أن إسرائيل ستكون رأس الحربة في أي مواجهة محتملة، على أن تكون الولايات المتحدة إلى جانبها، فيما ستتولى قواعد أميركية في دول إقليمية أدوار الإسناد اللوجستي، مع احتمال مشاركة ميدانية مباشرة لبعض الدول الأوروبية، منها دخول مقاتلات بريطانية وفرنسية وألمانية إلى مسرح العمليات.
مناورات واختبارات صاروخية
وفي هذا الإطار، أوضح الخبير العسكري الإيراني أن المناورات الجارية حالياً في مضيق هرمز تندرج ضمن جزء من هذا المشهد الشامل، كاشفاً عن مناورات للقوات الجوية ومنظومات الدفاع الجوي الإيرانية نُفذَّت خلال الأسبوع الجاري شملت المناطق الشمالية الشرقية والشرقية والجنوبية الشرقية من البلاد، الممتدة من محافظة خراسان الشمالية وصولاً إلى سيستان وبلوشستان وميناء تشابهار. وأكد أن هذه المناورات تميّزت باتساع غير مسبوق، حيث جرى اختبار وحدات الدفاع الجوي وأنواع جديدة من منظومات الحرب الإلكترونية، إضافة إلى منظومات دفاع جوي قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى. وبيّن أن هذه هي المرة الأولى التي تُنفّذ فيها مثل هذه الاختبارات الشاملة، موضحاً أن "إيران، حتى في السيناريوهات المفترضة، تأخذ في الحسبان احتمالات التهديد من اتجاهات متعددة تمتد من حدودها الشرقية في تركمانستان وأفغانستان وباكستان وصولاً إلى عُمان والخليج من الجنوب، ومن العراق غرباً".
وفي السياق، كشف الخبير العسكري الإيراني لـ"العربي الجديد" عن عدة اختبارات صاروخية جديدة لصواريخ ذات مديات بعيدة ومتوسطة في الفترة الأخيرة، فضلاً عن اختبارات للدفاع الجوي "الجديد" في وسط البلاد وغربها وشرقها وشمالها.
شحنات عسكرية صينية
من جهته، أكد الخبير الإيراني علي رضا كميلي في حديثه مع "العربي الجديد" أن تنظيم مناورات عسكرية في هذا التوقيت الحساس "خطوة جريئة وصائبة"، وأنها تحمل رسالة مفادها أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية "لم ترتدع ولم تخضع للضغوط". ورجح كميلي أن يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب "عندما يدرك أن كلفة المواجهة مرتفعة"، معتبراً أن التصعيد العسكري الأميركي، بما في ذلك حشد العتاد، يهدف بالأساس إلى خلق حالة من الردع النفسي وإثارة الخوف، مؤكداً أن رسالة هذه المناورات هي عكس ذلك تماماً. وأوضح أن بلاده أنهت استعدادات كاملة لخوض معركة شاملة مع "الأعداء"، مشيراً إلى أنها حصلت على أسلحة متطورة من حلفائها أيضاً إلى جانب أسلحتها المتطورة داخلياً، وكاشفاً في السياق، لـ"العربي الجديد"، أن 60 طائرة شحن عسكرية صينية هبطت خلال الآونة الأخيرة عشرات المرات في إيران، لنقل معدات ومستلزمات عسكرية.
كما تحدث عن تسليم أنظمة دفاع صاروخي صينية إلى إيران، موضحاً أن هذه الأنظمة لم تُدمج بعد بشكل كامل في منظومة الدفاع الصاروخي الإيرانية، لكنها مرشحة لذلك في مرحلة لاحقة، إلى جانب تزويد إيران بمواد أولية تدخل في صناعة الصواريخ وبعض الأسلحة.
إيران 2026
من جهته، قال الخبير في شؤون الدراسات الإقليمية علي رضا مجيدي لـ"العربي الجديد" إن إيران تبعث من خلال هذه المناورات في هذا التوقيت، بصورة غير مباشرة، رسالة مفادها أن "إيران 2026 ليست إيران السنوات السابقة"، مشيراً إلى أن طهران، لا سيما منذ عام 2018، انتهجت سياسة ضبط النفس في مواجهة الأزمات الكبرى، وهو ما أسهم في ترسيخ انطباع لدى خصومها بإمكانية احتواء سلوكها. وأوضح أن هذه المقاربة، التي وُصفت داخلياً بـ"الصبر الاستراتيجي"، جاءت نتيجة حسابات تتعلق بتفادي خسارة مصالح حيوية، ما دفع إيران إلى تجميد مستويات التصعيد في كل مرحلة، غير أن ذلك سمح للطرف الآخر بتجاوز الخطوط الحمراء تدريجياً، وصولاً إلى الهجوم على الأراضي الإيرانية خلال ما عُرف بحرب الأيام الـ12.
وأضاف مجيدي أن استمرار الضغوط والإجراءات الهادفة إلى إضعاف إيران بعد تلك المواجهة دفع طهران، وللمرة الأولى، إلى النظر إلى الوضع بوصفه "معركة وجودية"، بعدما كانت تتعامل معه سابقاً بمنطق الحذر الشديد. وأكد أن إيران باتت توجه إنذارات مختلفة هذه المرة، تعكس احتمال تغيير سلوكها مقارنة بالمراحل السابقة، لافتاً إلى أن مضيق هرمز وسواحله، بما في ذلك الخليج وبحر عُمان، تمثل أحد أوجه هذه الرسائل، "في ظل امتلاك إيران قدرات عملياتية لم تُستخدم من قبل"، حسب قوله.