ملاحقات تهدد "بيت فلسطين"... حرب بلا رصاص على الهوية الفلسطينية في بريطانيا
استمع إلى الملخص
- رمز للهوية الفلسطينية: يمثل "بيت فلسطين" سفارة ثقافية في لندن، حيث يقدم جولات تعريفية بالثقافة والتاريخ الفلسطيني، ويستضيف فعاليات اجتماعية وثقافية متنوعة لتعزيز الهوية الفلسطينية.
- التواصل الثقافي: يعزز "بيت فلسطين" التواصل الثقافي من خلال تنظيم لقاءات اجتماعية، وتقديم مساحات للشباب، واستضافة دورات لتعلم اللغة العربية وفنون فلسطين، مما يجذب الزوار ويعزز التواصل مع المجتمع البريطاني.
عندما تدخل إلى المبنى، تجد نفسك في عالم آخر، ليس افتراضياً لكنه واقعي. ترى فيه أشتاتاً من الناس متنوعي الخلفيات والجنسيات، وفلسطين محوره. في قلب لندن، أُسس "بيت فلسطين" منذ نحو عام ليكون "سفارة ثقافية" و"ملتقى جامعاً" يعبر عن الهوية الفلسطينية. ولذا، فإن البيت يواجه حصاراً يحاول خنقه، وحرباً بلا رصاص.
يصعب على العين أن تخطئ المبنى ذا الطوابق الستة في منطقة هولبرون، التي يمثلها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في البرلمان، وتقع على بعد كيلومترين فقط من مقر البرلمان والحكومة. فعلى الواجهة، تعلو صيحة احتجاج على جرائم إسرائيل في فلسطين. صيحة بلا صوت، لكنها بألوان علم فلسطين المضاءة على لافتة تصرخ "أوقفوا الإبادة الجماعية". تلك اللافتة هي أحد أسباب الحرب. فقد وضعها أسامة قشوع، مؤسس "بيت فلسطين"، حتى تكون أول ما تقع عليه عين الزائرين الذين يقترب عددهم من 250 ألفاً في السنة، كما يقول بفخر، لـ"العربي الجديد، مؤكداً أن البيت مشروع اجتماعي ليست له أي ميول سياسية سوى الدفاع عن القضية الفلسطينية.
شعار "أوقفوا الإبادة الجماعية" جريمة
يقول قشوع إن مجلس حي كامدن، الذي يتبعه "بيت فلسطين" إدارياً، مصمم على إزالة اللافتة بدعوى أنها "مخالفة جنائية للقانون". وحسب المراسلات الرسمية التي اطلعت عليها "العربي الجديد"، يقول المجلس إن المشكلة هي أن "اللافتة مضاءة" بالمخالفة لقواعد التخطيط العمراني التي تهدف إلى الحفاظ على الشكل المعماري للمنطقة. ورداً على أسئلة "العربي الجديد"، تصر أنجيلا ريان، المسؤولة في إدارة التخطيط المعماري في المجلس، على إزالة اللافتة، التي تقول إنه لم يصدر ترخيص بوضعها. وتوضح أنه يمكن لإدارة "بيت فلسطين" أن تقدم طلباً رسمياً للحصول على ترخيص بوضع لافتة غير مضيئة، إلا أنها تضيف أنه "ليست هناك ضمانة بمنح الترخيص". ولا تزال المشكلة قائمة.
يستمع زائر "بيت فلسطين" إلى روايات عن التأثير المدمر للأسلحة والدعم الأمني والاستخباري البريطاني لإسرائيل على المجتمع الفلسطيني
وفي حديث مع "العربي الجديد"، يستغرب بعض رواد "بيت فلسطين" طلب المجلس، مشيرين إلى أن متجر الوجبات السريعة "واسابي"، الواقع بجوار البيت، يضع لافتة بألوان أكثر إضاءة من لافتة "أوقفوا الإبادة الجماعية". وتقول تريسي دوفي: "حتى وضع لافتة احتجاج على جرائم إسرائيل في فلسطين أصبحت جريمة"، داعية الإدارة إلى "القتال حتى النهاية للإبقاء على اللافتة بأي طريقة". ويتساءل سانجي راج: "لماذا التركيز على بيت فلسطين؟".
