ملامح "النهج الآخر" للبعثة الأممية لإنقاذ خريطة الطريق الليبية
استمع إلى الملخص
- تتضمن خريطة الطريق ثلاث مراحل: إعادة تشكيل مجلس المفوضية والاتفاق على إطار انتخابي، توحيد مؤسسات الدولة، وإطلاق حوار وطني مهيكل، مع تقليص دور مجلسي النواب والدولة.
- جاءت ردود الفعل الليبية متباينة؛ رحب رئيس المجلس الرئاسي بإحاطة تيتيه، بينما اتهمها رئيس الحكومة المكلفة بتجاوز حدود مهامها.
وضعت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الثلاثاء الماضي، الأطراف الليبية أمام معادلة واضحة: إما إنجاز المرحلة الأولى من خريطة الطريق السياسية التي طرحتها الصيف الماضي خلال أسابيع، وإما أن "تسلك البعثة نهجاً آخر" بدعم من مجلس الأمن، لأن ليبيا كما قالت "لم تعد تحتمل مزيداً من التسويف". علماً أن ردات الفعل داخل ليبيا جاءت متباينة، إذ من جهة رحب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بإحاطة تيتيه، دون الإشارة إلى خريطة الطريق الليبية وموقف البعثة، ومن جهة أخرى اتهم رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد تيتيه بأنها "تجاوزت حدود مهامها المقررة وتدخلت في شؤون المؤسسات السيادية الليبية".
وأمام مجلس الأمن، وصفت تيتيه أداء مجلسي النواب والدولة، المكلفين بتنفيذ المرحلة الأولى من خريطة الطريق الليبية المطروحة، وهي إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات مع الاتفاق على إطار قانوني للانتخابات، بأنه "متعثر". وأشارت إلى أن اجتماعات المجلسين لم تتجاوز خلافاً جوهرياً حول ما إذا كان يجب "تغيير جميع أعضاء مجلس إدارة المفوضية" أو الاكتفاء "بملء الشواغر فقط". وأبدت أسفها لأن المجلسين لم يحققا أي تقدم يذكر، كما لم يتباحثا بعد "بشكل مشترك حول الإطار الدستوري والقانوني المنظم للانتخابات"، مؤكدة أن "تحقيق توافق سياسي حول هاتين المسألتين محفوف بالتحديات"، خصوصاً أن نمط المماطلة بات "سمة معتادة في ليبيا منذ فترة ليست بالوجيزة".
خريطة الطريق الليبية
واستندت الإحاطة إلى خريطة الطريق الليبية لحل الأزمة السياسية، والتي أعلنتها تيتيه في 21 أغسطس/ آب الماضي، والتي حددت ركائزها بثلاث مراحل: إعادة تشكيل مجلس المفوضية مع الاتفاق على إطار انتخابي قابل للتنفيذ، في مرحلة أولى تفضي إلى المرحلة الثانية وهي توحيد مؤسسات الدولة عبر تشكيل حكومة موحدة، وبالتوازي إطلاق المرحلة الثالثة وهي حوار وطني مهيكل يضم طيفاً واسعاً من القوى السياسية والمجتمعية، تمهيداً لتسوية شاملة في غضون مدة ما بين 12 و18 شهراً.
وتعد عبارة "النهج الآخر" التي كررتها تيتيه مرتين في إحاطتها يوم الثلاثاء الماضي، مؤشراً إلى بدائل مطروحة على طاولة البعثة، من بينها "الخيار الرابع" الوارد في وثيقة اللجنة الاستشارية (المنبثقة عن مبادرة البعثة للحل السياسي) التي استندت إليها خريطة الطريق الليبية. يقضي هذا الخيار بحل الأجسام القائمة وإنشاء مجلس تأسيسي جديد يتولى صياغة القوانين الانتخابية وتشكيل حكومة موحدة، وذلك إذا فشلت الأطراف الحالية في تنفيذ الخيارات الثلاثة الأخرى القائمة على إنجاز قوانين مؤقتة أو دستور دائم لإجراء الانتخابات. فقد انتهت أعمال اللجنة الاستشارية، في 20 مايو/ أيار الماضي، بوضع خيارات تمثلت في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، أو إجراء انتخابات برلمانية تليها مراجعة للدستور ثم انتخابات رئاسية على أساس دستور دائم، أو اعتماد دستور دائم قبل إجراء انتخابات وطنية، أو إنشاء جمعية تأسيسية لتحل محل المؤسسات الليبية القائمة قبل إطلاق عملية مراجعة للدستور يعقبها إجراء انتخابات.
