مقترح برلماني للعفو عن معتقلي حراك "جيل زد" في المغرب
استمع إلى الملخص
- يقترح إنشاء لجنة وطنية تحت إشراف وزارة العدل لمتابعة تنفيذ العفو، مستنداً إلى الفصل الـ71 من الدستور المغربي، مما أثار نقاشاً حول حدود السلطة التشريعية.
- أعلنت حركة "جيل زد" عن انتهاء "الفصل الأول" من حراكها، مشيرة إلى نجاحها في إشعال نقاش وطني، وتستعد لإطلاق "الفصل الثاني" بشكل أكثر فعالية وتنظيماً.
دخل "الحزب الاشتراكي الموحد" المعارض في المغرب على خط ملف حراك "جيل زد" بعد تقديمه مقترحاً برلمانياً يروم إصدار عفو عام وشامل عن جميع الأفعال المرتكبة على خلفية أو بمناسبة الاحتجاجات التي انطلقت نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، واستمرت لأربعة أسابيع. وقدمت المقترح النائبة عن الحزب الاشتراكي الموحد، نبيلة منيب، إلى مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، أمس الاثنين، بهدف "معالجة التبعات الناتجة من المحاكمات والأحكام القضائية الصادرة في حق المشاركات والمشاركين في الحراك"، وذلك من خلال "خلق مناخ سليم ومنفتح يكون مدخلاً لتدشين مرحلة جديدة لكل بنات هذا الوطن وأبنائه"، وفق المذكرة التقديمية للمقترح.
وتروم المبادرة التشريعية إعادة الثقة بين الدولة والشباب، ومعالجة تداعيات الاحتجاجات بمقاربة إنسانية واجتماعية تمهد لمصالحة وطنية جديدة. وينص مقترح القانون في مادته الأولى، على إصدار عفو عام وشامل عن جميع الأفعال المرتكبة على خلفية أو بمناسبة الحركات الاحتجاجية شباب "جيل زد"، منذ انطلاقها في 27 سبتمبر/ أيلول 2025 إلى غاية التصديق على القانون في البرلمان، وكذلك ضرورة أن يشمل هذا العفو جميع الأفعال التي كانت أساساً لمحاكمات ناشطات ونشطاء الحركة الاحتجاجية.
كذلك تنص المادة الثانية على أن هذا العفو يشمل كل شخص صدرت في حقه أحكام قضائية نهائية أو غير نهائية تتعلق بالأفعال المشار إليها، إضافة إلى كل من كان محل متابعات أو اعتقالات أو توقيفات مرتبطة بها، أو لا تزال الدعوى العمومية في حقه سارية أو مجمدة، مؤكدة في هذا الإطار احتفاظ الأطراف المدنية المتضررة بحقها في المطالبة بالتعويض أمام الجهات القضائية المختصة، طبقاً للقانون. وبحسب المادة الثالثة من مقترح البرلماني، المكون من ديباجة وخمس مواد، فإن العفو العام يترتب عليه انقضاء الدعوى العمومية في جميع مراحلها، ومحو الإدانة الجنائية وإلغاء جميع الأحكام الصادرة بحق المعنيين، بحيث يعتبر العفو بمثابة براءة قانونية كاملة، ويؤدي كذلك إلى إلغاء جميع الآثار القانونية والقضائية والإدارية المترتبة عن تلك المحاكمات والأحكام.
كذلك تقترح مبادرة منيب إحداث لجنة وطنية مشتركة تحت إشراف وزارة العدل لتتبع تنفيذ القانون وضمان الإفراج الفوري عن المشمولين بالعفو، مع حذف السوابق القضائية ذات الصلة من السجلات العدلية دون أي استثناء. ويرتكز المقترح على الفصل الـ71 من الدستور المغربي الذي ينص على أنه "يختص البرلمان بإصدار القانون، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور مثل العفو"، في الوقت الذي يتحدث فيه الفصل الـ58 من الدستور المغربي عن حق العفو الذي يختص به الملك بصفته رئيس الدولة.
وبحسب إحصائيات "جيل زد"، فقد أُوقف خلال الاحتجاجات 2068 شاباً، من بينهم 1000 متابعون في حالة اعتقال، و330 قاصراً يتابعون قضائياً، معتبرة أنها "ليست مجرد أرقام، بل هي التكلفة الباهظة للحلم بوطن أفضل". فيما تحدثت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (أكبر تنظيم حقوقي مستقل في البلاد) عن تسجيل ما سمته "سلسلة من الخروقات التي مست حقوق المحتجين، وضمانات المحاكمة العادلة".