ضغط بالعنف الجسدي... ولا تحقيق
العنف الجسدي هو إحدى وسائل الضغط التي تستهدف إغلاق "بيت فلسطين" الذي يقدم نفسه، في مواقعه على وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفه "بيتاً للجميع، للفلسطينيين، ولكل من عانى من النزوح أو المنفى أو البحث عن مجتمع". ففي مساء 27 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تعرض أسامة قشوع للضرب المبرح أكثر من مرة أمام المبنى وبالقرب منه. وبعد أحد الاعتداءات، اتصل بالشرطة التي جاءت، كما يقول، إلى المكان وسجلت الحادثة وطمأنته بأنهم سيبحثون عن الجناة. غير أنه لم يسمع شيئاً من الشرطة حتى الآن، رغم أن الحادثة تحمل كل مواصفات جريمة كراهية. ولم تؤكد الشرطة وجود "تحقيق مفتوح" في الحادثة. ورغم تزويدها بمعلومات عن توقيت الحادثة واسم صاحب "بيت فلسطين" المعتدى عليه، تقول متحدثة باسم الشرطة، رداً على أسئلة "العربي الجديد"، إنها "لم تتمكن من العثور على تحقيق جارٍ بناء على المعلومات التي قدمتها حول الحادث". ومنذ ستة أسابيع، تعرض أسامة قشوع وشقيقه لاعتداءات جسدية، ولم ير "جدوى من الاتصال بالشرطة لأنها لا تفعل شيئاً".
مفاجآت في يوم الأحد
يوم الأحد له خصوصية في البيت. ففيه يُنظم لقاء يجمع عدداً من الرواد، خاصة الجدد، على إفطار فلسطيني يستمتع فيه المدعوون، بالزعتر والزيتون، والفلافل، والفول، واللبنة، وبابا غنوج، والطحينة مع الخبز الأبيض الرقيق والشاي. بعد الإفطار يقود أسامة قشوع الضيوف في جولة للتعريف بأدوار "بيت فلسطين" الستة. كل دور يحكي واحدة من قصص فلسطين، ويجعل الزائر يعيش في واحدة من مدنها العريقة المعروفة: القدس، جنين، طولكرم، غزة، رام الله، نابلس. حتى صحراء فلسطين يمكن للزائر أن يعيش أجواءها في الطابق الأخير من المبنى.
خلال الجولة، يبين قشوع، بقدراته الهائلة، كونه مخرجَ أفلام، على الكلام ودرايته العميقة بالتاريخ والجغرافيا والمجتمع الفلسطيني، أهمية زيارة فلسطين لرؤية واقعها. وفي السياق، يفاجئ قشوع الزائرين بجانب خفي من جوانب من معاناة وطنه تحت الاحتلال. ومن بين المفاجآت التي صدمت الكثيرين خلال جولة الأحد الماضي، أن الجيش الإسرائيلي يصيب الفلسطينيين ثم يعالجهم على نفقتهم في مستشفيات إسرائيل، وليس هذا فحسب، بل إن النفقات تُحسب بالأسعار السياحية. وعندما سُئل عن طريق تحصيل نفقات العلاج، يقول أسامة قشوع إنها تُخصم من أموال السلطة الفلسطينية المحصلة من الصادرات الفلسطينية التي تمر عبر إسرائيل، موضحاً أن هذه السياسة تدر لإسرائيل قرابة 100 مليون دولار سنوياً، تكفي لبناء الكثير من المستشفيات في الأراضي الفلسطينية. وهذا يفسر، وفق تصوره، سبب إصرار جيش الاحتلال على هدم المستشفيات.
وخلال الجولة، يستمع الزائر أيضاً إلى روايات واقعية عن التأثير المدمر للأسلحة والدعم الأمني والاستخباري البريطاني لإسرائيل على المجتمع الفلسطيني. وبدت الدهشة على وجوه الزائرين عندما أثبت لهم أسامة قشوع بالأرقام قدرة الفلسطينيين على النهوض باقتصادهم من دون معونات. ويقول إن ما يطلبه الفلسطينيون من بريطانيا هي أن توقف دعم سلطات الاحتلال، وتفتح أسواقها للتجارة مع فلسطين، بدلاً من غض الطرف عن التجارة غير المشروعة مع المستوطنات التي تعتبرها بريطانيا غير مشروعة. فما يريده الفلسطينيون هو "التجارة وليس المعونة".
توجد في كل شبر من البيت صورة لمعاناة الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة
يحرص "بيت فلسطين" في كل أنشطته على التفريق بين الحكومات والشعب. ويؤكد دائماً: "نحن نؤمن بقيم المجتمع البريطاني، مثل الاحترام والدفاع عن المساواة وحرية الرأي والفرد، والتنوع الثقافي والبشري". وهذا بالضبط ما تُفاخر به الحكومات البريطانية المتعاقبة خلال العقود الأخيرة، وآخرها الحكومة الحالية التي قال رئيسها ستارمر في تغريدة (مساء الأربعاء الماضي) إن "بريطانيا بلد فخور ومتسامح ومتنوع"، رداً على قول رجل الأعمال تيم راتكليف إن "المهاجرين يستعمرون بريطانيا". ويقول قشوع: "إننا هنا من أجل المجتمع"، مؤكداً أن هذا الأمر أحد مبادئه المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تقول: "نُرحّب بالجميع، من لندن، وجميع أنحاء العالم، ونُهيئ بيئة يشعر فيها كل فرد بالتقدير والاحترام".