صفوان المسوري: إحاطة تيتيه رسالة للجميع حول إمكانية تجاوزهم في حال استمرار حالة الجمود
بدائل أخرى
أما من بين البدائل الأخرى، فمراهنة البعثة على مسار "الحوار المهيكل"، الذي أعلنت تيتيه انطلاقه في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، بمشاركة شخصيات مدنية وسياسية من مختلف المناطق والفئات، مع تقليص دور مجلسي النواب والدولة في إدارة المرحلة المقبلة. في هذا السياق، لفت عضو المجلس الأعلى للدولة صفوان المسوري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى إمكانية اتجاه البعثة إلى تقليص دور مجلسي النواب والدولة في ظل انكشاف مشاوراتهما في "محاولات لعرقلة المسار السياسي". واعتبر أن إحاطة تيتيه رسالة للجميع حول إمكانية تجاوزهم في حال استمرار حالة الجمود.
ومنح اتفاق الصخيرات (في المغرب)، الموقع عام 2015، مجلسي النواب والدولة صلاحية تعيين شاغلي المناصب السيادية، ومن ضمنها مجلس المفوضية العليا للانتخابات، إلى جانب التوافق على الإطار الدستوري للانتخابات. لكن رغم اتفاق المجلسين في الرابع من سبتمبر/ أيلول الماضي، على البدء في تعيين شاغلي المناصب خلال أسبوعين مع إعطاء الأولوية لتشكيل مجلس إدارة المفوضية، فإنهما لم يحرزا أي تقدم حتى الآن. ولم يصدر عن مجلسي النواب والدولة أي تعليق رسمي على إحاطة تيتيه، علماً أن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي رحّب بها، مؤكداً في منشور على منصة إكس التزامه "بالشراكة والتنسيق الوثيق مع الأمم المتحدة ومؤسساتها". وشدد على أن "الاستقرار والتنسيق الأمني شرطان أساسيان للتقدم في المسار السياسي والتنمية المستدامة".
في المقابل، صعّد رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب في الشرق أسامة حماد لهجته ضد البعثة، متهماً إياها بتجاوز حدود تفويضها الأممي والتدخل في الشؤون السيادية. واعتبر في بيان أنها "تسعى لفرض آليات لتشكيل مجلس المفوضية وفق رؤيتها الخاصة، من دون احترام القوانين الليبية النافذة". بل رأى أيضاً أن "تلويح البعثة بنهج بديل ومطالبة مجلس الأمن بتجاوز المؤسسات المنتخبة، يشكل تهديداً مرفوضاً ومساساً خطيراً بالإرادة الوطنية". وذكر أن حكومته "ستواجه أي وصاية خارجية بكل الوسائل المشروعة"، ومن بينها المطالبة بـ"إعادة هيكلة بعثة الأمم المتحدة وتوسيع وجودها في بنغازي وسبها". أما اللواء المتقاعد خليفة حفتر
، فرفض ما وصفه بـ"الخريطة التي نسجت خيوطها وراء الحدود"، في إشارة واضحة إلى خريطة الطريق الليبية التي طرحتها الأمم المتحدة. ودعا الليبيين في بيان، الأسبوع الماضي، إلى "صياغة خريطة طريق ليبية خالصة ترتكز على الشرعية المحلية".ضغط ناعم
تعليقاً على إحاطة تيتيه، رأى الباحث في الشأن السياسي بشير الكوت أنها تمثل "ضغطاً ناعماً" من خلال التلويح بإجراءات عبر المجتمع الدولي، موضحاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تيتيه قدمت ثلاثة مفاتيح: "الأول منح أسبوعين فقط لمجلسي النواب والدولة لإنجاز المرحلة الأولى، والثاني إطلاق مسار الحوار المهيكل باعتباره خطة جاهزة في حال فشل المجلسين، والثالث استعادة دور مجموعة العمل الدولية المنبثقة عن مسار برلين (منذ 2020) لتأمين غطاء دولي موحد".
