ملاحقة مسؤولي النظام السوري السابق: المسار القانوني والعقبات السياسية

14 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:15 (توقيت القدس)
أمام القصر العدلي في دمشق، 11 أغسطس 2026 (بكر القاسم/فرانس برس)

أعادت أحكام الإعدام التي أصدرتها محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، الثلاثاء الماضي، بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد

وشقيقه ماهر الأسد وعدد من كبار المسؤولين في النظام السوري السابق، ملف ملاحقة المطلوبين الموجودين خارج البلاد إلى الواجهة، ولا سيما في روسيا التي يقيم فيها الأسد وعدد من معاونيه. تزامنت إجراءات محاكمة مسؤولي النظام السوري السابق مع إعلان معاون وزير العدل السوري مصطفى القاسم، أول من أمس الأربعاء، تشكيل لجنة للتواصل مع مكتب الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول" بهدف التعاون في تسليم المطلوبين، مؤكداً أن وزارة العدل تسعى إلى تعزيز التعاون الدولي وإنهاء ملف العدالة، واستعادة الأموال المنهوبة وملاحقة مستثمريها (الأموال المنهوبة) خارج البلاد. غير أن وجود أحكام قضائية ومذكرات توقيف لا يعني تلقائياً إمكانية القبض على المطلوبين وتسليمهم. فالمسار يتوقف على قانون الدولة التي يوجد فيها الشخص والمعاهدات النافذة وطبيعة التهم والأدلة وضمانات المحاكمة العادلة، إلى جانب موقف الدولة السياسي. 

ملاحقة مسؤولي النظام السوري السابق في روسيا

وقال المحامي السوري المختص في القانون الدولي المعتصم الكيلاني، إن سورية تمتلك أساساً قانونياً مهماً لمطالبة روسيا بالتسليم، يتمثل في معاهدة تسليم المطلوبين الموقعة بين البلدين في سان بطرسبرغ في 29 يونيو/ حزيران 2022، إلى جانب معاهدة للمساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية. وصادقت روسيا على المعاهدتين في إبريل/ 2023. وأوضح الكيلاني في حديث لـ"العربي الجديد"، أن المعاهدة تتيح من حيث المبدأ، تقديم طلب رسمي لتسليم الأشخاص المطلوبين للملاحقة الجنائية أو لتنفيذ الأحكام، لكنها لا تنشئ حقاً آلياً في التسليم.

المعتصم الكيلاني:  سورية تستطيع، في حالة الأسد، طلب التسليم لإجراء محاكمة حضورية جديدة، لا لتنفيذ الحكم الغيابي مباشرة

ويظل للدولة المطلوب منها التسليم، وفق الكيلاني، حق فحص الطلب وفق المعاهدة وقانونها الداخلي. وأشار إلى أن سورية تستطيع، في حالة الأسد، طلب التسليم لإجراء محاكمة حضورية جديدة، لا لتنفيذ الحكم الغيابي مباشرة. وتكتسب هذه النقطة، في رأيه، أهمية خاصة لأن الحكم الغيابي، وفق المعطيات المقدمة، يُلغى عند القبض على المحكوم عليه أو تسليمه نفسه، بما يتيح إعادة محاكمته حضورياً. لكن العقبة القانونية الأبرز هي عقوبة الإعدام، إذ أشار الكيلاني إلى أن القواعد المنظمة للتسليم في الحالة الروسية تسمح برفض التسليم عندما تكون الجريمة محل الطلب معرضة لعقوبة الإعدام، موضحاً أنه بالتالي فإن مجرد القول إن الحكم الغيابي سيُلغى لا يحل المشكلة، ما دام الإعدام قد يبقى متاحاً في المحاكمة الجديدة.