فالبيت مفتوح لكل الأنشطة الاجتماعية والثقافية والفنية، ويوفر مساحات للشباب الباحثين عن أجواء تشجع التفكير في مشاريع أعمال، وتفتح المجال لإنشاء شبكة تواصل وتعارف وتكوين الصداقات بين الناس. ويشجع "بيت فلسطين" على الزواج والإنجاب للحفاظ على الهوية، ولهذا، فإنه يتيح لأي عروسين، أحدهما فلسطيني، استخدام قاعة الأفراح مجاناً، ويوفر مساحات لمنظمي دورات لتعلم اللغة العربية وفنون فلسطين، مثل التطريز والدبكة. ومن المبنى نفسه، أطلق مشروع "غزة كولا" الذي تقول تقديرات "بيت فلسطين" إن مبيعاتها تجاوزت 6 ملايين عبوة، ولا تزال تلقى طلباً متزايداً في منطقة الخليج.
وتجذب هذه الأجواء المزيد من الزائرين للمكان الذي توجد في كل شبر فيه صورة لمعاناة الفلسطينيين، خاصة في قطاع غزة، بعد بداية الحرب الإسرائيلية الحالية، وخريطة لفلسطين التاريخية، وكيف خُطط لاحتلالها والتخلص من أصحابها. وفي مطعم يحتل الدور الأسفل من المبنى، تنتشر صور الأطفال القتلى، والبيوت المدمرة، ومشاهد التحدي الفلسطيني المتمسك بالحياة، فضلاً عن الأغاني العربية والفلسطينية التي تطرب الرواد. ومن حين لآخر، يتجمع محتجون على الإبادة في غزة والضفة الغربية المحتلة لرفع الأعلام الفلسطينية تعبيراً عن التضامن.
رسائل كراهية
كما توقع العاملون في "بيت فلسطين"، وغالبيتهم العظمى من الشباب المتطوعين من مختلف الجنسيات، فإن تزايد شعبية المشروع لم تكن لتلقى ترحيبَ بعض الجيران، والصهاينة وأنصار إسرائيل. فمن حين لآخر، تُرسَل للعاملين فيه رسائل كراهية، يُفترض أنها مجرمة قانوناً. وتصفهم الرسائل بأنهم "إرهابيون" و"مصاصو دماء" و"عنصريون" و"معادون للسامية"، ثم تهدد بـ"قتلهم وذبحهم". ورغم تكرار هذه الحوادث، لم تبلغ إدارة "بيت فلسطين" الشرطة، والسبب هو أنه "لا أحد سيتحرك، لأننا فلسطينيون أو مؤيدون لفلسطين". ويضيف قشوع سبباً آخر هو أنه يعي أن الهدف هو "استنزافنا نفسياً ومالياً وذهنياً حتى نيأس".
قطع الكهرباء عن "بيت فلسطين"
أمام البيت، لا تخطئ العين والأذن وجود مولد ضخم لتوليد كهرباء بالكاد يلبي احتياجات مبنى ومطعم بهذا الحجم. واضطرت إدارة "بيت فلسطين" إلى استخدام هذا المولد بعدما قطعت شركة الكهرباء التيار عنه بدعوى أن عليه متأخرات لم يدفعها ساكنه السابق. واعترض المجلس المحلي على استخدام المولد من دون ترخيص مسبق. وفي رسالة إلى "بيت فلسطين" اطلعت عليها "العربي الجديد"، يقول المجلس إن وجود المولد "تطوير غير مصرح ويشكل خرقاً (لقواعد) التخطيط العمراني". وشملت أسباب الاعتراض "احتمال وجود تأثير سلبي على شاغلي المباني والأعمال القريبة نتيجة الضوضاء والدخان".
تزايد شعبية المشروع لم تكن لتلقى ترحيب بعض الجيران، والصهاينة وأنصار إسرائيل
وفي اتصال مع "العربي الجديد"، تقول أنجيلا راين، المسؤولة في إدارة التخطيط بالمجلس المحلي، إن المجلس "تلقى شكوى من وجود المولد"، غير أنها رفضت الكشف عن اسم الشاكي. وأمهل المجلس إدارة "بيت فلسطين" حتى العشرين من فبراير/شباط الحالي لإزالة المولد وإلا "فسوف يُقاضى". إلا أن قشوع يؤكد أنه لم يتلق أي شكوى على الإطلاق، موضحاً أنه في "حالة إزالة المولد، سوف تتوقف الحياة في المبنى تماماً. لم أجد حلاً حتى الآن". ويضيف: "استنفدنا كل الوسائل لاسترجاع الكهرباء لكنهم أدخلونا في دوامة تستنزف طاقتنا، ووقتنا وقوانا".