بشير الكوت: تدرك البعثة الأممية أهمية ضمان الإشراف الدولي على تنفيذ الخريطة
وكانت البعثة الأممية قد استضافت في مقرها بطرابلس، خلال أغسطس وسبتمبر الماضيين، عدة اجتماعات لمجموعة العمل السياسية، والتي تضم ممثلين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وتركيا وألمانيا ومصر والمملكة المتحدة، لمناقشة دعم خريطة الطريق الليبية. واعتبر الكوت أن "إعادة تشغيل المجموعة بعد سنوات من الجمود، تمثل محاولة لخلق غطاء دولي مفقود لتأمين لغة مشتركة بين الفاعلين الخارجيين في خريطتها". يأتي ذلك، وفق الكوت، إدراكاً من البعثة "لعمق الخلافات داخل مجلس الأمن، بهدف ضمان إشراف دولي على تنفيذ الخريطة، خصوصاً إذا تطلب الأمر الذهاب إلى الخيار الرابع الذي يقضي بإزاحة الأجسام السياسية الحالية وتشكيل مجلس تأسيسي بديل، فهو خيار يحتاج غطاء دولياً كثيفاً".
في المقابل، لا يبدي المحلل السياسي أبو بكر معيوش تفاؤلاً بالإحاطة، معتبراً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تلويح تيتيه بالنهج الآخر "من دون تحديده يعكس ضعف القدرة على فرضه". وأضاف أن "التهديدات من هذا النوع فقدت تأثيرها لدى القادة المحليين، إذ منذ سنوات صار خطاب العقوبات على المعرقلين مكرر دون فاعلية". وفي رأيه، فإن الإحاطة بدت "مرتبكة بين بدايتها التي حملت نبرة تهديد، ونهايتها التي لم تقدم أفقاً عملياً، بل طغى عليها الحديث المتشائم عن ملفات الفساد المالي واكتشاف كتل نقدية غير مسجلة بمليارات الدنانير في فرع مصرف ليبيا المركزي". وذكر أن "المتورطين في ملفات الفساد بهذا الحجم، قد تستنفرهم تهديدات تيتيه لبناء اصطفاف سياسي مضاد، وكل طرف يمكنه أن يجد داعماً دولياً يسنده".
أبو بكر معيوش: البعثة لا تملك سوى ممارسة ضغط فني وقانوني على مجلسي النواب والدولة
وحذّر معيوش من أن إطلاق الحوار المهيكل "قد يتحول إلى ساحة تنازع تمثيلي جديدة" إذا لم تحدَد معاييره بشفافية، إذ تنوي البعثة "طلب ترشيحات من الفاعلين المدنيين والمجتمعيين وفق معيار فضفاض هو الخبرة"، ما قد يفتح الباب لاختراقات من الأطراف السياسية الحالية بدفع شخصيات موالية لها ضمن عمليات الحوار نفسه. وفي رأيه، فإن "البعثة لا تملك سوى ممارسة ضغط فني وقانوني على المجلسين لإقرار الإطار الانتخابي وتشكيل مجلس المفوضية باعتبار ذلك خطوة أولى واقعية". أما في ما يتعلق بخيار المجلس التأسيسي فيحتاج، وفق معيوش، إلى "توافق دولي واسع داخل مجلس الأمن يصعب تحقيقه حالياً، لا سيما في ظل استمرار النفوذ العسكري والأمني الواسع لقوى مثل حفتر وغيره، تتعامل مع المشهد من موقع القوة لا السياسة".