ويحتاج الأمر، وفق الكيلاني، إلى ضمان روسي مقبول بأن النيابة لن تطلب الإعدام أو أن المحكمة لن تفرضه أو أنه لن ينفذ إذا صدر، لافتاً إلى أنه كلما كان الضمان رسمياً وملزماً وقابلاً للتنفيذ، زادت فرص قبوله. من جهته، رأى الخبير القانوني السوري سامر ضيعي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هذه المشكلة المتعلقة في ملاحقة مسؤولي النظام السوري السابق تتجاوز روسيا، إذ ترفض دول عديدة تسليم الأشخاص عندما يكونون معرضين لعقوبة الإعدام، أو تشترط ضمانات واضحة بعدم فرضها أو تنفيذها. وفي ألمانيا والسويد، على سبيل المثال، ذكر ضيعي أن عقوبة الإعدام تشكل عائقاً قانونياً أمام التسليم ما لم تتوافر ضمانات مناسبة. 

هل يستطيع "الإنتربول" اعتقال المطلوبين؟ 

"الإنتربول" أداة مهمة، لكنه ليس بديلاً عن إجراءات التسليم. وسورية، باعتبارها عضواً في المنظمة، تستطيع عبر مكتبها المركزي الوطني في دمشق طلب إصدار نشرة حمراء بحق المطلوبين، استناداً إلى مذكرات توقيف أو أحكام قضائية. غير أن النشرة الحمراء ليست مذكرة توقيف دولية ملزمة، ولا يملك "الإنتربول" قوات لتنفيذ الاعتقال، فهي طلب يقدَّم إلى أجهزة إنفاذ القانون في جميع أنحاء العالم لتحديد مكان شخص واعتقاله مؤقتا في انتظار تسليمه أو ترحيله أو اتخاذ إجراء قانوني مماثل، بينما يعود قرار التوقيف والتسليم إلى الدولة التي يوجد فيها المطلوب.

 سامر ضيعي: "الإنتربول" يحظر استخدام منظومته في القضايا التي يغلب عليها الطابع السياسي أو العسكري أو الديني أو العنصري

في هذا السياق شدد ضيعي، على أن نجاح الطلب يتوقف على جودة الملف القضائي، إذ لا يكفي إدراج الشخص بوصفه "مسؤولاً سابقاً" أو "مجرم حرب"، بل ينبغي تحديد الوقائع والتواريخ والأماكن والضحايا والأدلة، وبيان المسؤولية الفردية، بما في ذلك الأوامر الصادرة عنه أو مساهمته المباشرة أو مسؤوليته عن مرؤوسين خاضعين لسيطرته الفعلية. كما ينبغي، وفق ضيعي، أن تكون الطلبات خالية من اللغة السياسية، لأن "الإنتربول" يحظر استخدام منظومته في القضايا التي يغلب عليها الطابع السياسي أو العسكري أو الديني أو العنصري، مع مراعاة مبادئ حقوق الإنسان.

وتواجه سورية تحدياً آخر يتمثل في إقناع الدول الأجنبية بأن التسليم سيؤدي إلى محاكمة حقيقية، وليس إلى تنفيذ حكم مقرر مسبقاً. وأكدت وزارة العدل السورية أن المحاكمات جرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة، وبمشاركة الضحايا وممثليهم، مع ضمان حقوق الدفاع وسبل الطعن. كما أعلنت أنها تسعى إلى تحقيق أعلى درجات التوافق بين القضاء السوري والمعايير الدولية للمحاكمات. غير أن منظمة العفو الدولية انتقدت الأحكام الغيابية وعقوبة الإعدام بعد إصدار الاحكام ضد عدد من مسؤولي النظام السوري السابق. ودعت إلى إلغاء المحاكمات الغيابية وإصلاح الإطار القضائي بما يضمن المحاكمة العادلة وتجريم الجرائم الأساسية التي يشملها القانون الدولي. وهنا تبرز أهمية أن تثبت الحكومة السورية عملياً، لا تشريعياً فقط، أن المتهم الذي يُسلَّم إليها سيحصل على محامٍ ووقت كافٍ للدفاع ومحاكمة مستقلة وحق في الطعن وظروف احتجاز ملائمة وضمان عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة المهينة.