في المقابل، كشفت رئاسة النيابة العامة، في 28 أكتوبر/ تشرين الثاني الماضي، عن متابعة ما مجموعه 2480 متهماً، منهم 959 في حالة سراح فيما جرت متابعة 1473 في حالة اعتقال، علماً أن هذا الرقم الأخير قد انخفض بعد إطلاق سراح عدد من المتهمين بناءً على صدور أحكام بالحبس موقوف التنفيذ وأحكام بالبراءة، إضافة إلى صدور أحكام في حق القاصرين قضت بتسليمهم لأولياء أمورهم تطبيقاً للقواعد المحددة لمحاكمة الأحداث الواردة في قانون المسطرة الجنائية.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين ثبت تورطهم في ارتكاب أفعال إجرامية تتسم بالخطورة بالنظر إلى مساسها بسلامة الأشخاص والممتلكات وبالأمن والنظام العام، بحسب رئاسة النيابة العامة، فقد قُدِّم 2480 شخصاً أمام بعض النيابات العامة لدى محاكم المملكة (مثل الرباط، والدار البيضاء، وأغادير، وطنجة، ووجدة…)، لاتخاذ الإجراء القانوني المناسب في حقهم. وأكدت رئاسة النيابة العامة أنه "تم الحرص خلال جميع مراحل البحث والمحاكمة على ضمان جميع شروط المحاكمة العادلة للمشتبه فيهم والمتهمين".
وتعليقاً على المبادرة التشريعية لإصدار العفو العام على معتقلي "جيل زد"، قال أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة (غرب البلاد) رشيد لزرق، في حديث مع "العربي الجديد" اليوم الثلاثاء، إن "مبادرة النائبة منيب بتقديم مقترح قانون للعفو العام، أو ما يُعرف بالعفو التشريعي، تندرج ضمن صلاحيات السلطة التشريعية المنصوص عليها في الفصل الـ71 من الدستور المغربي. غير أنها تثير إشكاليات دقيقة على مستوى المفهوم والملاءمة". وأوضح أن "العفو العام لا يقتصر على إسقاط العقوبة كما هو الحال في العفو الخاص الذي يمارسه الملك، بل يترتب عنه محو الصفة الجنائية عن الأفعال المرتكبة وإزالة آثارها القانونية بأثر رجعي، ما يجعله تدخلاً تشريعياً له أثر مباشر على مبدأ الشرعية الجنائية".
ورأى أن توسيع نطاق هذا العفو ليشمل أفعالاً قد تمسّ النظام العام أو سلامة الدولة يطرح تساؤلات عن حدود السلطة التشريعية في مواجهة مقتضيات الأمن القانوني. ومع ذلك، يقول لزرق إنه "يمكن النظر إلى هذه المبادرة من زاوية سياسية، باعتبارها محاولة لإعادة بناء الثقة بين الدولة وشباب جيل زد، في إطار مصالحة وطنية تقوم على الحوار والاحتواء، شرط ألا تمسّ بجوهر القاعدة القانونية ولا بمبدأ المساواة أمام القانون".
وتأتي المبادرة التشريعية للزعيمة السابقة للحزب الاشتراكي الموحد في وقت دخلت فيه حركة "جيل زد" في المغرب، مرحلة جديدة في تاريخها، بعد قرارها إنهاء ما سمته الفصل الأول من حراكها السلمي، وإعلان استعدادها لإطلاق فصل ثانٍ تريده أكثر فعالية وتنظيماً حتى يكون "في مستوى تطلعات الشعب المغربي وتضحيات المناضلين". وفي خطوة مفاجئة ومثيرة للكثير من الأسئلة، أعلنت حركة "جيل زد"، في 31 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، اختتام ما وصفته بـ"الفصل الأول" من حراكها السلمي، مشيرة إلى أن المرحلة القادمة ستشهد انطلاقة جديدة أكثر قوة وتنظيماً وفعالية. وقالت الحركة، في بيان، إن "الفصل الأول من الحراك كان نجاحاً تأسيسياً، وأثبت وجود جيل شبابي واعٍ بقضايا وطنه، ونجح في إشعال نقاش وطني حول أولويات المغاربة"، مؤكدة أن المرحلة السابقة "كسرت جدار الصمت، وأعادت إحياء روح الوعي السياسي والنضالي لدى آلاف الشباب".
واعتبرت أن "هذه الوقفة التنظيمية ليست تراجعاً عن المسار، بل فترة لإعادة ترتيب الصفوف، والتفكير الجماعي، والنقد الذاتي البناء، استعداداً لإطلاق الفصل الثاني من الحراك" الذي تريده الحركة أكثر فعالية وتنظيماً حتى يكون "في مستوى تطلعات الشعب المغربي وتضحيات المناضلين". وشددت حركة "جيل زد" على أن نضالها "لم ولن يتوقف"، مشيرة إلى أن "الوقفة الحالية هي لحظة تأمل واستعداد للعودة بشكل أقوى وأكثر تأثيراً".