ترهيب بالتقاضي
نُصحت إدارة "بيت فلسطين" بأن توكل محامياً للتعامل مع المجلس. غير أن قشوع يتساءل: "من أين لي بالأموال لتوكيل محامين. إمكاناتنا لا تقارن مثلاً بمنظمة محامي المملكة المتحدة من أجل إسرائيل"، التي يقع أحد مقارها على بعد أمتار من البيت الفلسطيني. وتفخر المنظمة بأن أحد أهدافها "المساهمة بشكل عام، بوصفنا محامين، في خلق مناخ رأي داعم في المملكة المتحدة تجاه إسرائيل". وكي يتحقق هذا الهدف، فإنه ينبغي أن تُواجه أي محاولة لتفنيد الرواية الإسرائيلية أو نشر الرواية الفلسطينية بكل حسم. وتعلن المنظمة، على موقعها الإلكتروني، أن إحدى وسائلها لتمكين إسرائيل في بريطانيا هي "تقديم الدعم القانوني، والمشورة والحملات لمكافحة محاولات تقويض إسرائيل، أو المنظمات الإسرائيلية، أو الإسرائيليين، أو مؤيدي إسرائيل، أو مهاجمتهم، أو نزع الشرعية عنهم".
إحدى استراتيجيات المنظمة، الأكثر إزعاجاً لـ"بيت فلسطين" وأنصارها الذين يتزايد عددهم في بريطانيا، هي استغلال الثغرات القانونية لإمطار مناهضي سياسات إسرائيل وأنصار فلسطين بالقضايا بهدف ردعهم عن المشاركة في الاحتجاجات. ودفعت هذه الممارسات مراكز حقوقية لتقديم شكوى رسمية إلى "سلطة تنظيم عمل المحامين" في بريطانيا، تطلب التحقيق مع المنظمة لإرسالها رسائل "كيدية وبلا أساس قانوني" بهدف ترهيب المتضامنين مع فلسطين. ورغم نفي المنظمة الاتهامات، فإن التحقيق لا يزال مستمراً منذ أغسطس/آب الماضي، وسط شكوك بأن محامي المنظمة يعملون عبر مكاتب محاماة لا تخضع لسلطة الهيئة. كما تحقق هيئة الجمعيات الخيرية أيضاً، منذ يوليو/تموز الماضي، في شكوى أخرى تتهم جمعية خيرية تابعة للمنظمة بتوجيه "تهديدات قانونية للجمعيات الخيرية والأفراد" بالمخالفة لقانون الهيئة.
"كأننا تحت احتلال"
في مواجهة "بيت فلسطين" على الجانب الآخر من شارع "هاي هولبرون"، يقع مبنى فخم متعدد الاستخدامات، اشترته مجموعة "حاجاج" العقارية القابضة الإسرائيلية بـ52 مليون جنيه إسترليني (حوالى 71 مليون دولار) في العام 2021. وفق موقع المجموعة الإلكتروني، فإن معظم نشاطها "يتركز في ألمانيا والمملكة المتحدة"، وتستهدف "الأصول التي تدر دخلاً والتي تتمتع بإمكانية تعزيز قيمتها من خلال تحسين الإدارة وتوسيع حقوق التطوير".
كان بإمكان أصحاب "بيت فلسطين" أن يفكروا بالطريقة نفسها ويستغلوا المبنى في أغراض تجارية تدر عليهم الملايين سنوياً، لكنهم اختاروا استخدامه للدفاع عن هويتهم، مهما تكن معاناتهم من الحصار المفروض عليهم. في ظل هذه الأجواء، يصف أسامة التحديات التي يواجهها "بيت فلسطين" بأنها "تحرش احتلالي غرضه طردنا من المنطقة... فكأننا فعلاً تحت احتلال ولسنا في لندن". ويقر بأنه يدرك أن "النظام هنا لا يرحب بوجودنا"، مطالباً البريطانيين وغير البريطانيين بأن "يحاسبوا هذا النظام الذي يضطهدنا لا لشيء سوى أننا نعبر عن هويتنا في مجتمع يقول إنه متنوع الثقافات". ويتعهد بالتمسك بشعار "يجب أن يكون صوتك عالياً وفخوراً" بأنك فلسطيني منفتح على الجميع. كيف يمكن للناس المساعدة؟ أفضل عون يطلبه "بيت فلسطين" في بريطانيا هو التشجيع على زيارته، والحصول على عضويته. لكن أسامة قشوع يشدد على أن البيت مفتوح ويتقبل كل الأفكار ما عدا: تناول الخمور وإتاحة منصة لإسرائيل.