هل يمكن رفض الطلب لأسباب سياسية؟

تسمح معاهدات التسليم عادة برفض الطلب إذا توافرت أسباب جدية للاعتقاد بأن الملاحقة تستهدف الشخص بسبب آرائه السياسية أو جنسيته أو دينه أو عرقه أو أصله. لكن مجرد كون المطلوب رئيساً سابقاً أو أن الجرائم ارتُكبت في سياق سياسي، لا يجعل القضية سياسية تلقائياً. فجرائم مثل القتل والتعذيب والإخفاء القسري وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية يمكن أن تشكل أساساً جنائياً للملاحقة (وهي جرائم مسؤولي النظام السوري السابق أيضاً). ولهذا ينبغي أن تبني دمشق ملفاتها على المسؤولية الفردية والأدلة، وأن تتجنب التوصيفات السياسية العامة. ومع ذلك، تبقى السياسة عاملاً حاسماً خصوصاً في الحالة الروسية، إذ يمكن لموسكو أن تستند إلى اعتبارات قانونية أو إلى وضع الأسد بوصفه لاجئاً أو إلى تقييمها السياسي للعلاقات مع دمشق. ولا تتوقف الملاحقة على استعادة المطلوبين إلى سورية، وإذا رفضت دولة ما تسليم أحد الأشخاص، فقد يكون ممكنا وفق قانونها، فتح تحقيق أو محاكمة محلية استناداً إلى الولاية القضائية العالمية، خصوصاً في جرائم التعذيب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وتقدم السويد مثالا على هذا المسار، حيث تجمع سلطاتها منذ سنوات أدلة بشأن الجرائم المرتكبة في سورية بينما تتيح بعض الدول الأوروبية ملاحقة أشخاص يُشتبه بارتكابهم جرائم دولية خارج أراضيها. كما تستطيع دمشق طلب أشكال أخرى من التعاون، مثل حفظ الأدلة وتبادل الوثائق والاستماع إلى الشهود وتتبع الأموال وتجميدها، أو إحالة الملفات إلى سلطات قضائية أجنبية. وقد أعلنت وزارة الداخلية السورية في يونيو/حزيران الماضي، استعدادها لتسهيل وصول محققين أوروبيين إلى الوثائق والشهود ومواقع الجرائم، مشيرة إلى بقاء جزء كبير من الأرشيف الأمني والعسكري السابق (إبان النظام السوري السابق). ويمكن لهذا الأرشيف أن يكون عنصراً مهماً في إثبات المسؤولية الفردية إذا جرى حفظه وتوثيقه وفق معايير سلسلة حيازة الأدلة (معايير حفظ الأدلة).

ما الذي تحتاجه دمشق؟

يتفق الكيلاني وضيعي على ضرورة إنشاء وحدة مركزية متخصصة بالتعاون القضائي الدولي تضم وزارة العدل والنيابة العامة ووزارة الخارجية ومكتب "الإنتربول" وخبراء الجرائم الدولية. وينبغي إعداد ملف مستقل لكل مطلوب، يتضمن مذكرة توقيف نافذة والهوية الكاملة والوقائع والأدلة والأساس القانوني ووصف المسؤولية الفردية والترجمات القانونية المصدقة، إلى جانب ضمانات واضحة بشأن المحاكمة وحقوق الدفاع والعقوبة وظروف الاحتجاز. كما تحتاج دمشق في سياق ملحقتها مسؤولي النظام السوري السابق لى تطوير تشريعات واضحة بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإخفاء القسري ومسؤولية القيادة، مع احترام مبدأ الشرعية وعدم رجعية العقوبات (مفعول رجعي).

وفي المحصلة، تشكل الأحكام الممتعلقة بمسؤولي النظام السوري السابق أساساً قانونياً يمكن أن يدعم طلبات التسليم والملاحقة الدولية، لكنها لا تضمن القبض على المطلوبين. العقبة القانونية الأبرز هي عقوبة الإعدام وضمانات المحاكمة العادلة، بينما تبقى العقبة العملية الكبرى هي موقف الدولة التي يوجد فيها المطلوب، ولا سيما روسيا. وبالتالي، فإن نجاح دمشق في ملاحقة المسؤولين السابقين لن يقاس بعدد مذكرات التوقيف أو النشرات الحمراء، بل بقدرتها على تقديم ملفات قضائية موثوقة، وإقناع الدول بأن التسليم سيقود إلى محاكمات مستقلة وعادلة، وأن المحاسبة ستتم في إطار القانون لا الانتقام السياسي.