استمع إلى الملخص
- أثارت الحادثة شكوكاً حول أبعاد أكبر من تقصير أمني، مع تزامنها مع مقتل أفراد أمن في إدلب، وتجاهل قوات التحالف لتحذيرات سورية، مما يعكس فقدان الثقة بين الجانبين.
- أكد المبعوث توماس برّاك على أهمية التعاون الأمني مع سورية، وسط دعوات لإعادة النظر في وجود القوات الأميركية، وتحذيرات من مطالبات إسرائيل بتجريد جنوب سورية من السلاح.
بين السبت والأحد، تبدّلت رواية حادثة تدمر أكثر من مرة. خاصة هوية منفّذها وخلفيّته، ومن يمكن أن يكون وراء الهجوم "النادر" وكيفية حصوله وبهذا الحجم من الخسائر ضد القوات الأميركية شرقي سورية. المعلومات الأولية بدت غير متماسكة ومتباينة أحياناً، وكأن المصادر كانت مشوشة، ربما عن قصد لتضييع الأثر، خصوصاً إذا كانت للعملية أبعاد وحسابات إقليمية.
آخر المعلومات المنسوبة إلى مسؤولين أميركيين وسوريين، أن الذي قام باغتيال ثلاثة أميركيين (جنديَين ومدني) وجرح ثلاثة منهم، فضلاً عن قتل جندي سوري وجرح اثنين من رفاقه، هو رجل أمن سوري "كان على وشك أن يُطرد من الخدمة بعدما تبيّن بأنه يحمل أفكاراً متطرفة". وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال نقلا عن آرون زالن، الخبير في الشأن السوري في مركز واشنطن لسياسات الشرق الأدنى بواشنطن، أن اسمه طارق الحمد "وعمل سابقاً في صفوف داعش". ويذكر أن هذا المركز هو بمثابة اللوبي الإسرائيلي الفكري النخبوي في واشنطن.
لكن لا تفسير لكيفية وصول الحمد إلى مكان الحادثة، علماً بأنه "لم يكن من بين عناصر فريق الحماية الذي رافق أحد مسؤولي وزارة الداخلية السورية إلى مقر قيادة الأمن الداخلي في منطقة تدمر للاجتماع مع ضابط أميركي". والمعروف أن مدخل هذا المكان "محصّن" ويفترض أن يكون "تحت حراسة مشددة"، خاصة في لحظة اجتماع على هذا المستوى.
كذلك كانت المعلومات مضطربة حول تنفيذ العملية. في البداية تردد أن منفّذها أطلق النار على ضحاياه "من شباك مبنى مقابل". وفي تقديرات أخرى أن المستهدفين وقعوا في "كمين" نُصب لهم. الاعتقاد الشائع أن الحمد الذي قُتل برصاص قوى الأمن السورية، نفّذ العملية بمفرده، إلا أن جهات سورية ذكرت أن السلطات المعنية أوقفت ثلاثة مشتبه بهم في الحادثة، في حين أكدت أخرى بأن عدد الموقوفين صار خمسة. وما زاد من البلبلة في قراءة المشهد ومعطياته، كان ما نُسب إلى وزارة الداخلية السورية بأنه بالرغم من تحذيراتها من المخاطر الأمنية في هذا المكان، إلا أن "قوات التحالف تجاهلت الأمر". وكأن الثقة "مفقودة" بين الجانبين.
غموض الوقائع والتباينات في سردها، أثار الشكوك والظنون بأنه ليس من المستبعد أن تكون المسألة أبعد من مجرد تقصير أمني. فالأمن هنا قد تكون له أبعاد أخرى أكبر وأخطر. فهل صدفة أن يتزامن هذا الحدث مع مقتل أربعة من أفراد الأمن السوري في منطقة إدلب؟
المبعوث الخاص توماس برّاك بدا وكأنه يحمل خشية كهذه، حين قال إن عملية تدمر "تأتي لتؤكد أهمية التمسك باستراتيجية التعاون الأمني مع سورية وليس العكس". وجاء كلامه في سياق ما أثارته الضربة من ردود دعت إلى وجوب إعادة النظر بوجود القوات الأميركية في سورية (حوالي ألف جندي). والمعلوم أن عددها كان ألفين في إبريل/ نيسان الماضي، وكان الرئيس دونالد ترامب يعتزم سحبها بالكامل. لكن الاعتبارات العسكرية في الإقليم الملتهبة ساحاته وسقوط نظام بشار الأسد، رجّح قرار الإبقاء عليها في وضعها الراهن.
المطالبات بالانسحاب أخذت دفعة زخم بعد هذه الحادثة. غير أن التراجع بعد هذه العملية صار مستبعداً، إذ لا تبدو رئاسة ترامب في وارد تكرار انسحاب "الهرولة" الذي أجراه الرئيس السابق جو بايدن من أفغانستان. والمبعوث برّاك يشدّ في هذا الاتجاه. وقد حذر مؤخراً من انعكاسات تشبث رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بمطالبة دمشق بتجريد جنوب سورية من السلاح. لكن البيت الأبيض سكت عن الموضوع وترك حتى الآن، أمن جنوب سورية ورقة ابتزاز بيد إسرائيل.